التفسير الموضوعي

بسم الله الرحمن الرحيم

 
درَّسنَا التفسير الموضوعي الأستاذ الدكتور مصطفى مسلم محمد حفظه الله، وكان المقرر الدراسي هو كتاب (مباحث في التفسير الموضوعي) الذي ألفه، وطبعته دار القلم بدمشق عام 1410هـ. فكلف كل طالب بكتابة بحث من أجل التدرب على هذا اللون من التفسير الذي لا يزال في مراحله الأولى. فكان من نصيبي بحث (الولاية في القرآن الكريم)، وعندما أردت وضع خطة لهذا الموضوع واجهتني صعوبات في ذلك، وشكوت إلى الشيخ مصطفى غموض طريقة البحث في هذا اللون من التفسير. وأنه لا يصح أن يطلق عليه التفسير الموضوعي في مقابل التفسير التحليلي. وأن التفسير الموضوعي مبني على التحليلي ولا بد، إلى غير ذلك من إشكالات.
 
ولما ناقشني في البحث أمام الزملاء، قال: “إن الذي يقرأ أول بحثك يبدو له أن الموضوع واضح في ذهنك وضوحاً تاماً، ولكنه ما إن يدخل في صلب البحث حتى يظهر له أنك لم تفهم الموضوع!”.
 
فشكوت له ذلك، وقلت:” إنك تشترط في عنونة الفصول والأبواب شروطاً لم أستطع تحقيقها، وهو أن هناك مباحث مهمة في الموضوع، ولكنها لم ترد في القرآن الكريم. فماذا أصنع؟”.
 
وتاريخ الكتابة التأصيلية المنهجية في هذا اللون من التفسير حديثة النشأة، فمن أول من ألف فيه الشيخ الكريم الدكتور أحمد السيد الكومي والدكتور محمد أحمد قاسم في مؤلفهما (التفسير الموضوعي للقرآن الكريم) ولعلهما أول من سماه بهذا الاسم. وعنهما أخذ من بعدهما.
ثم توالت المؤلفات بعد ذلك فيه، فكتب الدكتور أحمد العمري (دراسات في التفسير الموضوعي). وكتب الدكتور زاهر بن عواض الألمعي (دراسات في التفسير الموضوعي)، وكتب الدكتور عبدالحي الفرماوي (البداية في التفسير الموضوعي)، وكتب الدكتور الحسيني أبو فرحة (الفتوحات الربانية في التفسير الموضوعي)، وكتب الدكتور عبدالستار فتح الله سعيد (المدخل إلى التفسير الموضوعي)، وكتب الدكتور مصطفى مسلم (مباحث في التفسير الموضوعي)، وكتب الدكتور عبدالجليل عبدالرحيم (التفسير الموضوعي للقرآن في كفتي الميزان)، وكتب الدكتور صلاح الخالدي (التفسير الموضوعي بين النظرية والتطبيق).
 
وجل هذه المؤلفات كانت محاضرات ألقاها مؤلفوها على طلاب الدراسات العليا، ثم جمعت بعد ذلك في كتب. ولذلك فلا يزال هذا اللون من التفسير في حاجة ماسة إلى الدراسات التأصيلية التقويمية لمساره، حتى تتكامل الجهود، ويستقيم المنهج.
 
والذي ذكره الدكتور مساعد الطيار من مبالغة بعض من صنف في التفسير الموضوعي في وصفه بأوصاف تقلل من شأن غيره من التفاسير، وتقلل من شأن كتب التفسير السابقة، وتتهم السابقين بعدم التنبه لهذا اللون، وتقصيرهم في العناية به، أمر يلحظه القارئ العادي في بعض كتب التفسير الموضوعي، ولعل مرد ذلك – والله أعلم – إلى ما يصيب من يتنبه لأمر غفل عنه غيره، أو ظن أن غيره قد غفل عنه من العجب والفرح. وللعجب والفرح أخذة كأخذة السحر، فيأخذ بإيراد الأدلة والحجج على أهمية ما اهتدى إليه، وأنه لا يمكن أن يفهم القرآن إلا بهذه الطريقة.
 
