إشكال منهجي في تفسير {غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ}

بسم الله الرحمن الرحيم

 
السؤال:
 
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين..وبعد
فهذا إشكال منهجي في تفسير {غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ}
يمكن صياغة الاستشكال في سؤال:
 
ماذا يبقى للمفسر بعد تفسير الرسول صلى الله عليه وسلم؟
وننزل مقتضيات المسألة إلى حيز التطبيق فنسأل:
هل يصح للمفسر أن يفسر (الغاسق) بالليل بعد أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد فسره بالقمر!
فلنستعرض بعض أقوال المفسرين:
 
1-ابن جرير رحمه الله يورد أقوال من فسر الغاسق بالليل إذا أظلم..ثم يعرج على الرأي الآخر قائلاً: “وقال آخرون: بل الغاسق إذا وقب: القمر، ورووا بذلك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم خبرًا”.
 
ثم يختار التأليف بين الأقوال كلها، فيقول:
“وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، أن يقال: إن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ} وهو الذي يُظْلم، يقال: قد غَسَق الليل يَغُسْق غسوقًا: إذا أظلم {إِذَا وَقَبَ} يعني: إذا دخل في ظلامه؛ والليل إذا دخل في ظلامه غاسق، والنجم إذا أفل غاسق، والقمر غاسق إذا وقب، ولم يخصص بعض ذلك بل عمّ الأمر بذلك، فكلّ غاسق، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يُؤمر بالاستعاذة من شره إذا وقب. وكان يقول في معنى وقب: ذهب”.
 
2-أما الزمخشري فيقول:
“والغاسق: الليل إذا اعتكر ظلامه من قوله تعالى إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ومنه: غسقت العين امتلأت دمعا، وغسقت الجراحة امتلأت دماً. ووقوبه: دخول ظلامه في كل شيء. ويقال: وقبت الشمس إذا غابت.
وفي الحديث: لما رأى الشمس قد وقبت قال: هذا حين حلها، يعنى صلاة المغرب. وقيل:
هو القمر إذا امتلأ، وعن عائشة رضى الله عنها: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فأشار إلى القمر فقال: تعوّذى بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب. ووقوبه: دخوله في الكسوف واسوداده. ويجوز أن يراد بالغاسق: الأسود من الحيات: ووقبه: ضربه ونقبه.”
 
ثم قال بعد:

“والتعوّذ من شر الليل لأن انبثاثه فيه أكثر، والتحرّز منه أصعب. ومنه قولهم: الليل أخفى للويل. وقولهم: أغدر الليل، لأنه إذا أظلم كثر فيه الغدر.”
 
ويشعر قوله الأخير بترجيحه لليل مع تجويزه للقولين الآخرين: القمر والحيات…
 
3-أما ابن عاشور فاقتصر على تفسير الغاسق بالليل ولم يعرج على أي قول آخر، فلم يذكر الحديث الذي أورده كثير من المفسرين!!
قال:
“وَالْغَاسِقُ: وَصْفُ اللَّيْلِ إِذَا اشْتَدَّتْ ظُلْمَتُهُ يُقَالُ: غَسَقَ اللَّيْلُ يَغْسِقُ، إِذَا أَظْلَمَ قَالَ تَعَالَى: {إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ} [الْإِسْرَاء:78]، فَالْغَاسِقُ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ لِظُهُورِهِ مِنْ مَعْنَى وَصْفِهِ مِثْلَ الْجَوَارِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ} [الشورى:32] وَتَنْكِيرُ غاسِقٍ لِلجِّنْسِ لِأَنَّ الْمُرَادَ جِنْسُ اللَّيْلِ.
 
