التعليق على كتاب (الكتاب في الحضارة الإسلامية) – الحلقة السابعة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة السابعة

 
الفصل السادس: صناعة الكتب.
أفرد المؤلف هذا الفصل للحديث عن تجليد الكتب، وتذهيبها، والصور والرسوم التي تزين بها الكتب. واستهل المؤلف هذا الفصل بسؤال عن شكل الكتاب في أوله وكيف كان عند أول ظهوره في الأمم القديمة، وكيف تطور واتخذ شكله الحالي الذي هو صفحات تضمها دفتان من الجلد أو الورق. وخلاصة كلامه أن الكتاب في أول ظهوره كان يختلف شكلاً وحجماً، وكان الإنسان القديم قد كتب كتابه الأول على الطين والحجر، وكان السومريون -سكان العراق القدماء- قد كتبوا على الألواح الطينية بأشكال وأحجام مختلفة، فدونوا بهذه الطريقة علومهم وتاريخهم، وكان النص يستغرق لوحاً أو عدة ألواح، فإذا كان النص طويلاً استخدموا عدة ألواح، وكانوا يرقمون الألواح بأرقام متسلسلة كما ترقم صفحات الكتب اليوم، وبعض هذه الألواح لا يزال محفوظاً في المتحف العراقي ببغداد حرسها الله وأعادها للمسلمين حرة أبيًّة وخلصها من دنس الرافضة.
 
وكان أهل مصر في ذلك الوقت يكتبون على لفائف البردي، وكانوا يصنعون الكتاب على شكل ملف من صحائف البردي بأحجام مختلفة يبلغ طول بعضها ستة إنجات، تلصق ببعضها فتكون على شكل شريط طويل، يلف ليصبح على شكل اسطوانة.
 
وبالإضافة إلى البردي فقد استعمل المصريون ألواحاً من الخشب المغطى بالجص لتدوين النصوص. وكذلك استخدموا ألواح العاج المغلفة بالشمع.
أما الشعوب الأخرى فقد استخدم كل شعب ما توافر له من مواد للكتابة، وما رآه مناسبًا لتدوين أفكاره، فقد استخدم الصينيون ألواحاً خشبية، وما دامت هذه الألواح عرضة للتلف أو الحرق فإنها لم تصل إلينا، وكذلك كتبوا على الحرير الذي عرفوه منذ وقت مبكر، واستخدم اليونان والرومان ألواح الخشب المغلفة بالشمع، وكذلك لفائف البردي، ومن الرومان أخذت شعوب غرب أوروبا استخدام لفائف البردي.
 
وعرف الرَّقُّ في مرحلة متأخرة، واستخدم في الكتب الدينية المقدسة، وقد ساعدت النصرانية على انتشار الرق لحاجتها لكتابة نسخ من كتابهم المقدس لترسلها إلى أنحاء الأمبراطورية، ولم يؤثر الرق على استخدام البريدي فكلاهما استمرا في الاستعمال في شؤون الكتابة، ولكن اختلف شكل الكتاب مع استخدام الرق فأصبح على هيئته الحالية كالمصحف، فأصبحت الصفحات ترتب الواحدة تلو الأخرى، وأصبح شكل الكتاب مستطيلاً قائماً كما هو اليوم.
 
ظهور التجليد:
أول ما عرف التجليد عن الأقباط المصريين، حيث كانوا يعنون بتجليد الكتاب المقدس ويتفنون في ذلك، وعنهم أخذ المسلمون فن التجليد، وقد طور المسلمون فن التجليد وخاصة تجليد المصاحف في العصور الوسطى غاية الإتقان والجمال.
 
وكانت مادة الغلاف التي استخدمت أول مرة في التجليد من الخشب، مع تطور ما يضاف إلى الخشب من المحسنات كتطعيمه بالعاج، أو بصفائح ذهبية، أو فضية مرصعة بأحجار كريمة، وقد تغلف بالقماش المطرز، ولذلك كانت هذه الأغلفة الثمينة عرضة للسرقة لنفاستها، ولذلك لم يصل منها إلينا إلا القليل. وقد انتقلوا في بعض الأطوار للتغليف بنفس أوراق البردي بعد تضعيفها ثم تغليفها، ولكنها سهلة الانكسار فرجعوا للخشب.
 
ثم تطور التغليف والتجليد ليصبح من الجلد بدل الخشب، ومن الجلد أطلق عليها اسم (التجليد) الذي استمر على مدى الزمن حتى وصل إلى العصر الحاضر دون تغيير كبير، وقد برع الأقباط في استخدام الزخرفة في تجليد الكتب، وقد وصلت نماذج قليلة من أغلفة الكتب القبطية التي استخدموا فيها الجلود المزخرفة. وقد ساهم الأقباط في نشر فن التجليد في أنحاء العالم.
 
