التعليق على كتاب (الكتاب في الحضارة الإسلامية) – الحلقة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم
(الحلقة الثانية)

الفصل الأول

الكتاب والكتابة

خصص المؤلف الفصل الأول للحديث عن نشأة الكتابة والخط، وأشار إلى الغموض الشديد الذي يلف هذه المسألة، وأن هناك من قال إن معرفة الخط والكتابة أمرٌ توقيفي منذ خلق الله آدم عليه الصلاة والسلام، ولذلك خرجت الأحرف على لسان آدم بفنون اللغات. ثم تحدث عن أول من وضع الكتابة والخط فقيل آدم وقيل إدريس والله أعلم بالحقيقة.
 
وخلص المؤلف إلى أن الجزم برأي من هذه الآراء لا يمكن إلا بوحي من الله، ولذلك رجح المؤلف أنَّ الإنسان شعر بالحاجة إلى التعبير عما في نفسه فاحتاج إلى الكتابة لتدوين أفكاره وتاريخه، وقد عبَّر الإنسان أولاً بطريقة الرسم، ثم ارتقى فعبر بطريقة الرمز، باستخدام بعض الأدوات والأجسام، أي بدأت الكتابة بالأشكال ثم الرموز، وكانت الكتابة الهيروغليفية في مصر هي أقدم الكتابات التي استعملت التعبير الصوري ثم الرمزي ثم اللغات الأخرى الحيثية في آسيا والآشورية في العراق والصينية في الصين، وكل من هذه الكتابات نشأت في بلاده ولم يقتبس من غيره. وقد تطورت هذه الكتابات فعرفت استخدام المقاطع ثم الحروف، والخطوط المستعملة في الكتابة كثيرة جدًا، ويمكن إرجاعها جميعاً إلى أربعة أصول هي:
 
أ- الخط المصري: وهو ثلاثة أقسام: الهيروغليفي الخاص بالكهنة -والهيروغليفي الخاص بالموظفين- والهيروغليفي الخاص بالشعب.
ب – الخط الحيثي. وهو خط الشعب الحيثي الذي انتقل من بلاده القوقاز وهاجر إلى آسيا الصغرى، وتوسع نفوذه فشمل شمالي سورية وشمال العراق.
ج – الخط المسماري أو الإسفيني، وكان مستعملاً في آشور وبابل في العراق.
د – الخط الصيني. وكان ما يزال مستعملاً في الصين واليابان.
 
ثم تحدث المؤلف عن الآراء التي قيلت في أصل الهجاء وأول من ابتكره، وأشار إلى النقوش المكتشفة بكل هجاء، وتوقف عند مراحل الهجاء الذي يستخدم التصوير وهو الهجاء الصوري، وذكر أنه مر بأربعة أدوار:
– الدور الصوري المادي.
– الدور الصوري المعنوي.
– الدور الصوري الحرفي.
– الدور الصوري الصرف.
 
وأشار إلى أن الكتابة الصورية تستخدم صورة المحسوس عند إرادة التعبير عنه، فعند الحاجة إلى ذكر الشجرة يرسمون شجرة، وإذا احتاجوا لكتابة أسد مثلا صوروا صورة أسد، ولكن الإشكالية في هذه الطريقة أنها تعبر عن المحسوسات فقط ولا تعبر عن المعنويات والمشاعر وغيرها.
 
ثم توصلوا إلى التعبير عن المعاني برسم لوازمها من المحسوسات، فعند إرادة التعبير عن الكتابة مثلاً رسموا قلماً ودواةً، وعند إرادة التعبير عن الحزن رسموا صورة شعر منسدل وهكذا.
 
