الإجازة والاسناد بين التساهل والتشديد (عند القراء)

بسم الله الرحمن الرحيم

 
موضوع (إجازات قراء القرآن) من الموضوعات الطريفة التي لم تفرد بالبحوث، وقد قدم الدكتور محمد بن فوزان العمر في ندوة عقدتها الجمعية العلمية للقرآن بحثاً حول هذا الموضوع، وطبعه بعد ذلك في دار الحضارة بالرياض، ويقع البحث في 78 صفحة من القطع العادي.
 
والناظر في تراجم المقرئين يلحظ الفروق بينهم في التساهل والتشدد والتوسط في إجازاتهم، من حيث طريقتهم في منحها، أو صيغة الإجازة المكتوبة. ولو تتبع باحث جاد تاريخ الإجازات، ومخطوطات الإجازات القرآنية خاصة، والخطوط التي كتبت بها، لكان في ذلك نفع وفائدة لطلاب العلم.
 
وقد مر بي في تراجم القراء، ورأيت من مشايخنا أصنافاً من هؤلاء العلماء المقرئين، فمنهم المتشدد الذي يبالغ في اشتراط منح الإجازات حتى لا يكاد يحصل الطالب على الإجازة إلا بعد مشقة شديدة، وفي زمن متطاول. وربما مكث أحدنا السنة والسنتين في رواية واحدة، لشدة الشيخ في الشرط، وكثرة الطلاب الذين يقرأون على الشيخ، وقلة المقرر كل يوم حتى ربما لا يتجاوز نصف الصفحة أو العشر آيات.
 
وقد ذكر ابن الجزري في ترجمة عبدالرحمن بن داود أبي القاسم ابن أبي طيبة المتوفى سنة 273هـ أنه لم يكن يزيد في إقرائه لطلابه في اليوم عن عشر آيات، وربما خمس آيات، ولم يكن يقرئ طلابه في المسجد الجامع. (انظر: غاية النهاية 1/368).
 
بل إن أبا بكر بن عياش ذكر أنه قال له عاصم بن أبي النجود: “ألا تقرأ علي كما قرأ يحيى على عبيد بن نضلة، كل يوم آية؟!” (غاية النهاية 1/498) وهذه القراءة المتأنية هي قراءة التلقين، ويأخذ معها الطالب التفسير والأحكام، حيث يقرأ المعلم على الطالب الآية والعكس حتى يتقنها، وقد ذكر عاصم بن أبي النجود أنه أخذ القرآن على زر بن حبيش ثلاثاً ثلاثاً، وزر أخذه عن ابن مسعود آية آية. (انظر: جمال القراء للسخاوي 2/446).
 
فهذه الطريقة في الإقراء أثبت وأنفع للطالب، ولكنها تستغرق وقتاً طويلاً جداً، يصل إلى أكثر من عشر سنوات، ولذلك ذكر ابن الجزري أن الطيب بن إسماعيل بن حمدون الذهلي المتوفى سنة 240هـ قرأ على حسين الجعفي القرآن الكريم يوم آية، قال: “وختمته عليه في خمس عشرة سنة” (غاية النهاية 1/344) وهي مدة طويلة لا تكاد تتيسر ملازمتها للشيخ في زماننا هذا إلا للقليل من الطلاب. غير أن المتشددين من الشيوخ يجدون في أمثال هؤلاء قدوة في التشدد مع الطلاب في منحهم الإجازات، والضن بالإجازة إلا على أهلها.
 
ومن أمثلة التشدد في الإقراء والإجازة ما جاء في ترجمة محمد بن أحمد بن بضحان الدمشقي المتوفى سنة 743هـ أنه كان يجلس للإقراء وهو في غاية التصميم لا يتكلم ولا يتلفت ولا يبصق ولا يتنحنح، وكذلك من عنده، ويجلس القارئ عليه وهو يشير إليه بالأصابع لا يدعه يترك غنة ولا تشديداً ولا غيره من دقائق التجويد حتى يأخذه عليه، ويرده إليه، وإذا نسي أحدٌ وجهاً من وجوه القراءة يضرب بيده على الحصير، فإن أفاق القارئ ورجع إلى نفسه أمضاه له، وإلا لا يزال يقول للقارئ: “ما فرغتَ”، حتى يعييه، فإذا عيَّ رد عليه الحرف، ثم يكتبه عليه، فإذا ختم وطلب الإجازة سأله عن تلك المواضع التي نسيها أو غلط فيها في سائر الختمة، فإذا أجاب عنها بالصواب كتب له الإجازة، وإن نسي قال له: “أعد الختمة”، فلا أجيزك على هذا الوجه. وهكذا كان دأبه على هذه الحال، بحيث أنه لم يأذن لأحد سوى اثنين هما السيف الحريري، وابن نملة فحسب لا غير في جميع عمره، مع كثرة من قرأ عليه وقصده من الآفاق. (غاية النهاية 2/57-58).
 
