التضمين في القرآن الكريم

بسم الله الرحمن الرحيم

 
موضوع التضمين من الموضوعات التي لم تحظ بعناية من قبل الدراسين في تخصص الدراسات القرآنية كما ينبغي، وهو أسلوب يمكن حمل كثير من الآيات القرآنية عليه دون تكلف. وقد تتبعت كثيراً من نقول المفسرين حوله، ولاحظت أن الإمام الطبري رحمه الله قد وجه عدداً من الآيات في ضوء أسلوب التضمين، ولكنه لم يقدمه على القول بتناوب الحروف، وابن كثير رحمه الله الذي استحسن القول بالتضمين في مواضع من تفسيره أغفله في مواضع أخرى.
 
ولم أجد عناية كبيرة به من قبل المفسرين الأوائل من أهل اللغة كأبي عبيدة والأخفش الأوسط والفراء وابن قتيبة مكتفين بتوجيه الآيات على القول بتناوب الحروف.
 
ومعلوم أن القول بتناوب حروف المعاني هو قول جل نحاة الكوفة، والقول بالتضمين قول جل نحاة البصرة وعلى رأسهم الخليل وتلميذه سيبويه رحمهم الله.
 
وأسلوب التضمين أحد أبرز أساليب العرب التي خرج عليها المفسرون ولا سيما من المتأخرين كثيراً من الآيات القرآنية الكريمة، وفي كلام العرب، وهو يأتي بعد أسلوبي الحذف والإضمار في علم البلاغة من حيث الأهمية.
 
وهو لا يأتي في كلام العرب إلا لفائدة زائدة كما قال السيوطي، وتؤدي الكلمة فيه مؤدى كلمتين كما قال ابن هشام النحوي، وهو بحر لا ينضب كما قال ابن جني في خصائصه، وكتاب ابن جني الخصائص من أكثر المصادر اللغوية القديمة التي عنيت بهذا اللون من التعبير فعليكم به فهو من أنفس الكتب على الإطلاق لطالب العلم. وأعجبني نقله عن المفسرين القول بالتضمين مما يعني سبق المفسرين إلى بحث التضمين، حيث قال في (الخصائص) 3/263: “ومنه – أي التفسير على المعنى دون اللفظ وهو التضمين – قول المفسرين في قوله تعالى: {مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّـهِ} [آل عمران من الآية:52] أي مع الله، ليس أنَّ (إلى) في اللغة بمعنى (مع).
 
ألا تراك لا تقول: سرت إلى زيد، وأنت تريد: سرت مع زيد، هذا لا يعرف في كلامهم، وإنما جاز هذا التفسير في هذا الموضع لأن النبي إذا كان له أنصار فقد انضموا في نصرته إلى الله، فكأنه قال: من أنصاري منضمين إلى الله، كما تقول: زيد إلى خير، وإلى دعة وستر، أي أوٍ إلى هذه الأشياء ومنضم إليها. فإذا انضم إلى الله فهو معه لا محالة. فعلى هذا فسر المفسرون هذا الموضع”.
 
وأحب أن أشير هنا إلى مسأئل مهمة حول الموضوع لعلنا ننتفع بها إن شاء الله:
الأولى: أن نسبة القول بتضمين الأفعال معاني مناسبة للحروف للبصريين كافة، ونسبة القول بتناوب الحروف للكوفيين كافة ليس دقيقاً بالقدر الكافي. فقد وجدت إشارات للفراء (207هـ) يقول فيها بالتضمين وهو من كبار نحويي الكوفة. حيث يقول في (معانيه) 3/215 عند قوله تعالى: {يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّـهِ} [الإنسان:6]: “يشربها، ويشرب بها سواء في المعنى، وكأن يشرب بها يروى بها وينقع”. وهذا قول واضح بتضمين فعل يشرب معنى الفعل يروى.
 
كما وجدت للمبرد محمد بن يزيد رحمه الله (285هـ) إشارة للقول بتناوب الحروف شريطة أن يأتي الحرفان في معنى واحد، وليس دائماً بل أحياناً.
 
والتعبير الأفضل أن يقال أن القول بالتضمين رأي أكثر البصريين، والقول بنيابة الحروف قول أكثر الكوفيين. وقد أعجبني تعبير ابن السيد البطليوسي حيث قال في هذا في كتابه الثمين (الاقتضاب في شرح أدب الكتاب) عند تعرضه لموضوع نيابة الحروف بعضها عن بعض: “أجازه قوم من النحويين أكثرهم كوفيون، ومنع منه قوم أكثرهم بصريون”. ص 262 من الاقتضاب.
 
الثانية: من أفضل من اعتنى به من المتقدمين ابن جني في (الخصائص)، والمرادي في (الجنى الداني في حروف المعاني)، وابن القيم ولا سيما في (بدائع الفوائد)، وابن هشام في (مغني اللبيب)، والسيوطي في (همع الهوامع).
 
ومن المتأخرين الطاهر بن عاشور رحمه الله في (التحرير والتنوير)، ومن المعاصرين مما اطلعت عليه كتاب (الحروف العاملة في القرآن الكريم) لهادي عطية الهلالي ص 380 وما بعدها.
 
وعثرت أخيراً على العدد التاسع والأربعون من مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية التي تصدر في الكويت ربيع الأول 1423هـ فوجدت فيها بحثاً إضافياً للدكتور زيد عمر عبدالله بعنوان (أسلوب التضمين وأثره في التفسير) وصل فيه إلى نتائج من أهمهما مما لم أذكره أعلاه:
 
– أن ابن عطية في المحرر الوجيز مع ثناءه على أسلوب التضمين ووصفه له بأنه قول الحذاق إلا أنه لم يعن به كثيراً ولم يقدمه على القول بتناوب الحروف.
– أن أبا حيان المفسر وصف القول بتناوب الحروف بأنه زعم، وبالرغم من ذلك لم يكن القول بالتضمين موضع عنايته في التفسير.
– أن الزمخشري مع كونه امتداداً لمنهج المدرسة البصرية في النحو عند من يرى ذلك إلا أن التضمين لم يحظ بعنايته في كل المواضع، بل قال به في مواضع وأعرض عنه في أخرى.
 
وعلى كل حال فليس القول بالتضمين هو الأصل في القرآن ولا في اللغة، ولكن الذي يبدو لي أنه أسلم من حيث الاعتراضات التي وجهت إلى القول بتناوب الحروف، ويحتف بكل نص من القرائن الخارجية التي ما يرجح القول بالتضمين أو القول بتناوب الحروف، والحذق بذلك يحتاج إلى عناية طويلة، وبصر نافذ بأساليب العرب في شعرها ونثرها للتمرس بالترجيح في مثل هذه المسائل الدقيقة.
 
ولعله يكون للحديث صلة حول الأمثلة التي حملها المفسرون على القول بالتضمين من الدكتور أحمد إن شاء الله.
وأشير إلى أنه قد كتب في التضمين عند البلاغيين كتب ورسائل، وعند النحويين كذلك. ولعلي أذكرها لاحقاً إن شاء الله.