التعليق على كتاب (الكتاب في الحضارة الإسلامية) – الحلقة الخامسة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة الخامسة

 

الفصل الرابع: الترجمة والمترجمون.
تحدث المؤلف في هذا الفصل عن عربية كلمة (ترجمة)، وهي تفسير الكلام بلسان آخر. وقد اكتسبت الكلمة معنى آخر أكثر تحديداً بسبب تقدم الحضارة، وكثرة الاختلاط مع الشعوب المجاورة للعرب، فصار معناها ينصرف إلى نقل الكلام من لغة إلى أخرى، وهي في الأصل تأتي بمعنى التفسير والبيان، ومنه ترجمان القرآن لعبدالله بن عباس رضي الله عنهما.
 
وأشار المؤلف إلى معرفة العرب المبكرة للتراجم، فقد كانوا يفدون على أكاسرة الفرس وقياصرة الروم، وكان في بلاطاتهم مترجمون من الفارسية إلى العربية، ومن العربية إلى الفارسية ومن اللاتينية إلى العربية، ومن العربية إلى اللاتينية، وكان من العرب من يجيد الفارسية، ومنهم من يجيد اللاتينية والسريانية (الآرامية) والعبرية.
 
وإذا اتبعدنا في الزمان نجد أن أقدم المترجمات إلى اللغة العربية هي النقوش البابلية، وألواح الحثيين، ونقوش تل العمارنة، وألواح مدينة نينوى، وحجر رشيد. وقد توقف المؤلف عند كل واحدة من هذه النقوش والآثار وبين تاريخها.
 
الترجمة عند العرب قبل الإسم:
لقد كان العرب الجاهليون على صلة وثيقة بحضارة العالم القديم، فضلاً عن حضارتهم العريقة، وقد كانت الصلات قائمةً بين العرب وغيرهم من فرس وروم وهنود، وكان من مظاهر ذلك إمارة المناذرة في العراق والغساسنة في الشام، اللتان أتاحتا لثقافة الفرس والروم أن تدخل الجزيرة وتمتزج بثقافة العرب، وكذلك أتيحت للعرب مواسم وأسواق كثيرة للاختلاط بغيرهم، فقد كان العرب وغيرهم يرتادون هذه الأسواق والمواسم في أنحاء متفرقة من الجزيرة العربية. كما كان العرب يسافرون إلى بلاد الروم لأسباب مختلفة كالتجارة وغيرها.
 
الترجمة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم:
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرسل الرسل إلى ملوك الأمم وأمراء الجزيرة حاملين رسائله، وكانت هذه الرسائل بالعربية، ويترجمها التراجمة من الفرس والروم إلى لغتهم. وكانت الحاجة داعية أيضاً إلى وجود من يجيد اللغة العبرية والسريانية خصوصاً في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا تحرف مقاصد الدين وكتب الرسول صلى الله عليه وسلم وخاصة أن اليهود كانوا مجاورين للمسلمين في المدينة، والسريان على صلة بالمسلمين، ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحث أصحابه على تعلم لغات الأمم المجاورة.
 
الترجمة في العصر الأموي:
ازدهرت الترجمة في عهد بني أمية نظرًا لعناية خلفاء بني أمية بالعلم والترجمة، ويبرز اسم خالد بن يزيد بن معاوية المتوفى سنة 85هـ على أنه رائد الترجمة والمعني بكتب الطب والكيمياء والهيئة، والساعي إلى ترجمتها للعربية، والأخبار تصوره رجلا فذاً، بحث في العلوم العقلية، وهو رجل متميز في الأسرة الأموية، وقد استرعى انتباه الدارسين من القدامى والمحدثين. وله ينسب الفضل في كثير من التراجم الأولى لكتب الطب وغيرها. وقد أفاض المؤلف في النقول التي تشيد بمكانته في هذا الجانب.
 
الترجمة في العصر العباسي في القرن الثاني الهجري:
زادت العناية بالترجمة ونقل الكتب المتميزة من اللغات غير العربية إلى العربية في زمن بني العباس، وتميز زمن أبي جعفر المنصور بتطور حركة الترجمة وازدهارها. وترجمت في زمن المنصور كتب على قدر من الأهمية منها:
 
– كتاب كليلة ودمنة، حيث ترجمه من الفارسية عبدالله بن المقفع.
– كتاب السند هند، وهو في علم النجوم.
– كتب أرسطو في المنطق، حيث ترجمها كلها عبدالله بن المقفع.
– كتاب المجسطي لبطليموس، وكتاب إقليدس في الهندسة.
– كتاب ألأثماطيقي.
 
وقد لمعت أسماء مجموعة من المترجمين كابن المقفع، وأبي يحيى البطريق، وابنه يحيى البطريق وغيرهم.
 
واستمرت الترجمة تزدهر في زمن خلفاء بني العباس كهارون الرشيد والمأمون، ويعتبر عصر المأمون من أزهى عصور العباسيين في الترجمة، وقد توقف المؤلف مع أبرز الكتب التي ترجمت في هذه العصور العباسية المتعاقبة، وأبرز المترجمين. ويظهر من قراءة هذا الفصل أثر حركة الترجمة على ازدهار العلم، وغزارة المؤلفات التي دارت حول هذه الكتب المترجمة، شرحاً لها أو رداً عليها أو استدراكا عليها. وقد أحدثت بعض الكتب المترجمة بلبلة في عقائد المسلمين وخصوصاً كتب الفلسفة والنجوم ونحوها.