وَتَنْكِيرُ غاسِقٍ فِي مَقَامِ الدُّعَاءِ يُرَادُ بِهِ الْعُمُومُ لِأَنَّ مَقَامَ الدُّعَاءِ يُنَاسِبُ التَّعْمِيمَ.
وَمِنْهُ قَوْلُ الْحَرِيرِيِّ فِي الْمَقَامَةِ الْخَامِسَةِ: “يَا أَهْلَ ذَا الْمَعْنَى وُقِيتُمْ ضُرًّا” أَيْ وُقِيتُمْ كُلَّ ضُرٍّ.
 
وَإِضَافَةُ الشَّرِّ إِلَى غَاسِقٍ مِنْ إِضَافَةِ الِاسْمِ إِلَى زَمَانِهِ عَلَى مَعْنَى (فِي) كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ} [سبأ:33].
 
وَاللَّيْل: تَكْثُرُ فِيهِ حَوَادِثُ السُّوءِ مِنَ اللُّصُوصِ وَالسِّبَاعِ وَالْهَوَامِّ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا.
وَتَقْيِيدُ ذَلِكَ بِظَرْفِ إِذا وَقَبَ أَيْ إِذَا اشْتَدَّتْ ظُلْمَتُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتٌ يَتَحَيَّنُهُ الشُّطَّارُ وَأَصْحَابُ الدَّعَارَةِ وَالْعَيْثِ، لِتَحَقُّقِ غَلَبَةِ الْغَفْلَةِ وَالنَّوْمِ عَلَى النَّاسِ فِيهِ، يُقَالُ: أَغْدَرَ اللَّيْلُ، لِأَنَّهُ إِذَا اشْتَدَّ ظَلَامُهُ كَثُرَ الْغَدْرُ فِيهِ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ أَغْدَرُ، أَيْ صَارَ ذَا غَدْرٍ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ”.
 