وقال أبو عمرو الداني: “لم يمنعني من أن أقرأ على أبي طاهر إلا أنه كان فظيعاً، وكان يجلس للإقراء وبين يديه مفاتيح، فكان ربما يضرب بها رأس القارئ إذا لحن، فخفت ذلك، فلم أقرأ عليه، وسمعت منه كتبه”. (غاية النهاية 1/246).
 

وهناك صنف آخر من المقرئين يتساهلون في منح الإجازة قديماً وحديثاً، وهم في المتأخرين أكثر منهم في المتقدمين، وفي تراجم بعض المتقدمين شيء من هذا.
 
من ذلك ما ذكره الذهبي في ترجمة محمد بن أحمد بن مسعود الأزدي الشاطبي المتوفى سنة 625هـ، من أنه قال عنه الأبار: “لم آخذ عنه لتسمحه في الإقراء والإسماع، سمح الله له”. قال الذهبي: “رأيت ما يدل على ذلك بخطه أن بعض القراء قرأ عليه في ليلة واحدة ختمة برواية نافع”. (طبقات القراء الكبار 2/613). بل إنه وجد في بعض التراجم من ختم القرآن بالقراءات السبع في ليلة واحدة (انظر: غاية النهاية 1/25). وهذا كله من التساهل في الإقراء وإن كان لا يلزم منه الإجازة في كل حال، فربما يختم بعض الطلبة على الشيخ دون أن يمنحه الشيخ إجازة.
 
وللتساهل في الإجازة والإقراء صور كثيرة منها:
– عدم الحرص على توقيف الطالب على أحكام التجويد وتحقيقها، فيمر الطالب بها، ولا يتقنها.
– عدم الإصغاء للطالب أثناء القراءة، فربما اشتغل الشيخ بأمر صارف عن الاستماع كقراءة في كتاب، أو كلام مع طالب آخر، والطالب يقرأ، فيمر بأحكام لا يوقف على صوابها.
– إقراء أكثر من طالب في وقت واحد، وإن أجازه بعض أهل العلم كعلم الدين السخاوي (انظر:إجازات القراء لمحمد بن فوزان 55) إلا أن فيه تساهلاً كبيراً، وقد رأيت مثل هذا كثيراً.
– إقراء الطالب في السيارة، وفي الطواف في الحرم، وفي المسعى، ونحو ذلك مما يكون معه الشيخ غير منصت للطالب تماماً، ولا الطالب مجتمع الهم للقراءة والتحقيق في تصحيحها.
وهناك صور أخرى كالإقراء عبر الهاتف، غير أنها متقاربة في الإخلال بواجب الإتقان وتصحيح القراءة، وأخذها كما ينبغي فيما يظهر لي.
 
ولكن الغالب على المقرئين والمجيزين قديماً وحديثاً هو التوسط والاعتدال في هذا، فنحن أمة الوسط، فهم يأخذون الطالب بالجد والحزم فلا يتساهلون معه في أخذ القرآن، ولا يضيقون عليه فينفر منهم، وينصرف عن أخذ القرآن. والتساهل والتشديد طرفا نقيض، وكما قال الشاعر:

ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد *** كلا طرفي قصد الأمور ذميمُ

 
فإذا قرأ الطالب القرآن كاملاً، وأجاد التلقي والمخارج والصفات، وأخذ الحروف كما تلقاها دون إخلال، مع حسن الأدب، والحرص على التخلق بأخلاق القرآن كان أهلاً للإجازة، وأهلاً للتدريس ليستمر هذا الإسناد الشريف، لهذا القرآن الكريم. ويبقى بعد ذلك التفاوت بين الطلاب في الإتقان، فبعضهم أشد إتقاناً من بعض، والصوت مواهب ومنح ربانية، وسلامة آلات الصوت تتفاوت في الخلقة، ويزيد الله مَنْ يشاء ما يشاء، والله ذو الفضل العظيم. غير أن الحد الأدنى المتفق عليه، هو ما تقدم.
 
ومن قصر في التلقي، وأخلَّ بالقرآن في تلاوته، ولم يبد عليه أثره كان قمناً أن يحرم من هذا الشرف لعدم أهليته، فإنه ينبغي أن يبقى للقرآن هيبة في قلوب المؤمنين، وللعلم حرمة تصان وتحترم، وإلا لم يبق للمُجِدِّ فضيلة، وللسابق مزية.