التعليق على كتاب (الكتاب في الحضارة الإسلامية) – الحلقة الأولى

بسم الله الرحمن الرحيم
(الحلقة الأولى)

 
كنتُ أسكن في حي الوصايف بمدينة أبها منذ أواخر عام 1416هـ تقريباً، وكان حياً هادئًا في أطراف المدينة من الشمال، ولم يكن قد ازدحمت فيه الفلل والبيوت كما هو اليوم، وكنتُ أخرج كثيراً أتمشى على الأقدام لزيارة فرع مكتبة الرشد الذي افتتح قريباً، ولم يكن بعيداً عني. وذات يوم خرجت بعد صلاة العصر قاصداً مكتبة الرشد وكان ذلك في الصيف عام 1418هـ وبينما أنا أبحث عن الجديد في المكتبة عثرت على كتاب (الكتاب في الحضارة الإسلامية) من تأليف الأستاذ الدكتور يحيى وهيب الجبوري، فأعجبني موضوعه، وكنت قرأت للباحث عدداً من المؤلفات والتحقيقات قبل ذلك، فسارعت إلى شراء الكتاب، واكتفيت به في تلك الزيارة، وخرجتُ عائداً إلى البيت رغبة في الشروع في قراءة الكتاب، والاستمتاع بفصوله ومباحثه، ولا سيما في هدوء صيف أبها تلك الأيام، وعدم وجود ما يشغلني عن القراءة والبحث حينها. وكنت في ذلك الوقت معيداً في كلية الشريعة بفرع جامعة الإمام بأبها، وأعكف على إنجاز بحثي للماجستير في تلك الإجازة حيث سلمته بعد بدء الفصل الدراسي الأول، وكنتُ أجد في نفسي رغبة شديدةً للقراءة والاطلاع خارج نطاق بحثي وكنت أنقاد لهذه الرغبة أحياناً وأغالبها أحياناً أخرى رغبة في الإنجاز.
 
وعندما تصفحته في الطريق وجدته قد تناول موضوعات طريفة عن الكتاب والكتابة وما يتعلق بها في الحضارة الإسلامية، وقسم الكتاب إلى ثمانية فصول، سأتوقف مع كل فصل منها في هذه المقالات إن شاء الله، وأحاول تقديم خلاصة للفصل، مع بعض التعليقات والفوائد التي استفدتها منه. وقد طلب مني مجموعة من الطلاب درساً في الكتب والمكتبات في التراث الإسلامي بعد مجيئ للرياض عام 1420هـ فرأيت أن هذا الكتاب من أجود الكتب التي تعين على الحديث عن مثل هذا الموضوع، فكان هو محور تلك الدروس واللقاءات. ولا سيما أن الدكتور يحيى وهيب الجبوري باحث ومحقق له عناية كبيرة بالتراث الإسلامي، وحقق كتباً تراثية كثيرة في الأدب والشعر وغيرها، مما جعله يجمع الآف النصوص والنقولات العزيزة النادرة في مؤلفاته ومقالاته، وهذه ميزة للدكتور يحيى وهيب الجبوري، ومثله المحقق الشيخ عبدالفتاح أبو غدة رحمه الله، فإنك عندما تقرأ في كتبه وتحقيقاته تجد سعة اطلاعه ومعرفته بكتب التراث ظاهراً في تعليقاته وبحوثه، ولن تعرف قيمة هذه النقول والفوائد إلا إذا حاولت أن تبحث عنها بنفسك في بطون الكتب.
 
التعريف بالمؤلف د. يحيى وهيب الجبوري:

أردت أن أتعرف على المؤلف معكم قبل الدخول في التعليقات، فوجدت له مقابلة مع إحدى الصحف العراقية، ولكنها لم تلق الضوء على حياته العلمية بشكل دقيق، وإنما أشارت إلى بعض مؤلفاته وركزت المقابلة على موضوع (مقولة لا أدري وتاريخها عند العلماء)، وهو موضوع بحث له رأيته نشره في كتاب مؤخراً بعنوان (في رحاب التراث العربي: دراسات في تجليات الفكر والحضارة والأدب) نشرته دار مجدلاوي للنشر بالأردن عام 2009م.
 