4-وقال ابن تيمية:
فَإِنَّ الْغَاسِقَ قَدْ فُسِّرَ بِاللَّيْلِ كَقَوْلَه: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ وَأَهْلِ اللُّغَةِ. قَالُوا: وَمَعْنَى {وَقَبَ} دَخَلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ. قَالَ الزَّجَّاجُ: الْغَاسِقُ الْبَارِدُ وَقِيلَ اللَّيْلُ غَاسِقٌ لِأَنَّهُ أَبْرَدُ مِنْ النَّهَارِ وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِي: عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرَ إلَى الْقَمَرِ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ تَعَوَّذِي بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّهِ فَإِنَّهُ الْغَاسِقُ إذَا وَقَبَ” وَرَوَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا “أَنَّ الْغَاسِقَ النَّجْم” وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ هُوَ الثُّرَيَّا وَكَانَتْ الْأَسْقَامُ وَالطَّوَاعِينُ تَكْثُرُ عِنْدَ وُقُوعِهَا وَتَرْتَفِعُ عِنْدَ طُلُوعِهَا وَهَذَا الْمَرْفُوعُ قَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ مُنَافَاتَهُ لِمَنْ فَسَّرَهُ بِاللَّيْلِ فَجَعَلُوهُ قَوْلًا آخَرَ ثُمَّ فَسَّرُوا وُقُوبَهُ بِسُكُونِهِ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَيُقَالُ الْغَاسِقُ الْقَمَرُ إذَا كَسَفَ وَاسْوَدَّ. وَمَعْنَى وَقَبَ دَخَلَ فِي الْكُسُوفِ وَهَذَا ضَعِيفٌ فَإِنَّ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُعَارَضُ بِقَوْلِ غَيْرِهِ وَهُوَ لَا يَقُولُ إلَّا الْحَقَّ وَهُوَ لَمْ يَأْمُرْ عَائِشَةَ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ عِنْدَ كُسُوفِهِ بَلْ مَعَ ظُهُورِهِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} فَالْقَمَرُ آيَةُ اللَّيْلِ. وَكَذَلِكَ النُّجُومُ إنَّمَا تَطْلُعُ فَتُرَى بِاللَّيْلِ فَأَمْرُهُ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ آيَةِ اللَّيْلِ وَدَلِيلُهُ وَعَلَامَتُهُ وَالدَّلِيلُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْمَدْلُولِ فَإِذَا كَانَ شَرُّ الْقَمَرِ مَوْجُودًا فَشَرُّ اللَّيْلِ مَوْجُودٌ وَلِلْقَمَرِ مِنْ التَّأْثِيرِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ فَتَكُونُ الِاسْتِعَاذَةُ مِنْ الشَّرِّ الْحَاصِلِ عَنْهُ أَقْوَى وَيَكُونُ هَذَا كَقَوْلِهِ عَنْ الْمَسْجِدِ الْمُؤَسَّسِ عَلَى التَّقْوَى: “هُوَ مَسْجِدِي هَذَا” مَعَ أَنَّ الْآيَةَ تَتَنَاوَلُ مَسْجِدَ قُبَاء قَطْعًا. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَنْ أَهْلِ الْكِسَاءِ: “هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي” مَعَ أَنَّ الْقُرْآنَ يَتَنَاوَلُ نِسَاءَهُ فَالتَّخْصِيصُ لِكَوْنِ الْمَخْصُوصِ أَوْلَى بِالْوَصْفِ فَالْقَمَرُ أَحَقُّ مَا يَكُونُ بِاللَّيْلِ بِالِاسْتِعَاذَةِ وَاللَّيْلُ مُظْلِمٌ تَنْتَشِرُ فِيهِ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ مَا لَا تَنْتَشِرُ بِالنَّهَارِ وَيَجْرِي فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الشَّرِّ مَا لَا يَجْرِي بِالنَّهَارِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ وَالسِّحْرِ وَالسَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ وَالْفَوَاحِشِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَالشَّرُّ دَائِمًا مَقْرُونٌ بِالظُّلْمَةِ وَلِهَذَا إنَّمَا جَعَلَهُ اللَّهُ لِسُكُونِ الْآدَمِيِّينَ وَرَاحَتِهِمْ لَكِنَّ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ تَفْعَلُ فِيهِ مِنْ الشَّرِّ مَا لَا يُمْكِنُهَا فِعْلُهُ بِالنَّهَارِ وَيَتَوَسَّلُونَ بِالْقَمَرِ وَبِدَعْوَتِهِ وَالْقَمَرِ وَعِبَادَتِهِ وَأَبُو مَعْشَرٍ البلخي لَهُ “مُصْحَفُ الْقَمَرِ” يَذْكُرُ فِيهِ مِنْ الكفريات وَالسِّحْرِيَّاتِ مَا يُنَاسِبُ الِاسْتِعَاذَةَ مِنْهُ.
 
ما قاله شيخ الإسلام قريب جدًا مما قاله شيخ المفسرين.. فالشيخان يميلان إلى الجمع بين اللغة والحديث ويوفق ابن تيمية بين التفسير بالليل والتفسير بالقمر على أساس الملازمة بين الاثنين!!
 
لكن في النفس شيء من هذا الجمع!!
 
فلنستعرض بعض الأحاديث بمختلف ألفاظها:
1-الترمذي:
3366 – حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَمْرٍو العَقَدِيُّ، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ الحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرَ إِلَى القَمَرِ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ» (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ).
 

2-أبوداود الطيالسي:
1589 – حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِيَ الْحَارِثُ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْقَمَرِ فَقَالَ: «اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهِ فَإِنَّهُ الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ».
 
3-أحمد بن حنبل
24323 – حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدَيَّ فَأَرَانِي الْقَمَرَ حِينَ طَلَعَ، فَقَالَ: «تَعَوَّذِي بِاللهِ مِنْ شَرِّ هَذَا الْغَاسِقِ إِذَا وَقَبَ».
25711 – حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ خَالِهِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِي، فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ تَعَوَّذِي بِاللهِ مِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ، هَذَا غَاسِقٌ إِذَا وَقَبَ».
 
