أبرز ملحوظات مناقشي الرسائل العلمية

بسم الله الرحمن الرحيم

 
كثيراً ما حضرتُ مناقشات لرسائل جامعية، ويلفت نظري تشابه الملحوظات الأساسية التي يوردها المناقشون على الباحثين. وناقشتُ يوماً في ذلك زميلي العزيز الدكتور ناصر بن محمد المنيع وفقه الله الأستاذ المشارك بقسم الثقافة الإسلامية بكلية التربية بجامعة الملك سعود في هذه المسألة. فوعدني أن يكتب أبرز الملحوظات التي يلاحظها. وقد وفى بذلك جزاه الله خيراً. وكتب هذه الملحوظات، وهي قابلة للزيادة من قبل الخبراء في المناقشات من أمثال أستاذنا الكريم الأستاذ الدكتور فهد بن عبدالرحمن الرومي والأستاذ الدكتور محمد بن عبدالرحمن الشايع وغيرهما من أساتذة الدراسات العليا.
 
تكمن أبرز ملحوظات المناقشين فيما يلي:
 
1- إغفال الباحثين مبحثًا مهمًا من مباحث المقدمة وهو الدراسات السابقة أو التقصير في عرضها. أو يكون ما عرضه الطالب من الدراسات السابقة بعيد الصلة بموضوعه وقد يغفل دراسات سابقة ألصق بموضوعه والأولى بالباحث عرض كل كتاب من الكتب السابقة على حدة، ثم يبدي الجوانب الايجابية في الكتاب ثم يعرض لما سيضيفه على الدراسة كما يصنع في خطة البحث لا يستقيم أن تكون الدراسات السابقة في خطة البحث أوسع من الرسالة.
 
2- تخلو مقدمة الرسالة أحيانًا من موضوعات رئيسية وهي: أهمية البحث وأهداف البحث وأسئلة البحث.
 
3- إهمال علامات الترقيم وخاصة الفاصلة والفاصلة المنقوطة وعلامة التنصيص وعلامة الجمل المعترضة.
 
4- عدم ضبط بعض الكلمات المشكلة والأعلام.
 
5- يورد الباحث أحيانًا أسماء المراجع في صلب الرسالة. وأحيانا يورد الأعداد على هيئة أرقام ولا يكتبها بالحروف.
 
6- الترجمة للأعلام، الأولى أن تكون لغير المشاهير.
يقع في تراجم الأعلام الواردين في الرسائل العلمية بعض الأخطاء مثل:
(أ) الترجمة للمشهور وترك غير المشهور.
(ب) لا يترجم للعلم في الموضع الأول الذي يرد فيه.
(ج) قد يترجم الباحث للعلم من معلوماته الخاصة مما ليس في مصدر الترجمة المذكور.
(د) الاكتفاء بمصدر واحد للترجمة وغالبًا لا يكون هذا المصدر مناسبًا بمعنى لا يترجم للصحابة من كتب الصحابة ولا يترجم للفقهاء من كتب طبقات الفقهاء وهكذا.
 
7- من أخطاء الباحثين في صنع الفهارس العلمية ما يلي:
(أ) على الباحث أن يتأكد من فهرس الأعلام فكثيرًا ما يرد نقص في ذكر الصفحات التي ورد فيها العلم.
(ب) من فهرس المراجع سقطت بعض الكتب التي رجع إليها الباحث في الرسالة مثل: المقصد الأسنى صحيح سنن أبي داود الصواعق المرسلة.
(جـ) الدوريات تفرد لوحدها عن الكتب. ويبدأ بذكر اسم البحث أو الباحث وليس اسم الدورية أو المجلة.
 
8- الخلط بين حدود الدراسة وإجراءات البحث.
 
9- من الملاحظات البارزة على الرسائل في العلوم الشرعية الطول والاستطراد حتى يخرج الباحث عن الموضوع وهذا مما يثقل كاهل الرسائل بعدد كبير من الصفحات بل إن القارئ قد يجهل وهو يقرأ موضوع الرسالة لكثرة الاستطرادات.
 
10- من الملحوظات -أيضًا- النقول المطولة عن العلماء والباحثين وقد يأخذ هذا النقل أحيانًا أكثر من صفحة. ولا شك أن وجود مثل هذا فيه إشارة إلى خلل وقصور بحثي.
 
11- غياب بعض المصادر المهمة اللصيقة بموضوع المبحث وهذا دليل على أن الباحث لم يطلع عليها.
 
12- عدم التناسب من حيث الحجم بين الفصول والمباحث والمطالب وتفاوتها.
 
13- العزو إلى المصدر الفرعي (الوسيط) مع وجود المصدر الأصلي.
 
14- إهمال تخريج بعض الأحاديث بالكلية وعزو الحديث إلى كتاب من كتب التفسير.
 
15- ترك الحكم على الأحاديث في بعض المواضع مع أهميته.
 
16- إهمال تخريج بعض الآثار الخاصة بأسباب النزول وكما هو معلوم فإن أسباب النزول عن الصحابي لها حكم المرفوع ومع ذلك قد يوردها الباحث ولا يخرجها ولا يحكم عليها ويكتفي بعزوها إلى مصدر فرعي.
 
17- القصور في تخريج آثار التابعين في التفسير.
 
18- لا يسير الباحث على منهج واحد في ألقاب العلماء فمرة يقول الإمام ومرة يذكر اسم العالم دون لقب.
 