التجليد في الإسلام:
كان القرآن الكريم أول كتاب عرفه المسلمون، وكتب المسلمون المصاحف على الرقوق، ولم يستعلموا البردي في كتابة المصاحف، بل كانت المصاحف مكتوبة على الرقوق، وكانت بحاجة إلى لحفظها بين لوحين من خشب، وبذلك عرفوا فن التجليد، وغالب الظن أن دفتي الخشب كانتا تكسيان بالجلد أو القماش، ولا تخلو من الزخرف والزينة، وكان أسلوب التجليد الإسلامي وفق التقاليد الحبشية والقبطية السابقة للإسلام.
 
والمعروف أن القرآن حين جمع في عهد أبي بكر ثم في عهد عثمان بن عفان، كتب على صحائف الرق، وكتبت منه نسخة واحدة وضعت صحائفها بين دفتين لحفظها، ثم أطلق على القرآن الكريم اسم (المصحف) وابتعدوا عن تسميته بـ (السِّفْر) لأن هذه التسمية كانت مستعملة عند اليهود، وقد ذكر الجاحظ أن تسمية المصحف مأخوذ عن الحبشة، والمصحف هو الذي يحفظ الكتاب ويسهل استعماله ويصونه في تماسك وجمال، وقد نقله العرب عن الأحباش.
 
ويستمر المسلمون في تطوير التغليف وخاصة للمصاحف، وذلك في صدر الإسلام وفي عهد الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية، ولكن المعلومات التي وصلت عن هذه المرحلة قليلة، حتى إذا جاء القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) شهد فن التجليد تطورا كبيرا جدا، وقد وصلت بعض أغلفة المصاحف من تلك الحقبة، وفيها دلالة على تطور فت تجليد الكتب لدى المسلمين. وفي القرون اللاحقة شاع تغليف الكتب بشرائح من الجلود فوق الخشب، وهذه المرحلة تعتبر بداية فن التجليد عند المسلمين.
 
لقد كانت عناية المسلمين بتغليف المصاحف والكتب عناية بالغة، ولا سيما كبارهم كالخلفاء والملوك والسلاطين والأمراء والأثرياء والعلماء، وقد مر معنا إنشاء بيت الحكمة في عهد الرشيد، وكان فيه جزء خاص بالتغليف للكتب بعد نسخها.وكانت الجلود تجلب من كل مكان لهذه الغاية، وتتفاوت الجلود من حيث الجودة والثمن وغيرها، وتجد في كتب التاريخ وصف لمزايا كل نوع من أنواع الجلود ومدى جودتها في التغليف.
 
ثم لم تزل صناعة تجليد الكتب تزدهر وتتطور ويزيد أهل كل بلد من بلدان المسلمين بصماته الخاصة على التجليد للكتب فتميز أهل كل بلد بميزة في تجليد الكتب، حتى أصبح الكتاب يعرف من خلال تجليده بأنه تم تجليده في مصر أو في المغرب أو في اليمن أو العراق وهكذا.
 
البطانة:
كان المجلدون يبطنون أغلفة الكتب من الداخل بالبردي أو الرق أو الورق، ويرى بعض الباحثين أن المسلمين تأثروا بالأقباط الذين يبطنون جلود كتبهم بالرق المزخرف، وحين ازدهرت صناعة التجليد عند المسلمين صاروا يبطنون بالقماش أو الحرير، ولهم في ذلك فنون وهيئات كثيرة.
 
اللسان:
عرف اللسان الذي يوضع داخل الكتاب لتحديد مواضع الوقوف مبكرًا لدى الأقباط، ونقله عنهم المسلمون إلى بلاد الغرب بعد ذلك، وقد ذهب بعض المؤرخين إلى أن اللسان ابتكار إسلامي. ويقع اللسان في الغلاف القبطي في الجانب الأيسر وكان على شكل قطعة مستطيلة، أما في الكتاب الإسلامي فيكون اللسان في الجانب الأيمن، وهو يحمي الكتاب، وكان يصنع عريضاً بحيث يصلح أن يكون ظرفاً للكتاب الذي يطبق فوقه.
 
وفي مصر تطور فن التجليد تطورًا كبيرًا في القرنين الرابع والخامس الهجريين، ولا يزال حتى اليوم متميزًا عن غيره. وفي الأندلس كان التجليد متقدمًا متطورًا بفضل المسلمين، ويشيد المؤرخون بحذق أهل الأندلس في الوراقة، يقول المقدسي: “إن أهل الأندلس أحذق الناس في الوراقة” (أحسن التقاسيم: 239). والفضل في ذلك للخلفاء الذين استقدموا أمهر المجلدين من بغداد وصقلية، بالإضافة إلى أهل الأندلس. وفي العراق كان فن التجليد متطورًا جداً، بفضل اهتمام الخلفاء وكثرة المكتبات، وخزائن الكتب.
 