لا يمكن حمل اختلاف الألفاظ على محمل التنوع الأسلوبي مع وحدة المعنى.. فبعض الروايات وردت فيها ألفاظ تجعل تفسير الغاسق بالليل باطلا!!
 
فلنرتب العبارات بحسب قوتها الدلالية التخصيصية من أدنى إلى أعلى:

أ-«يَا عَائِشَةُ تَعَوَّذِي بِاللهِ مِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ، هَذَا غَاسِقٌ إِذَا وَقَبَ».
ب-«تَعَوَّذِي بِاللهِ مِنْ شَرِّ هَذَا الْغَاسِقِ إِذَا وَقَبَ».
ج-«اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهِ فَإِنَّهُ الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ».
د-«يَا عَائِشَةُ اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ».
 
القوة التخصيصية في (أ) ضعيفة:
فالرسول صلى الله عليه وسلم أمر عائشة بالتعوذ من الغاسق العام، ثم نبه على فرد من مصاديقه -وهو القمر-: هَذَا غَاسِقٌ إِذَا وَقَبَ…فتنكير الخبر يشعر بعدم تخصيص المبتدأ،فمن الممكن أن تكون هناك أفراد أخرى مندرجة ضمن الغاسق العام…
وتفسير الطبري وابن تيمية مخرجان على ألفاظ هذه الرواية..
 
القوة التخصيصية في (ب و ج) عالية بسبب التعريف:
هَذَا الْغَاسِقِ إِذَا وَقَبَ
فَإِنَّهُ الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ…
لكن يبقى احتمال المجاز…فتكون اللام دالة على الاستحقاق وليس التخصيص… كما فسر الزمخشري قوله تعالى {ذَٰلِكَ الْكِتَابُ} في أول البقرة،فقال:
ومعناه: أنّ ذلك الكتاب هو الكتاب الكامل، كأن ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص، وأنه الذي يستأهل أن يسمى كتاباً، كما تقول: هو الرجل، أي الكامل في الرجولية، الجامع لما يكون في الرجال من مرضيات الخصال.
 
فينسج على منواله ويقال:
القمر هو الغاسق الكامل كأن ما عداه من الغاسقين في مقابلته نقص…
فلا يكون القمر هو الغاسق الفريد وإنما هو المستحق لأن يوصف به..
فتفسير الغاسق بالليل ما زال ممكنا على هذه الرواية مع شيء من التحفظ.
 
لكن القوة التخصيصية في (د) -رواية الترمذي- مطلقة:
فَإِنَّ هَذَا هُوَ الغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ..
فليس هنا انتقال من كلي إلى جزئي، بل هو انتقال من مجمل إلى مبين فكأن الآية:
{وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ}
مجملة، فجاء الحديث النبوي ليزيل الإجمال ويبين ما المقصود بالغاسق فاستعمل الإشارة الحسية، وضمير التخصيص، ولام التعريف، ليكون المراد هو القمر وحده..
 
فيكون تفسير ابن تيمية ضعيفًا على لفظ الترمذي… ولا نحتاج إلى أن نبحث بعيداً عن سند لتضعيف هذا التفسير فشيخ الإسلام نفسه يمدنا بالحجة قال:
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَيُقَالُ الْغَاسِقُ الْقَمَرُ إذَا كَسَفَ وَاسْوَدَّ. وَمَعْنَى وَقَبَ دَخَلَ فِي الْكُسُوفِ وَهَذَا ضَعِيفٌ فَإِنَّ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُعَارَضُ بِقَوْلِ غَيْرِهِ وَهُوَ لَا يَقُولُ إلَّا الْحَقَّ وَهُوَ لَمْ يَأْمُرْ عَائِشَةَ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ عِنْدَ كُسُوفِهِ بَلْ مَعَ ظُهُورِهِ..
 