19- إعادة النصوص والأحاديث والأقوال في أكثر من مبحث. والتكرار ولا شك يعاني منه الباحث فقد يكون الشيء سببًا ونوعًا وأثرًا في نفس الحال؛ لكن على الباحث أن لا يكرر وان كرر النصوص فانه يغير الأسلوب والمعالجة.
 
20- نقل أقوال العلماء والباحثين والمختصين من غير كتبهم ومصادرهم.
 
21- الصحيح في توثيق المراجع اللغوية ذكر مادة الكلمة وأصلها لأنه لو اختلف الترتيب أو الطبعات يمكن الرجوع إليها.
 
22- إهمال تخريج الأبيات الشعرية أو التقصير في تخريج بعضها والمنهج الصحيح توثيقها أولًا من الدواوين فإن لم يكن للشاعر ديوان فإن البيت يخرج من كتب اللغة القديمة ككتب المبرد وابن جني والأزهري وغيرهم فإن لم توجد فيها فتخرج من كتب المعاجم ويبدأ بالكتب المتقدمة ثم المتأخر منها: مثل لسان وتاج العروس.
 
23- يهمل الباحث في بعض الأحيان شرح الغريب الوارد في الحديث المستدل به.
 
24- حاجة الرسالة أحيانًا إلى عناوين جانبية وخاصة في المطالب الطويلة. تساعد على الفهم وترتب المعلومات.
 
25- ضعف الربط بين النصوص المنقولة عن العلماء مما قد يسبب تشويشًا للقارئ وصعوبة فهم.
 
26- الاقتصار في بعض المطالب على مرجع واحد أو مرجعين وهذا يجعل الأمر نسخًا أكثر منها بحثًا.
 
27- عزو الباحث مجموعة من الأقوال أو الآثار أو المعلومات في هامش واحد إلى مصادر متنوعة فلا يعرف القارئ هل قول ابن عباس مثلًا موجود في كل المصادر أو في بعضها وإذا كان في بعضها فما هو هذا البعض.
 
28- يحرص بعض الباحثين على الترجيح دائمًا وهذا فيه إظهار لشخصيتهم وتمكنهم العلمي لكن يرد على ترجيحاتهم ما يلي:
– أن الخلاف في التفسير غالبه كما هو معروف من باب اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد فهل نحن في حاجة مع كل قول أن نرجح ونصف قولًا بأنه راجح وقول بأنه مرجوح.
– يستدل على ترجيحه بوجوه وأدلة لكنه يهمل أدلة الفريق الآخر.
– من مرجحات الباحث أنه يقول وهو قول الجمهور ولا شك أنه مرجح لكن على أي شيء استند الباحث حتى حكم أنه قول الجمهور هل أحصى العلماء واستطاع أن يخرج بهذه النسبة أو هل نقل أحد من العلماء المعتبرين هذا الحكم.
 
29- من أخطاء الباحثين إصدار النتائج الكبيرة قبل بدء البحث العلمي والمناقشة.
 
30- الخاتمة ليست ملخصًا أو اختصارًا للبحث بل أن ما يجب أن يورد فيها هي تلك النتائج التي توصل إليها الباحث بجهده وبحثه.
 
مناقشة الرسالة العلمية جزء من تدريب الطالب وصناعة ملكته العلمية، وتعريضه للنقد العلمي الرشيد أمام الملأ حتى يثبت قدرته العلمية على مناقشة الأفكار التي كتبها بيده حتى يتبين للجنة المناقشة مقدرة الطالب على إيضاح أفكاره ودفاعه عنها وبيان ما قد يشكل، والرجوع عما قد يكون جانبه فيه الصواب وغير ذلك من فوائد المناقشة العلنية للرسائل العلمية. ونجاح الباحث في اجتياز المناقشة جزء من الدرجة العلمية التي تمنحها له لجنة المناقشة.
وفوائد المناقشة -إذا التزم أطرافها بلزوم الأدب في الحوار والنقاش وطرح الملحوظات على الباحث بطريقة علمية مؤدبة- لا تخفى، وكم جنينا من الفوائد العلمية والأدبية والتربوية بحضور الكثير من المناقشات.
 
إلا أنه لكثرة الرسائل، وتفاوت أساليب المناقشين في عرض ما لديهم من ملحوظات واستفسارات، وتفاوت الباحثين في القدرة على تحمل النقد والإبانة عن مقصوده للمناقشين، واختلاف أنظمة المناقشة في الجامعات الإسلامية تظهر الكثير من السلبيات التي تحف مثل هذه المناقشات والتي تفضل الزملاء بذكر بعضها. والتحكم في مثل هذه الانفعالات أمام الجمهور واختلاف شخصيات الطلاب والمناقشين في تحمل النقد العلني أمام الآخرين بمختلف طبقاتهم فيه صعوبة ولله في خلقه شؤون.
 
أؤكد على الحاجة الماسة إلى وجود دليل للمناقشة العلمية والغاية منها وآدابها لينتفع بها المناقِش والباحث معاً، ولتقليل السلبيات التي تطرأ على المناقشات. وهذا يحتاج إلى خبير في المناقشات كأستاذنا الدكتور فهد الرومي وفقه الله فله في ذلك باع طويل وتاريخ مشكور رعاه الله، ولعله يجد من الوقت ما يمكنه من تحرير وثيقة في ذلك فالحاجة إلى ذلك ماسة.
 

وهدفنا من هذه الموضوعات الارتقاء بالمناقشات القرآنية فهي أولى ما يُسعى إلى كماله، وإفادة الباحث المقبل على المناقشة بمفاجآت الطريق، والسعيدُ من وعظ بغيره.