مصحف عثمان في المغرب:
بلغ فن التجليد في المغرب مرحلة متطورة، وكان لاهتمام الخلفاء بالكتب أثر في ذلك. وقد ذكر المؤرخون قصة وصول أحد المصاحف العثمانية ليد عبدالمؤمن بن علي الخليفة الموحدي وقد أهداه له أهل قرطبة فجمع أهل فن الزخرفة والتجليد من كل مكان وبالغ في العناية بهذا المصحف مبالغة شديدة فصلها ابن صاحب الصلاة في روايته للقصة في كتابه تاريخ المن بالإمامة 2/5، وأشار للحادثة المقري في نفح الطيب 2/135.
 
أساليب التجليد الإسلامية:
يمكن تقسيمها إلى ثلاثة اتجاهات في التجليد، وهي:
الأول: متأثر بالنزعة الطبيعية في تنفيذ الغلاف، وهي مستمدة من العمارة الإسلامية، حيث تحلى واجهات القصور والمساجد بالآجر والفسيفساء، ومزدانة بالأعمدة مع فتحات بين الأقواس والعقود.
الثاني: الطراز الهندسي الذي يتكون من مربعات وأنجم سداسية أو ثمانية، وكذلك مثلثات ومستطيلات تكون أشكالا هندسية متقنة ورائعة.
الثالث: الأسلوب البسيط الذي تقل فيه الزخرفات والحلى.
 
أثر التجليد الإسلامي في أوروبا:
لقد تأثر التجليد الأوربي بفن التجليد الإسلامي بشكل واضح، وكان الفن الإسلامي قد قطع شوطاً كبيراً في النضج والإبداع الفني في الوقت الذي كان التجليد في أوربا بدائياً جداً، وكان التأثير والتأثر عن طريق زيارة القدس وما حولها في أيام السلم وعن طريق الحروب بين الطرفين عبر التاريخ. والأوربيون معجبون غاية الإعجاب بالفن الإسلامي عامة والتجليد والزخرفة للكتب خصوصاً، وقد نهبوا خلال حروبهم الكثير من النوادر الإسلامية في التغليف والتجليد، ولا زالت في مكتباتهم حتى اليوم.
 
من أعلام المجلدين للكتب وبعض المؤلفات عن صناعة التجليد:
ذكر المؤلف بعض أسماء وأخبار المجلدين المبدعين في تاريخ التغليف للكتب، وذكر ثلاثة مؤلفات صنفت في صناعة التجليد وهي:
1- (عمدة الكتاب وعدة ذوي الألباب) لا يعرف مؤلفه، وفيه شرح واف لكيفية التجليد وأصوله.
2- كتاب (التيسير في صناعة التسفير) للإشبيلي، شرح فيه طرق التجليد والنقش التي كانت على عهده ببلاد المغرب.
3- صناعة تسفير الكتب وحل الذهب للفقيه أبي العباس أحمد بن محمد السفياني، ألفه سنة 1029هـ.

 
تذهيب الكتب:
فن التذهيب فن قديم، يرجع عهده إلى الفراعنة المصريين القدماء،وعنهم أخذه المسلمون في تجليد المصاحف خصوصاً وعملوا صفائح رقيقة جدًا من الذهب لصقوها وهي ساخنة على أغلفة الكتب المتخذة من الجلد، ثم صقلوها بعد ذلك. وهناك طريقة أخرى للتذهيب استخدمها المسلمون وهي استعمال ماء الذهب أو مداد الذهب، وهو مكون من برادة الذهب الممزوجة بالماء والصمغ وعصير الليمون. وقد تردد المسلمون أولًا وتحرجوا من كتابة القرآن الكريم بمداد الذهب، خوفاً من وقوع الإسراف، وطلبا للبساطة والتقشف، ولكن بمرور الوقت صار بعض من الخطاطين ينسخون بعض المصاحف بمداد الذهب، وكانت هذه المصاحف قليلةً، وبقي أكثر نسخ المصاحف بالمداد العادي.
 
ولم يتحرج المسلمون من رسم فواصل السور وفواصل الآيات بماء الذهب، وكذلك في رسم بعض الزخارف في هوامش بعض صفحات المصحف، ثم شاع ذلك بمرور الزمن، وقد دأب المزخرفون بتذهيب الصفحتين الأولى والثانية من المصحف وكذلك الصفحتين الأخيرتين فأبدعوا في ذلك أيما إبداع. وقد أطال المؤلف في ذكر تفاصيل أخبار صناعة التذهيب للكتب وزخرفتها فليراجع الأصل للاستزادة.
 
الصور والرسوم في الكتب:
أورد المؤلف تحت هذا العنوان حكم التصوير في الإسلام وكيف تساهل الناس من العصر الأموي في التصاوير فامتلأت بيوتهم وكتبهم بها، وأشار إلى أن من أوائل الكتب التي وصلتنا مليئة بالتصاوير كتاب كليلة ودمنة الذي ترجمه ابن المقفع عن أصله الهندي. والتصاوير التي جاءت في الكتب الإسلامية إما أن تكون تصاوير توضح نصوص الكتب العلمية في الطب والهندسة ونحوها، أو لتزويق الكتب الأدبية.