فنرد عليه بحجته ذاتها…فنقول إن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أشار إلى القمر وقال هذا هو الغاسق إذا وقب فكيف يكون النجم أو الليل!!
ولا يستقيم ذلك إلا على لفظ “هَذَا غَاسِقٌ إِذَا وَقَبَ” كما مر..
 
فهل نرد تفسير الشيخين ابن جرير وابن تيمية؟
إن تفسيرهما في نظرنا حق ولكنه غير صحيح!
 
ونحن إذ نقول هذا لا نمزح ولا نتلاعب بالألفاظ..وإنما نجري على منهج واصطلاح أهل الحديث.. فالمتن عندهم قد يكون حقاً لكن الحديث برمته غير صحيح -بسبب سنده- فيكون بين الصحة والحقيقة عموم وخصوص مطلقان فكل سند صحيح يلزم عنه متن حق… لكن المتن الحق لا يصحح السند الضعيف… فقد يعمد المرء مثلاً إلى معنى قرآني هو حق فيركب له سنداً وهمياً فلا يكون الحديث إلا موضوعاً باطلاً..
ونحن نرى تبعا لهذا التقرير أن تفسير الشيخين حق لأن ما ذكروه عن شر الليل والظلام داخل في قوله تعالى: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ}
ولكنه غير صحيح إزاء قوله تعالى: {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ}.
 
فقد عين الرسول صلى الله عليه وسلم ما المراد بالغاسق فقد أشار إلى القمر وقال: هذا هو الغاسق إذا وقب، والعبارة نص..
ولكن…تضعيف تفسير هذين العلمين متوقف على التأكد من لفظ حديث الرسول صلى الله عليه وسلم…
فما السبيل إلى معرفة عبارته بالضبط.. فهل قال:”هذا غاسق” أم قال “هذا الغاسق” أم قال: “هذا هو الغاسق”؟.
 
واضح أن الرواة قد نقلوا المعنى فقط لأن الواقعة واحدة.. ولكن للفظ شأناً خطيرًا كما رأينا…
 
أفلهذا السبب لم يعتمد جمهور أهل اللغة الشاهد من الحديث؟
 
الجواب:
 
“إذا صحَّ الحديثُ وكان نصاً في معنى الآية فلا يُصارُ إلى غيره” هذه هي القاعدة التي يتبعها أهل التفسير في مثل هذا الموقف إذا كان هذا الحديث صحيحاً وكان نصاً في معنى الآية مما يوحي بأن النبي صلى الله عليه وسلم قصد تفسير هذا المعنى في الآية. ولا غضاضة في رد قول هؤلاء العلماء فمنهم تعلمنا هذا المنهج، والكمال عزيز. ولكنَّ في عدولهم عن القول به قرينة على أن ثمةً مانعاً منعهم من الاقتصار على القول الوارد في الحديث. فيمكن البحث في سبب هذا العدول، ولعل العلماء في كلامهم عن هذه الآية تعرضوا لتوجيه هذه الأقوال، أو إبداء سبب العدول عن الاقتصار على المعنى الوارد في الحديث، والغريب أن أكثر المفسرين على القول بأن الغاسق الليل، والذين اقتصروا على القول بأنه القمر هم الذين اقتصروا على التفسير بالمأثور فقط، واكتفوا بإيراد الحديث دون النص على أنه القمر أو الليل.
 
وقد يكون عنى النبي صلى الله عليه وسلم بإشارته بقوله لعائشة رضي الله عنها: «هذا هو الغاسق» بمختلف رواياتها الليلَ المشتمل على هذا القمر وليس القمر نفسه فقط، وإنما على أنه مثال مما يصح عليه وصف الغسوق والله أعلم.
 
ولا شك أن اختلاف روايات الأحاديث من أكبر أسباب إعراض النحويين عن الاستشهاد بالحديث، وقد ناقش الدكتور فخر الدين قباوة في كتابه الماتع (تاريخ الاحتجاج النحوي بالحديث الشريف) بتوسع.