التعبير القرآني والدلالة النفسية للدكتور عبدالله الجيوسي

بسم الله الرحمن الرحيم

 
صدر عن دار الغوثاني للدراسات القرآنية بسوريا كتاب (التعبير القرآني والدلالة النفسية)
للدكتور عبدالله بن محمد الجيوسي الأستاذ المساعد بكلية الشريعة بجامعة اليرموك بالأردن.
 
وهو رسالته التي تقدم بها لنيل الدكتوراه في التفسير وعلومه إلى الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا عام 2001م.
 

ويقع الكتاب في مجلد من القطع العادي، وعدد صفحاته 624
وجاء في مقدمته ومنهجه:
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
توطئة
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا، اللهم فقهنا في الدين وارزقنا حسن التأويل، اللهم جنّبنا زلات اللسان والقلم ووفقنا لصواب القول.. آمين يا رب العالمين، وبعد.
 
فالقرآن الكريم كتاب الله الخالد، صالح لكل زمان ومكان، ونصوصه تعطي توجيهاتها لكل بني الإنسان، ولأنّه خطاب للإنسان فإنّه يصوغه شخصيّة متكاملة، وينشئ مجتمعاً قرآنيّاً منشوداً، وهذه هي المهمة التربوية للقرآن، لكن الأعداء المتربصين بهذا القرآن في كل زمان حينما أدركوا عجزهم عن تحريف ألفاظ القرآن، وجّهوا كيدهم إلى معانيه، بهدف تحريفها وتفريغها من روحها، بحيث تبقى ألفاظاً لا حياة فيها، ففرّغوا الألفاظ من المعاني، ونجحوا إلى حدّ كبير في هذا، حيث سادت النظرة القاصرة هذه، وشاعت عند كثير من أبناء المسلمين، فعلى حين يراه بعضهم مجرد كتاب مقدّس، يراه بعضهم الآخر مجردّ كلام فصيح، وهذا له من الخطورة ما لا يخفى، فنحن بحاجة إلى من يعيد النظر في فهم القرآن، وإدراك وظيفته ودوره في الحياة، فالقرآن ليس مجرد ألفاظ تتلى، وإنما هو حياة تسري في شتى مجالات الإنسانية.
 
والمؤمَّل في هذه الدراسة التي أطلق عليها الباحث عنوان (التعبير القرآني والدلالة النفسية) أن تسهم في هذه المهمة، حيث تنطلق من ملاحظة البعد الواقعي للآيات، وتحرير النصوص القرآنية من قيود الزمان والمكان، وإدراك المعاني والأبعاد التي جاءت بها الألفاظ القرآنية، فهي تركّز على الجانب النفسي للألفاظ القرآنية، وتسلّط الضوء على الأبعاد النفسية من خلال الخطاب القرآني الذي يشخّص الأحداث، ويصوِّرها للقارئ أيمّا تصوير، فكل لفظة تعبّر عن مدلول نفسي.
 
كما حاولت الدراسة أن تقدم أنموذجاً حقيقياً للكشف عن حقيقة النفس الإنسانية من خلال هذه الألفاظ القرآنية فقد كان للنفس الإنسانية حظ كبير من الحديث برز بشكل واضح في أحداث القصص القرآني الذي شهد حضوراً أكبر في آيات القرآن الكريم، ولمّا كانت النماذج التي يقدمها القرآن لا يحدها زمان أو مكان، تعددت الشخصيات وتنوعت المواقف واختلفت الأزمنة والعصور، وكانت النتيجة أن أتى القرآن بمَثَل لكل نفسيّة، فما من نفس كائنة أو تكون إلا ولها في القرآن مَثَل ونظير، كل ذلك بعيداً عن إسقاطات علم النفس المعاصر؛ حيث حرص على الإبقاء على جعل النصوص القرآنية هي المنطلق والمرتكز للدراسة، ولا يعني الباحث أنه لن يفيد أو يوظِّف ما توصلت إليه العلوم الحديثة في هذا الميدان لخدمة الدراسة، وبعيداً عن الحديث النظري الذي كان سمةً غالبةً على الدراسات في هذا الميدان، فإن الباحث حرص على أن يغلب على هذه الدراسة الصبغة الميدانية والتطبيقية والنماذج الحيّة.
 
تمّ تقسيم الدراسة إلى أربعة أبواب، يعد الباب الأول منها بمثابة المدخل، حيث تركزت فيه على كل ما من شأنه أن يكون معينًا على فهم مصطلحات الدراسة ومتعلقاتها، مجيبًا في الوقت ذاته عن التساؤلات التي ترد في الذهن، والتي تعدّ ضرورية لفهمها، ومن أجل تحقيق ذلك فقد تم تقسيم الباب إلى فصل تمهيدي وفصلين آخرين، على النحو الآتي: تحدث الفصل التمهيدي من الباب عن إشكالية البحث، محاولًا تحديد الأسئلة التي انطلقت منها الدراسة، كما تحدث عن الأهداف التي ترمي إليها، مبينًا في الوقت ذاته وجه الأهمية الذي تكشف عنه، ثم كان استعراض أهم الجهود التي بذلها الأسلاف في الميادين التي لها تعلق بأبواب الدراسة، أما الفصل الأول فقد كان حديثا عن (دلالة الألفاظ) وتقسيماتها عند أهل الاختصاص، أما الدلالة النفسية فقد كانت عنواناً للفصل الثاني: المقصود بالدلالة النفسية، ثم بيان موقعها من دلالة الألفاظ، ثم بيان حدودها، مع الإشارة إلى العوامل المؤثرة فيها، ثم كان الحديث عن دور اللفظ في الكشف عن الجوانب النفسية، مع بيان الوسائل الأخرى التي يستخدمها المرء في العادة للتعبير عما في النفوس.
 
