التعليق على كتاب (الكتاب في الحضارة الإسلامية) – الحلقة السادسة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة السادسة

 
الفصل الخامس: خزائن الكتب والمكتبات.
أفرد المؤلف هذا الفصل للحديث عن أول نشوء المكتبات العامة في التاريخ الإسلامي، وأشار إلى أن أول كتاب عرفه المسلمون وحملوه معهم في فتوحاتهم هو القرآن الكريم، وأن المسلمين شهدوا في فتوحهم لدى الأمم المجاورة كتبًا مخطوطة فما أعاروها اهتماماً أول الأمر، ولكنهم حين بدأوا يعتنون بالتفسير والحديث والشعر والخطب والأمثال والحكم شعرواء بالحاجة إلى التدوين ونسخ الكتب وحفظها في أماكن عرفت فيما بعد بـ (بيت الحكمة) أو (خزانة الحكمة)، فكانت الكتب التي يجلبها الفاتحون من الأمم المجاورة، والكتب التي يؤلفها العلماء المسلمون تحفظ في هذه البيوت أو الخزائن ليصار إلى الرجوع إليها والإفادة منها والنقل عنها.
 
وأشار المؤلف إلى أن أول ذكر لبيت الحكمة يرد مرتباً بالصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ومنسوباً إليه كما في المناظرة التي وقعت بين عثمان بن سعيد الدارمي (ت280هـ) وبشر المريسي (ت218هـ)، ومعروف أن معاوية رضي الله عنه إبان خلافته كان يحب سماع أخبار الملوك المتقدمين، فدعى من أجل ذلك عبيد بن شرية الجرهمي الذي كتب له كتباً في أخبارهم..
 
وأشار المؤلف إلى دور حفيد معاوية رضي الله عنه خالد بن يزيد بن معاوية الذي كان مولعاً بالكتب والعلم وجمع كتبه، وله ذكر حسن في كتب التاريخ والتراجم، وإليه ينسب الفضل في نشأة عدد من العلوم والعناية بها وبكتبها، وقد أنفق الكثير من المال على ترجمة الكثثير من الكتب من اللغات غير العربية إلى العربية، وإليه ينسب الفضل في إنشاء أول خزانة كتب عامة في التاريخ الإسلامي سماها (بيت الحكمة).
 
ثم ينقطع خبر بيت الحكمة بعد خالد بن يزيد بن معاوية حتى زمن الوليد بن عبدالملك (ت96هـ)، حيث يذكر أن لمكتبته خازناً وناسخاً، ولكل منهما لقب محدد، فقد لقب أحدهما بالمصاحفي، وسمي مولاه (زياد مولى سعد صاحب المصاحف) تلميذ ابن عباس، وأول ما ينصرف الذهن عند الوصف بالمصاحفي إلى المصحف، غير أنه لا يمنع انصرافها لبقية الكتب المجلدة باعتبارها صحف مجموعة. وقد ذكر ابن عبدالبر عن الكتب التي ضمت إلى مكتبة الوليد بن عبدالملك قوله: “من جملة ما وجد في الأندلس اثنان وعشرون مصحفاً محلاة، كلها من التوراة، ومصحف آخر محلى بفضة فيه منافع الأحجار والأشجار والدواب وطلسمات عجيبة، فحمل ذلك إلى الوليد، وكان في المصاحف مصحف فيه عمل الصنعة وأصباغ اليواقيت” (القصد والأمم لابن عبدالبر ص 34).
 
ولا نجد بعد ذلك ذكراً واضحاً لخزائن الكتب والمكتبات العامة، إلا ما يذكر عن مكتبة الوليد الثاني (ت125هـ) فبعد وفاته حملت الدفاتر التي كانت تحتويها مكتبته على دواب عديدة، وهي الدفاتر التي تضم في معظمها أحاديث وروايات ابن شهاب الزهري. ومن هذا يتبين أن المكتبات الأموية كانت تحتوي على كتب في الحديث والشعر والأخبار والتاريخ والنجوم والطب والكيمياء وبعض الكتب الفلسفية،وكان فيها أمناء ونساخ، وكان بعض المترجمين قد ترجموا كتبا في الطب.
 