ولا شك أن هذا من المبالغة التي يجب أن تجتنب، فالتفسير الموضوعي مهم، وله جوانب في غاية النفع والفائدة، ولكنه لا يستغني عن التفسير التحليلي بحال. بل هو قائم عليه، ومرحلة تالية له. والتفسير التحليلي هو الذي يتم به بيان المراد من كلام الله تعالى. ولكن عندما تجتمع الآيات المتعلقة بموضوع واحد أمام نظر الباحث، فإنه يظهر له من الهدايات، والقواعد، والفوائد ما لم يكن مهتدياً إليه دون هذه الطريقة، وهناك العديد من الدراسات الجادة في التفسير الموضوعي التي تناولت مسائل في غاية الأهمية.


وأما تسمية التفسير الموضوعي بهذه الاسم فهذه مسألة تختلف فيها وجهات النظر، وهو مصطلح حادث يمكن التفاهم حوله. وأرجو أن لا يكون هناك مشاحة في الاصطلاح إذا عرف المقصود منه، ولم يحمَّل من اللوازم ما لا يحتمل. فهو مصطلح معاصر، والبحث فيه دفعت إليه حاجات البحث، وحاجات الأمة المسلمة في وقتها الحاضر، ويقظة المسلمين بعد الغفلة دعتهم للعودة إلى القرآن الكريم، والحرص على الانطلاق منه في كل أمر، حتى في مسائل اللغة والصواب اللغوي، فقد ظهرت ولا زالت كثير من الأصوات التي تدعو إلى عودة الناس إلى المصطلح القرآني ونبذ المصطلحات الدخيلة على لغتنا.
 
فالعلاقة إذا بين التفسير التحليلي والتفسير الموضوعي علاقة تكامل، ولا غنى للباحث في التفسير الموضوعي عن تفسير السلف، والسير على منهج المفسرين في فهم كلام الله. إلا أنه بعد ذلك يبدأ في جمع الآيات، والمقارنة بينها، للخروج بعد ذلك بقواعد وأصول في الموضوع الذي تناوله القرآن الكريم في أكثر من موضع. ولذلك سمى بعض الباحثين التفسير التحليلي (بالتفسير الموضعي). لأن المفسر يفسر الآيات في موضع واحد لا يتعداه حتى ينتهي من الكلام عليه، ثم ينتقل إلى ما بعده، وهكذا. بخلاف التفسير الموضوعي الذي يجمع الآيات المتفرقة في الموضوع الواحد.
 
وأخيراً فإن ما طرحه الدكتور مساعد الطيار هنا مسألة في غاية الأهمية للمهتمين بالتفسير الموضوعي، والمؤلفين فيه، جديرة بالوقوف والتباحث حول كيفية تصحيح مسار الدراسات في التفسير الموضوعي. وهي مسائل قل من يتنبه لها عند مناقشة مسائل التفسير الموضوعي، ولم يتعرض لها أحد ممن قرأت كتبه، وكل ما طبع في التفسير الموضوعي من الناحية التأصيلية موجود لدي. فلست أرى إلا أخذاً للاحق من السابق، حتى التعريف الذي يوردونه للمصطلح يكاد كل باحث ينفرد بتعريف خاص، بتغيير يسير في بعض العبارات التي يرى أنها أدل على المراد.
 
وأرجو من كافة الإخوة الذين كانت بحوثهم ودراساتهم في التفسير الموضوع أن يناقشوا هذه المسائل التي طرحها الدكتور مساعد الطيار بما يتبين لهم فيها من رأي. ولا سيما أن كثيراً من المتخصصين يرى أهميته، ويوصي طلابه بالبحث فيه كالدكتور الجليل ناصر العمر وفقه الله فهو من المهتمين بهذا اللون من التفسير، وله في ذلك مؤلفات، وأرجو أن تصله رغبتنا في المشاركة في هذا الموضوع.
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.