ثم توقف المؤلف عند الكتابة العربية وجهود علماء الآثار من المستشرقين وغيرهم في البحث والتنقيب عن أصولها ونقوشها، وأشاد بسبق المستشرقين إلى هذا الحقل، وانقطاعهم له، والإنجازات التي تحققت على أيدي المخلصين منهم. وكانت أول بعثة أثرية انطلقت من الدنمارك عام 1761م وتوافق 1174هـ تقريباً. وهو تاريخ قديم فعلاً. ومن طراف رحلات المستشرقين الذين نقبوا عن النقوش والآثار المختصة بالكتابة العربية وأصلها ما وقع للمستشرق النمساوي سيجفريد لنجر عام 1882م في اليمن، حيث كان مختصاً باللغة العربية، وحصل على اثنين وعشرين نقشاً نادراً في رحلته تلك، وكانت نهايته القتل على يد رجل يمني كان يصاحبه في رحلته أثناء استحمامه في نهر بنا، ولعله قد اختلف معه على أمرٍ ما، أو أن الدليل اليمني رأى منه ما يريب فأجهز عليه بطلقة من بندقيته وذهبت تلك النقوش أدراج الرياح.
 
وقد بدأت عناية الجامعة العربية بدراسة هذه النقوش في الجزيرة العربية منذ عام 1936م بإرسال بعثة لليمن، وجمعت تلك البعثة واحداً وتسعين نقشاً مهماً، بينها تسعة وسبعون نقشا جديداً لم تعرف من قبل، وبعضها اليوم موجودة في كلية الآداب بجامعة القاهرة في قسم الجغرافيا.
 
ثم بدأت بعد ذلك الرحلات إلى شمال السعودية فذهل العلماء لوفرة النقوش والأدلة والآثار التي انتفع بها العلماء كثيرا في الكشف عن الكثير من أسرار الخط العربي وغيره، ولا زالت حتى اليوم تكتشف المزيد من النقوش والآثار الثمودية وغيرها في شمال السعودية.
 
وقد توقف المؤلف مع الآثار المشهورة التي أثرت في مراحل اكتشاف نشأة الكتابة العربية، وهي حجر رشيد، وحجر النمارة، وحجر زيد، وحجر حران، وصخرة بهستون، وبعض الأحجار الآشورية، ولوحات منطقة أور بين النهرين، وصخور ظفار، وصخور سد مأرب الخطية، وبعض آثار حضرموت وصنعاء، وما عثر عليه في ديار عاد وثمود. وهي كلها كتبت حولها دراسات علمية موثقة منشورة.
 
وأشار المؤلف إلى أن هناك كشوف كثيرة أخرى، منها ما وجد في مصر من آثار قدماء المصريين ونقوشهم الخطية التي سجلوها على معابدهم ومقابرهم وهياكلهم ومسلاتهم، وكذلك ما وجد في بلاد الرافدين من الخطوط والكتابات على الجدران والمسلات والهياكل، وفي المتاحف مجموعات كثيرة من الكتابات على أوراق البردي، وفي دور الآثار العربية والأوربية أحجار ورقم كثيرة عليها كتابات تمثل الحضارة الشرقية، يجدر التنويه بها، ومن الصعب حصرها.
 
وقد اختصر المؤلف الكلام في هذه المسألة لأنها ليست من صلب البحث، وإنما اتخذها مدخلاً لكتابه عن أهيمة الكتاب في الحضارة الإسلامية، وإلا فهناك دراسات وبحوث قيمة مفردة تتبعت تاريخ الكتابة العربية منها:
– الكتابة العربية للأستاذ الدكتور غانم قدوري الحمد.
– تطور الكتابة الخطية العربية للدكتور محمود حموده.
– الخط العربي تاريخه وحاضره لبلال الرفاعي.
– الخط العربي جذوره وتطوره لابراهيم ضمرة.
– الخط والكتابة لمحمد الخياري الحسيني.
– أجزاء من صبح الأعشى في صناعة الإنشا للقلقشندي.
– الخطاطة الكتابة العربية للدكتور عبدالعزيز الدالي.
– المفصل في تاريخ العرب لجواد علي.
وغيرها كثير.
 

الإثنين 24 / 5 / 1433هـ