أشكل عليّ قول ابن القيّم في بيان المشبّه والمشبه به في هذا المثل القرآني

بسم الله الرحمن الرحيم

السؤال:

قال ابن القيم في سياق بيانه لمعنى المثل في قول الله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} [ابراهيم:24]: “فإن المقصود بالمثل المؤمن، والنخلة مشبهةُ به وهو مشبه بها، وإذا كانت النخلة شجرةً طيبةً فالمؤمن المشبه بها أولى أن يكون كذلك”. هكذا في إعلام الموقعين 2/301 بتحقيق مشهور حسن سلمان

ولم يظهر لي وجه هذا الكلام، فمن يشرحه لي مشكوراً ؟

الجواب:

قال ابن قيم الجوزية تعقيبًا على هذا المثل المذكور: “شبه سبحانه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة؛ لأن الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح، والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع.. وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين، الذين يقولون: الكلمة الطيبة هي شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإنها تثمر جميع الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة، فكل عمل صالح مرضي لله عز وجل ثمرة هذه الكلمة.

وفي تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: {أَصْلُهَا ثَابِتٌ} قول لا إله إلا الله في قلب المؤمن. {وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء.
وقال الربيع بن أنس: {كَلِمَةً طَيِّبَةً} هذا مثل الإيمان. والإيمان: الشجرة الطيبة، وأصلها الثابت، الذي لا يزول: الإخلاص فيه، وفرعه في السماء: خشية الله.
والتشبيه على هذا القول أصح وأظهر وأحسن؛ فإنه سبحانه شبه شجرة التوحيد في القلب بالشجرة الطيبة الثابتة الأصل، الباسقة الفرع في السماء علوًا”.

فعلى هذا القول يكون المراد بالكلمة الطيبة: كلمة التوحيد، ويكون المراد بالشجرة الطيبة: المؤمن، أوقلبه.. وهذا واضح.

ثم أضاف ابن قيم الجوزية قائلاً: “ومن السلف من قال: إن الشجرة الطيبة هي النخلة، ويدل عليه حديث ابن عمر الصحيح.

ومنهم من قال: هي المؤمن نفسه؛ كما قال محمد بن سعد: حدثني أبي حدثني عمي حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} يعني بالشجرة الطيبة: المؤمن، ويعني بالأصل الثابت في الأرض والفرع في السماء يكون المؤمن يعمل في الأرض، ويتكلم، فيبلغ قوله وعمله السماء، وهو في الأرض.

وقال عطية العوفي في: {ضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} قال: ذلك مثل المؤمن، لا يزال يخرج منه كلام طيب، وعمل صالح يصعد إلى الله.

وقال الربيع بن أنس: {أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} قال: ذلك المؤمن ضرب مثله في الإخلاص لله وحده وعبادته وحده لا شريك له. قال: {أَصْلُهَا ثَابِتٌ} قال: أصل عمله ثابت في الأرض. {وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} قال: ذكره في السماء”.

فعلى القول الأول تكون الشجرة الطيبة هي النخلة، شبِّه بها المؤمن.. وعلى الأقوال الأخرى تكون الشجرة الطيبة هي المؤمن نفسه شبِّهت به النخلة.. وهذا ما قد يكون خفي عليكم وفقكم الله.

ولهذا قال ابن قيم الجوزية: “ولا اختلاف بين القولين؛ فالمقصود بالمثل المؤمن، والنخلة مشبهة به، وهو مشبه بها. وإذا كانت النخلة شجرة طيبة، فالمؤمن المشبه بها أولى أن يكون كذلك”.