في العصر العباسي:
عرف عن أبي جعفر المنصور ميله لعلم النجوم إضافة إلى بقية العلوم. فقد كلف المنصور من يترجم له كتباً في الطب وغيرها من العلوم التي لم تعرفها العرب إلى العربية، ولذلك أقبل عليه المترجمون، وبعث له ملوك العجم بالكثير من كتبهم بناء على طلبه، وكان له دور بارز في دعم ترجمة الكثير من الكتب المهمة في الطب والرياضيات وغيرها.
 
وقد تواصلت عناية خلفاء بني العباس بدعم العلم والكتب والخزائن، فكان المهدي وهارون الرشيد ومن بعده من أبنائه يولون هذه المكتبات عنايتهم، وينفقون بسخاء على القائمين عليها، وعلى تزويدها بالكتب في كل الفنون، ولذلك ازدهرات هذه المكتبات في زمن العباسيين بشكل ملفت للنظر. ويعتبر زمن المأمون من أزهى عصور بيت الحكمة، فقد تطور العمل في بيت الحكمة تطورًا كبيراً جدًا، حتى إن بعض المؤرخين يظن أن بيت الحكمة لم ينشأ إلا في عهد المأمون لعنايته به. فقد كان بيت الحكمة في زمن المأمون خزانة للكتب، ومركزاً للترجمة والتأليف، ومركزاً للأبحاث ورصد النجوم، وجمع بيت الحكمة كل الكتب القديمة التي وصلت عن طريق الوراثة أو الاقتناء، وهي بمختلف اللغات، والكتب التي ترجمت عن تلك اللغات، والكتب التي ألفت للمأمون وغيره من الخلفاء والأمراء وغيرها.
 
وكان لتشجيع المأمون ورعايته دور في إقبال العلماء على بيت الحكمة ينهلون منه ويؤلفون في ظلاله وينالون من هباته وكرمه، وفي نصوص التراث ما يعزز هذا ويدعمه، وقد نقل المؤلف الكثير من النصوص المعززة لهذا المعنى.
 
صاحب بيت الحكمة:
تكلم المؤلف عن أن صاحب بيت الحكمة هو المتولي لشؤونها، والقائم على إدارتها، وأول من يذكر في تولي هذا المنصب هو سهل بن هارون (ت215هـ).
 
وقد تولى إدارة بيت الحكمة بعد سهل بن هارون عدد من كبار الأدباء والكتاب، وقد أورد المؤلف أسماء عدد كبير من الباحثين في مختلف العلوم الذين عملوا في بيت الحكمة. وقد بدأ اسم بيت الحكمة يتضاءل ويكاد يختفي بعد وفاة المأمون ومجيء المعتصم، وانتقال مركز الخلافة إلى سامراء بدل بغداد، ولم يعد يذكر بيت الحكمة إلا باسم خزانة كتب المأمون، أو مكتبة المأمون، فقد ذهبت صفته العلمية، وخبا ضوؤه بعد أن كان يحفل بالعلماء والمترجمين والمنجمين، وحتى هذه الخزانة أو المكتبة لم يعد لها ذكر في مصادر التراث بعد القرن الرابع الهجري.
 
ما سمي ببيت الحكمة من خزائن الكتب الأخرى:
ذكر المؤلف عدداً من الخزائن العامة سميت أيضاً ببيت الحكمة، ومنها:
1-خزانة الحكمة لعلي بن يحيى بن أبي منصور المنجم (ت275هـ). وكان صاحبها شاعراً أديباً راوية للأخبار والأشعار، وكان يعمل في بيت الحكمة للمأمون، ثم أنشأ بعد ذلك هذه الدار الخاصة به.
2-خزانة الحكمة للفتح بن خاقان. وهو وزير المتوكل الأول، وكان أديباً جواداً حكيماً، محباً للكتب والقراءة، حتى قال فيه أبو هفان: “ثلاثة لم أر قط ولا سمعت أحبَّ إليهم من الكتب والعلوم، الفتح بن خاقان، والجاحظ، وإسماعيل بن إسحاق القاضي“.
 
