إشكال حول المتواتر عند المفسرين

بسم الله الرحمن الرحيم

 
السؤال:
 
المتواتر عند المحدثين له شروطه المعروفة، وهي مأخوذة ـ عند التحقيق ـ من المتكلمين، وفي بعضها نقاش، ولست هنا بصدد الحديث عنها، وإنما سؤالي :
 
حينما وصفت القراءات السبعية بـ(المتواترة) فهل طبقت عليها شروط الحديث المتواتر عند المحدثين؟
 
فإن كان الجواب: نعم، فيشكل على ذلك أن بعض القراءات تنتهي عند صحابيٍ واحد فقط أو اثنين، أو حتى ثلاثة، ومثل هذا -عند المحدثين- لا يدخله في جملة المتواتر ـ وإن اختلفوا في العدد الذي يثبت به التواتر ـ.
 
ثم إذا قلنا على سبيل المثال: إن قراءة حفص عن عاصم ليست متواترة عند ابن جرير ـ كما توصل إلى ذلك الشيخ الفاضل المفيد د.مساعد الطيار ـ فكيف صارت متواترة عند من أتوا بعده؟! لأنه حيئذ قد فقد التواتر في إحدى الطبقات ـ وهذا على حد المحدثين ـ.
 
فهل من إزالة لهذا الإشكال القائم عندي؟!
 
الجواب:
 
ذكر الشيخ عبدالله الجديع في (تحرير علوم الحديث) 1/43 كلاماً جيداً حول هذه المسألة، أذكره ملخصاً من باب المذاكرة هنا مع بعض التصرف طلباً للاستفادة منكم أبا عبدالله ومن جميع الإخوة وفقهم الله.
 
حيث ذكر أنَّ التواتر قسمان :
1- تواتر ضروري وهو ما أغنى في صحته عن البحث في الإسناد. وتواتر القرآن الكريم من هذا القسم، ولذلك فإنك لا تجد شرط التواتر المعروف عند المحدثين مطبقاً ولا يبحث أصلاً عند الحديث عن تواتر القراءات، وما هذه الأسانيد التي بأيدي الناس اليوم إلا من باب طلب اتصال الأسانيد فحسب وليس فيها شرط التواتر، وهي تنتهي إلى أفراد في آخرها أو في أثنائها.

2- تواتر نظري وهو ما كان موقوفاً على جمع الطرق والروايات، فهو مبني على البحث والنظر، والعلم بهذا القسم غير حاصل ضرورة كتواتر نقل القرآن المستغني عن الأسانيد والطرق. ومن هذا القسم التواتر في الأحاديث النبوية، وهو لا يستغنى فيه بمجرد تعدد الأسانيد عن ثبوت أفرادها، فمن الأحاديث ما تعددت أسانيده وكثرت، لكنها واهية ولا يثبت منها شيء.
 
وهذا المعنى أغفله أكثر من تعرض لهذا الموضوع، خصوصاً أن أكثر من تكلم في التواتر هم الأصوليون، وهؤلاء تكلموا في التواتر الضروري، كتواتر القرآن، ومن ثمَّ عدَّاه طائفة إلى الحديث، وأغفل هؤلاء أن نقل القرآن ليس كنقل الحديث، فلا يستويان، فتواتر القرآن أغنى في صحته عن البحث في الإسناد، بخلاف تواتر الحديث، فإن عمدته على الإسناد، ويكفيك دليلاً على ضعف القول باستغناء الحديث المتواتر عن الإسناد ما تنازعوه في قدر ما يدعى فيه التواتر فإن موجب التواتر التسليم لصحته دون مناقشة على طريقة أهل الأصول، فكيف يصح التنازع بعدُ في شيء من ذلك: هو متواتر أو غير متواتر؟
 
وأما ما ذكرته أخي الكريم عن رواية حفص عن عاصم، وأنها لم تتواتر عند الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله فالذي فهمته أنا أنها لم تبلغه لا بطريق التواتر ولا بغيره، حيث لم يشر إليها في تفسيره، وهذا أمر يدعو للغرابة حيث قد ذكر عنه رحمه الله أنه ألف كتباً جامعاً في القراءات، وتلميذه ابن مجاهد هو الذي وضع كتاب السبعة، وهو كان في بغداد حاضرة العلم حينذاك ! فعدم بلوغ هذه الرواية لابن جرير أمر مستغرب ولعل الأيام تكشف لنا المزيد من العلم حول هذه المسألة بعون الله.
وفقكم الله لما يحب ويرضى.