أما الباب الثاني فقد تناول جوانب عدة متعلقة بالبنية الخارجية للتعبير القرآني التي تشمل كل أثر نفسي أحدثه القرآن الكريم في النفوس كجرس الألفاظ وظلها، ومكانة هذا المتلو من النفوس وموقعه من القلوب، وقد يكون بسبب من ترتيب الآيات والسور فيه أو تقسيماتها أو غير ذلك مما ليست له صلة مباشرة باللفظ، حيث تم الحديث عن ذلك في ثلاثة فصول، على النحو الآتي: كان الفصل الأول بعنوان تأثير القرآن في النفس الإنسانية، استعرض الباحث فيه جوانب من التاريخ تشير إلى تأثير القرآن في النفوس، ومكانه منها، محاولا الإجابة عن السر الذي يكمن وراء هذا التأثير، أما الفصل الثاني فقد تناول أبرز جوانب التأثير في القرآن وهي الناحية الصوتية، أو بعبارة أخرى تكمن في الأثر الصوتي للألفاظ القرآنية، محاولا الكشف عن جوانبها، وأما الفصل الثالث والأخير فقد تحدث عن الأسرار النفسية التي تكمن وراء ترتيب الآيات والسور بالشكل الذي عليه القرآن، ثم محاولة الكشف عن الجوانب النفسية التي لها تعلق بظروف نزول القرآن وأحوال المنزل عليهم.
 
والباب الثالث سلّط الضوء على بعض الجوانب النفسية التي تتشكل منها كلمات القرآن وجمله، في ضوء الأساليب المعروفة عند أهل اللغة العربية، وأبرز جهود الأسلاف الأوائل ميدان البلاغة، كما حاول أن يضع القواعد والضوابط لها، إذ هي التي يتشكل منها إعجاز القرآن البياني، هذا الباب ركّز على بعض المباحث التي تندرج تحت هذه الأقسام مبرزاً جوانبها النفسية بإذن الله تعالى مبتدئًا بـ: الحرف، ثم الكلمة، ثم الجملة.
 
أما الباب الرابع فقد كان عنوانه: مواقف وملامح نفسية في القرآن، حيث تم استعراض بعض النماذج التي عرض لها القرآن الكريم، حيث تكفّل بالحديث عنها مسلّطا الضوء على تلك الجوانب النفسية التي تنطوي عليها هذه المواقف، سواء أكانت هذه النماذج المشتملة على المواقف التي برزت من خلال أسلوب الحوار، أم من أسلوب العرض السريع، أم من خلال المثل القرآني، أم حتى من خلال القصة، لكن كان هذا التقسيم الفني للفصول والمباحث في هذا الباب تمّ لاعتبارات تتعلق بحجم المتحدث عنه الذي كان ناشئًا عن حجم وروده في كتاب الله تعالى، فكان الحديث في الفصل الأول عن المواقف القرآنية باعتبارها أعم من القصة، وفي الوقت ذاته يدخل فيها المشاهد التي عرضت لها الآيات المتحدثة عن اليوم الآخر، كما تناول الفصل جانب المثل القرآني من الوجهة النفسية، ثم كان الحديث عن الحوار باعتباره أبرز الوسائل التي تكشف عن أسرار النفس الإنسانية من جهة، ثم باعتباره أصدق صورة لرسم ملامح الشخصية الإنسانية. وتناول الفصل الثاني منه القصة القرآنية من الجانب النفسي، ثم كان الحديث عن بعض ملامح الشخصية الإنسانية بوجه عام، ومحاولة إلقاء الضوء على الخطوط العريضة للنفس الإنسانية. وتحدّث المبحث الثاني من الفصل عن المرأة كنموذج للنفسية الإنسانية، مع محاولة للكشف عن بعض الجوانب النفسية لدى المرأة كما هي في أحداث القصة القرآنية. أما الفصل الثالث والأخير من الباب الأخير فقد حاول الباحث فيه الكشف عن مدى الحاجة إلى مثل هذا اللون من الدراسة، ثم بيان ما إذا كان بالإمكان توضيح الملامح العامة ورسم الخطوط العريضة لوجهة في التفسير هي الوجهة النفسية، من أجل الوصول إلى نتائج منضبطة ومنسجمة مع المنهجية العلمية من جهة، ثم من أجل أن تبقى الدراسة في مأمن من الانحراف أو سوء التأويل كان لا بد من بيان الضوابط التي ينبغي أن تراعى في دراسة من هذه الوجهة.
 
ولما كان مثل هذا العمل الشاق يحتاج إلى جهود مضاعفة وتدبر عميق لنصوص كتاب الله فإن الباحث يتوجه إلى الله العلي القدير ليطلب منه العون والتوفيق إنه نعم المولى ونعم النصير.