خزائن أخرى شبه عامة (دور العلم والخزائن المحلقة بالمدارس):
أ- دار العلم في الموصل. وقد أنشأها أبو القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي الشحام المتوفى سنة 323هـ. وكان بصيراً بالنجوم وعلوم الأوائل كما يسمونها، وكانت خزانته تضم كتباً من جميع صنوف المعرفة، في الحكمة والفلك وغيرها، وقد جعل خزانته وقفا على طلاب العلم يقرأون فيها، ويقدم للغرباء المال والورق والإقامة في بيوت مخصصة للغرباء والمحتاجين، وخصص فيها مكان للتدريس.
 
ب- دار العلم الفاطمية. وقد أنشأت في القاهرة بأمر الحاكم بأمر الله العبيدي الباطني سنة 395هـ، وقد كانت على مذهب الإسماعيلية والطعن في السنة وأهلها، وقد أغلقت ثم فتحت عدة مرات، ثم أغلقت نهائياً بعد تولي صلاح الدين الإيوبي ملك مصر وسقوط دولة الباطنية. وقد أغدق الحاكم بأمر الله على هذه الدار أموالاً طائلة وجلب لها الكتب من كل مكان، وكانت حافلة بكل الكتب والمعارف.
 
ت- دار العلم لسابور في بغداد. وقد أسسها سابور بن أردشير ت 416هـ وزير بهاء الدولة العباسي، وكان كاتباً مثقفاً أديبًا يحب العلم والعلماء، وكان شيعياً من أصل فارسي، وقد أنشأ هذه الدار في حي للشيعة، وأغدق عليها الأموال فأصبحت مثابة للعلماء وطلاب العلم والأدباء والشعراء. وقد عمل سبط ابن الجوزي فهرساً لكتب هذه الدار.
 
ث- خزانة المدرسة النظامية في بغداد. وقد أسسها الوزير نظام الملك أحد أكبر رجال الدولة السلجوقية، وقد عرف بذكائه ونشاطه وشغفه بالعلوم ومجالسة العلماء، وبعد وفاة الملك السلجوقي ألب أرسلان سنة 465هـ كان نظام الملك هو الملك الحاكم الحقيقي. وقد شيدت هذه المدرسة على ضفاف نهر دجلة، قرب قصر الخليفة سنة 457هـ واستغرق بناؤها سنتين، فأنجزت سنة 459هـ وقد خصص في هذه المدرسة الكبيرة بناء خاص للمكتبة التي عرفت حيناً باسم (دار الكتب)، وقد حظيت باهتمام نظام الملك نفسه، وكتب فيها كراسة في الحديث النبوي عند زيارته لها أول مرة تيمناً وتبركاً كما يقولون. وقد أورد المؤلف الكثير من أخبار هذه الدار وأخبار من قام عليها من العلماء والأدباء.
 
ج- دار العلم في طرابلس. وقد أنشأها جلال الملك أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد صاحب مدينة طرابلس وقاضيها، وكانت هذه الدار غنية بالكتب، وتعتبر من أغنى المكتبات الإسلامية، وقد قيل إنها كانت أكبر وأجمل مكتبة في عصرها حوالي 463هـ، حيث يقدر عدد كتبها بثلاثة ملايين كتاب، كان من بينها خمسون ألف نسخة من القرآن الكريم، وعشرون ألف نسخة من التفاسير، وعمل بها مئة وثمانون كاتباً، منهم ثلاثون كانوا يقيمون بها ليلاً ونهاراً، وقد هيأ لها حكام بني عمار كل أسباب التزويد بالكتب، وقد ازدهرت طرابلس في عهد بني عمار بالعلوم، وزارها العلماء من سائر البلدان، وقدموا خدماتهم للمشرفين عليها. ومما يؤسف له أن هذه الدار لم تدم طويلا، فقد أحرقت سنة 493هـ بعد ثلاثين عامًا من تأسيسها، فقد حاصر الصليبيون طرابلس سنة 493هـ ودام حصارهم لها عشر سنوات، فلما دخلوها سنة 503هـ أحرقوا من جملة ما أحرقوا دار العلم، وقيل إن أحد الكهنة فزع من كتب رآها، ووقع بصره على مجموعة جليلة من المصاحف، ولما أمسك مجلداً منها شك أنه نسخة من القرآن الكريم، وأن كل ما تحتوي عليه الدار إنما هو مصاحف، ولهذا أحرقها الصليبيون، ثم استولوا على جملة الكتب ونقلوها إلى بلادهم، ويقول المؤرخون: وبعد حصار المدينة عشر سنوات استسلم سكان المدينة بعد وصول رسالة من الخليفة أمر فيها أن يبعثوا إليه بامرأة جميلة فقيرة، كان قد سمع بجمالها، بدلاً من إعلانه عن إرسال مساعداته ونجداته، فاستسلمت المدينة كلها وهي يائسة إلى العدو الذي غزاها واستولى عليها، ولم يتخذ لأجلها أي حيطة لحفظ الأموال أو الأرواح، بل هاجم هو ثرواتها ونهب بعض أماكنها. (مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي 11/314). وهكذا أحرق الغزاة هذه المكتبة العظيمة، واستولوا على بقية كتبها وطويت بذلك صفحة هذه الدار التي كانت من أجمل وأثرى المكتبات في العصر العباسي والله المستعان.
 