والأستاذ الدكتور يحيى بن وهيب الجبوري باحث ومحقق عراقي، عمل أستاذا للأدب الجاهلي في جامعات بغداد، وقطر، وليبيا، وآل البيت، وإربد الأهلية بالأردن، ولم أجد ترجمةً وافية له في الكتب التي بين يدي الآن، وإن كنتُ أذكر أن عندي في المكتبة كتاباً في تراجم الباحثين العراقيين لكوركيس عواد لكنني لم أجده الآن، والظاهر أنني قد اضطررت للتنازل عنه بعد انتقالي لمنزلي الجديد منذ سنة بسبب كثرة الكتب وضيق المكان، وتربص الأحباب الذين ساعدوني في نقل المكتبة ببعض كتبي.
 
والدكتور يحيى الجبوري رَفَدَ المكتبة العربية بعشرات المؤلفات التي صنفها أو حققها خلال رحلة خمسة عقود ماضية بين الـتأليف والتحقيق منذ أول مؤلف له والموسوم بـ”الإسلام والشعر”، حيث نشره ببغداد عام 1384هـ (1964م) ثم أعقبه بمؤلفات أخرى نذكر منها:
 
– الإسلام والشعر.
– شعر المخضرمين وأثر الإسلام.
– الجاهلية – مقدمة في الحياة العربية لدراسة الشعر الجاهلي.
– الشعر الجاهلي: خصائصه وفنونه.
– المستشرقون والشعر الجاهلي. وقد استفدت منه في بحثي للدكتوراه عن (الشاهد الشعري في تفسير القرآن) ولا سيما في مسألة طعن المستشرقين في الشعر الجاهلي.
– ديوان العباس بن مرداس السلمي.
– الخط والكتابة في الحضارة العربية.
– الملابس العربية في الشعر الجاهلي.
– شعر عروة بن أذينة.
– الشعر الجاهلي خصائصه وفنونه.
– الحيرة ومكة وصلتهما بالقبائل العربية “ترجمة عن الإنجليزية”.
– كما ترجم الجبوري لمرجليوث كتابه (أصول الشعر العربي) وهي المقالة التي قيل إن طه حسين أخذ منها مقولته في التشكيك في الشعر الجاهلي.
– منهج البحث وتحقيق النصوص.
– تحقيق أمالي المرزوقي.
– محن الشعراء والأدباء وما أصابهم من السجن والتعذيب والقتل والبلاء.
– بيت الحكمة ودور العلم في الحضارة الإسلامية.
– الحنين والغربة في الشعر العربي.
– تحقيق كتاب ابن الأثير مُؤنس الوحدة، وغيرها…
– تحقيق لديوان الشاعر عبدة بن الطبيب.
– في رحاب التراث العربي (مجموعة بحوث).
 
وقام بجمع عدد كبير من دواوين الشعراء الجاهليين والعباسيين ونشرها في دار الغرب وغيرها، ويعتبر بحق من أغزر الباحثين المعاصرين في خدمة الشعر الجاهلي تحقيقا وبحثا وتدريساً، وجمعاً لنصوص شعرائه التي فقد أكثرها. والقراءة للدكتور يحيى الجبوري تعيد للقارئ الشاب ثقته في أدب العرب في الجاهلية، وتنمي فيه اعتزازه بحضارته الإسلامية والجوانب المضيئة في هذه الحضارة في جوانب العلم وأدواته. أسأل الله للدكتور يحيى الجبوري التوفيق، وأن يتقبل الله منه هذا الجهد والجهاد في سبيل العلم والمعرفة.
 
وصف الكتاب..
يقع كتاب (الكتاب في الحضارة الإسلامية) في 548 صفحة من القطع العادي، وقد نشرته دار الغرب الإسلامي -وهي مهتمة بنشر كتب وتحقيات المؤلف- عام 1418هـ (1998م). وهي الطبعة الأولى للكتاب.

 

قسم المؤلف الكتاب بعد المقدمة إلى ثمانية فصول:
الفصل الأول: الكتاب والكتابة.
الفصل الثاني: التدوين والتأليف.
الفصل الثالث: الوراقة والوراقون.
الفصل الرابع: الترجمة والمترجمون.
الفصل الخامس: خزائن الكتب والمكتبات.
الفصل السادس: صناعة الكتب.
الفصل السابع: آفات الكتب.
الفصل الثامن: في آداب الكتب، نصوص مختارة.
الفهارس.
 
المقدمة…
أورد المؤلف في المقدمة الآيات والأحاديث التي تشير إلى فضل العلم والقلم والكتابة، وأهميتها في نشر العلم والمعرفة، وكيف كانت الكتابة سبباً لنقل العلم وتوارثه بين الأجيال والأمم والشعوب، وكيف بدأت العناية بالكتابة في التاريخ الإسلامي منذ البدء في كتابة القرآن الكريم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ثم كتابة الحديث النبوي ثم تفسير القرآن وفنون العلم بعد ذلك.
وقد أشار إلى أبرز غاية يبتغيها من تأليف كتابه فقال:
 
“ويبقى أن نُجِدِّدَ ونُحيي في نفوس الأجيالِ حُبَّ الكتابِ وفضلَ الكُتُبِ، لنعود كما كنَّا نعطي أكثر مما نأخذ، وقد كان من جملة الدواعي لتأليف هذا الكتاب حثُّ طلبة العلم والناشئة على قراءة الكتاب، والإفادة منه، والتعلقِ به، ولينظروا من خلاله ما كان من أمر السلف الصالح من العلماء والقدوات الخيرة الذين بذلوا المال، وأفنوا العمر في تحصيل العلم، وكان الكتاب عندهم أعزَّ وأنفسَ نفيسٍ”.
 
ولا شك أنَّ إحياء هذه المعاني في نفوسنا غاية شريفة جديرة بالعناية وتجشم عناء تأليف مثل هذا الكتاب، ولا أنسى كتاباً آخر كان له أبلغ الأثر في حبي للكتاب والعلم، وقع في يدي أول مرة عام 1411هـ في طبعته الأولى، ثم صدرت طبعته الموسعة عام 1414هـ وهو كتاب (صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل) للمحقق المتفنن عبدالفتاح أبو غدة رحمه الله، حيث أبدع في تأليف ذلك الكتاب، وقد اشتريته حينها وقرأته عدة مرات، واشتريت منه في تلك السنة أكثر من خمسة وثلاثين نسخة أهديتها للأصدقاء والأحباب الذين تشوقوا لقراءته بعد ذكري لقيمته وفوائده، ولعلي أتوقف مع هذا الكتاب في حلقات أخرى إن شاء الله إن مد الله في العمر.
 
وبعد سرد المؤلف لفصول كتابه، وما اشتمل عليه كل فصل منها، والتي سوف نتوقف مع كل فصل منها في موضوع مستقل، ختم مقدمته بقوله واصفاً رحلته مع الكتاب:
 