ح- خزانة المدرسة المستنصرية. وهي من المآثر الجليلة للخليفة المستنصر بالله (588-640هـ) حيث أنشأ المردسة المستنصرية وألحق بها هذه الخزانة. وتعتبر من أضخم الخزائن وأكبرها في زمانها، وقد عمل فيها عشرات من العلماء والباحثين والأدباء. وكانت نهايتها على يد المغول عند استيلائهم على بغداد سنة 656هـ. وبعض كتبها نقلت إلى المراغة بعد استيلاء المغول على بغداد لصالح نصير الدين الطوسي قبحه الله، حيث ملأ مكتبته بالكتب التي نهبت من مكتبات بغداد وغيرها حتى اشتملت مكتبته على أربعمائة ألف كتاب منهوبة.
 
خزائن الخلفاء والأمراء.
تحدث المؤلف عن الخزائن الخاصة بالخلفاء والأمراء، وأشار إلى الكتب التي كانت تحفل بها هذه المكتبات الخاصة بعلية القوم، فذكر خزانة الخليفة الراضي، وخزانة سيف الدولة الحمداني، وخزانة المستنصر الأموي في قرطبة الأندلس، وخزانة العزيز بالله الفاطمي، وخزانة نوح الساماني في بخارى، وخزانة الناصر لدين الله العباسي، وخزانة المستنصر بالله العباسي، وغيرهم من الخلفاء والأمراء وكبار الوزراء الذين كانت مكتباتهم الخاصة تفوق بعض المكتبات العامة من حيث عدد الكتب، وكثرة العاملين فيها، ونفاسة المحتويات. وقد أوجز المؤلف أخبار هذه المكتبات في الكتاب.
 
خزائن كتب العلماء الخاصة.
لكل عالم مكتبته الخاصة، وما كان ينسخه لنفسه، أو يشتريه أو يهدى إليه من كتب، وكان لبعض العلماء مكتبات ثرية عامرة، وجاءت عنها معلومات وأوصاف في كتب التراث، وبعضهم الآخر –مع شهرتهم وحبهم للكتاب– لم تعرف لهم مكتبات عامرة، وكانت كتبهم قليلة ومحدودة، ولا شك أن لدى الأدباء المشهورين من أمثال الجاحظ وأبي حيان التوحيدي وياقوت الحموي وابن النديم والقفطي مكتبات عامرة، ولكن ليس لدينا وصف لها أو علم عنها، ولا ذكر واف عن محتوياتها. وقد أشار المؤلف إلى بعض المكتبات الخاصة، فذكر مكتبة الواقدي صاحب المغازي، وخزانة ابن الزيات وزير المعتصم والواثق العباسيين، وخزانة أبناء موسى بن شاكر، وخزانة كتب علي بن يحيى المنجم، وخزانة إبراهيم بن إسحاق الحربي، وخزانة محمد بن الحسين، وخزانة كتب ثعلب، وخزانة كتب الصولي، وغيرها من الخزائن الخاصة، وتوقف المؤلف مع كل مكتبة من هذه المكتبات فذكر طرفا من أخبارها وما قيل فيها من الأشعار، وهذا الفصل من أطرف فصول الكتاب وأمتعها بأخباره، ويستملح هذا الفصل محبو الكتب وأصحاب العناية بالكتب وهم كثيرون في القديم والحديث ولله الحمد.