“وبعدُ فقد أنفقت في هذا الكتاب بضع سنواتٍ هي خيرة ما تبقى من سنوات العمر القليلة الباقية، قضيت فيها الليالي والأيام، جمعاً ومقارنةً ومدارسة وكتابة ومراجعة، وكنت خلالها سعيداً جَلْداً، رغم الإرهاق والتعب والمرض، وقد أحببت الكتاب طفلًا ويافعاً وشاباً وكهلاً وشيخاً، وسيكون الكتاب معي وعلى صدري حتى اللحظات والأنفاس الأخيرة من حياتي، وسألقى ربي وبيميني كتابٌ هو شفيعي بعد كتاب الله تعالى.
وقد كانت وما زالت أحلى الأيام وأسعدها عندي، حين أخلو بكتابٍ أقرأ فيه، وأناجي صاحبه، وأسامر أهله، فهو سميري عند الوحدة، ورفيقي في الحل والترحال، وأول ما ألقاه عند بدء يومي، وآخر ما يودعني حين يغالبني النوم، وقد عرفت بالكتاب ربي وديني، وتعرفت بفضله على أفاضل العلماء من عرب ومسلمين وأجانب، في شرقي العالم وغربيه، سواء من رأيتهم وتعلمت منهم من أساتذة كرام، أو من علَّمتهم من طلبة لامعين نجباء أوفياء، أو من لم أرهم وتوثقت أواصر الود بيني وبينهم بوساطة الكتاب، ذكراً وتنويهاً وتهادياً وإفادة، والكتاب بعد ذلك عندي دنيا، وهذه الدنيا كلها خير وعلم وعبادة ونفع وأنس وسمر، ليس فيها ما في دنيا الناس من غدر وخيانة وعقوق، ورحم الله القائل:

إذا اعتللتُ فكُتْبُ العلمِ تشفيني *** فيها نزاهةُ ألحاظي وتزييني
إذا اشتكيتُ إليها الهمَّ مِنْ حَزَنٍ *** مالتْ إليَّ تُعزِّيني وتُسليني
حسبي الدفاترُ مِنْ دُنيا قنعتُ بها *** لا أَبتغي بَدَلا ًمِنْها ومِنْ دِيني”

 

وصدق وفقه الله فيما قال، وجزاه الله خيراً على نيته وصدقه وصبره، وقد استفدنا من كتابه هذا ومن غيره، ونحن لم نعرفه مباشرة، ولم نره قط إلا بواسطة الكتاب، والكتاب له علينا أيادٍ لا نعدها، والحمد لله على فضله وإحسانه وتوفيقه، فقد عشت دهراً من عمري لا أعرف الكتاب إلا الكتاب المدرسي فقط، ولا أنسى ذلك الضرب الموجع الذي ضربني إياه أستاذي عبدالله بن حسين عندما كان أمينًا لمكتبة متوسطة النماص لأنني أتيت إلى المكتبة وأنا طالب في المرحلة الثالثة المتوسطة لاستعارة كتاب، فسألني عن رقمي في سجل المكتبة فقلت: ليس عندي رقم. فغضب أشد الغضب لأنني لم أستعر كتاباً من قبل، ولم أتردد على المكتبة من قبل، فذهب إلى خارج المكتبة، ثم عاد وفي يده عصا (حماط) غليظة، وانهال عليَّ ضرباً وشتماً حتى ظنَّ أنه قد بلغ من تأديبي مأربه، ثم أجبرني على استعارة بعض الكتب، وخرجتُ وقد عرفت قيمة المكتبة والكتاب، بالإكراه و(المشعاب) (المشعاب: العصا الغليظة بلهجة جبال السراة)..
 
وللحديث بقية إن شاء الله في اللقاءات القادمة مع هذا الكتاب الماتع، وشكراً لأخي العزيز فهد الجريوي الذي أجبرني على هذه التعليقات بأخلاقه العالية، وحسن إدارته للملتقى العلمي المفتوح، وأخي فهد الجريوي من أكثر أحبابي محبة للكتب، وأحسنهم اطلاعاً وقراءة وجرداً للمطولات، وأظهرهم إفادة لإخوانه بحسن اختياره من تلك الكتب، وقد نشر الكثير من مختاراته في ملتقى أهل التفسير، وهي من أجمل وأنفع المشاركات التي استفدت منها شخصياً واستفاد منها غيري من قراء الملتقى العلمي المفتوح، فجزاه الله خيراً وزاده توفيقاً وعلماً وإخلاصاً لوجه الله الكريم.

الرياض في 17/5/1433هـ