الصورة البلاغيّة في استخدام أداتي تشبيه في قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}

بسم الله الرحمن الرحيم

 

السؤال:

 

السلام عليكم يا أهل القرآن.. يا أهل التفسير.. يا أهل الخير.. يا خير الناس.. «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه»..
 
وأهنئكم على ما انتدبتم أنفسكم له من خدمة كلام الله.. وكلام الله هو الذي يرفع من خدمه.. وهو الذي يعلي شأن من تعلّمه وعلّمه..
 
أسأل الله أن يبارك في جهودكم المباركة.. وأن يجعلها من الأعمال الخيرية الجارية التي تثمر تقوى في القلوب.. وحسنات في الموازين..
 
سمعت هذه الفائدة البلاغيّة في برنامج أدبي فأحببت أن أسجلّها هنا لمن مثلي من القراء.. وأنا على يقين بأنها لاتخفى على المتخصصين..
 
كان السؤال عن سبب وجود أداتي التشبيه (الكاف) و (مثل) في قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى من الآية:11].. وتطرق الحديث إلى عدم اعتبار قول القائلين بالزيادة في ألفاظ القرآن الكريم المحكم..
 
وكان التخريج لهذا من قبل ضيف البرنامج (دكتور في الأدب) أن هذا من تمام بلاغة القرآن الكريم لأن:
 
الكاف: تنفي الند المكافىء عن الله عزّ وجل..
 
ومثل: تنفي الشبيه حتى في اسم من أسمائه الحسنى أو صفة من صفاته العليا..
 
فتبارك الله ما أحكم كلامه.. ومن أصدق من الله قيلا..
 
ومن لديه كلام المفسرين في هذا فليتحفنا به رجاء لا أمرًا..
 
وجزاكم الله خير الجزاء..

 

الجواب:

 

أخي الكريم وفقه الله لكل خير
مرحباً بكم في ملتقى أهل التفسير بين إخوانك ومحبيك. وحياك الله
 
وأما ما ذكرته أخي الكريم من الأسرار البلاغية في التشبيه في الآية الحادية عشرة من سورة الشورى، وما نقلته عن أحد النبلاء من قوله أن الكاف جاءت لتنفي الند المكافئ عن الله سبحانه وتعالى، و(مثل) جاءت لتنفي الشبيه حتى في اسم من أسماء الله الحسنى أو صفة من صفاته العليا. ورغبتكم في معرفة كلام أهل التفسير في ذلك، فأقول:

 
إن هذه الآية العظيمة من الآيات التي أطال علماء التفسير والعقيدة والبلاغة الوقوف عندها، واستخراج معانيها وأحكامها وأسرارها، لكونها تمثل لكل من هؤلاء العلماء بحثاً متخصصاً في فنه.
قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى من الآية:11].

 
قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيرها: “فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون معناه: ليس هو كشيءٍ. وأدخل المثل في الكلام توكيداً للكلام؛ لكونهما بمعنى واحد.
والآخر: أن يكون معناه: ليس مثله شيء. وتكون الكاف هي المدخلة في الكلام”. انتهى.

 
وهناك أوجه أخرى لم يذكرها الطبري رحمه الله منها:
– أن المثل هنا بمعنى الصفة. أي ليس كصفته شيء.
– ووجه رابع وهو الذي عول عليه كثير من المحققين من العلماء، وهو أن المراد بقوله: (مثله) ذاته. كما في قولهم: مثلك لا يكذب، ومثلك لا يبخل، على قصد المبالغة في نفي الكذب والبخل عنه. قالوا: لأن نفيه عمن يماثله ويناسبه يدل على أنه منفي عنه من باب أولى.

 
والبلاغيون يرون أن الكلام هنا من باب الكناية، وأن هذا الأسلوب يدل على المبالغة في نفي المثل لله سبحانه وتعالى. وأن هذا من باب نفي الشيء بنفي لازمه. لأن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم. والمراد أن الله لو كان له مثل لكان هذا المثل هو الله سبحانه وتعالى. ولكن ليس له مثل.

 
أرجو أن يكون هذا الكلام مفهوماً للقارئ الكريم. وإن كان بعض العلماء قد أشكل عليه هذا، فقال: نحن نقول الآن أن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم، وهو أننا نقول لو كان لله مثل لما كان لهذا المثل مثل. ولكن الذي يظهر أن إثبات المثل هنا ليس لازماً لحقيقة الآية قطعاً، بل هو محتمل فقط. كما تحتمل نفيه، وإن كان الأول أقرب. لكن عارضه في خصوص هذه المادة، أنه لو كان له مثل لما كان لهذا المثل مثل. فبطل بذلك الاحتمال من أصله. فالتعويل في نفي المثل على هذه المقدمة القطعية.

 
وعارض بعض العلماء في كون نفي مثل المثل أبلغ من نفي المثل، ورد عليه في ذلك. ويمكن مراجعة تفسير القاسمي رحمه الله فقد أطال الحديث حول هذه الآية.

 
وأما ما قاله الدكتور الكريم من تخصيصه الكاف أنها لنفي الند المكافئ، وأن (مثل) لنفي المشابهة في الاسم أو الصفة أو غيرها. فإن تخصيص أدوات التشبيه لمعانٍ يحتاج لدليل. حيث المقصود من التشبيه هو وجه الشبه، وهو المراد عند التشبيه بالكاف أو مثل أو غيرها. وتخصيص أدوات التشبيه يحتاج إلى النقل عن العرب بحيث يجزم بأن هذا هو سنن العرب في تشبيهاتها. والمسألة على كل حال محل بحث ودراسة. فلعل الدكتور الكريم قد أورد أدلة أن التشبيه بالكاف له معان دون التشبيه بغيرها لم تتطرق إليه أخي الكريم.
 
وأختم بفوائد حول هذه الآية:

 
– ذكر السيوطي رحمه الله في الإكليل أن في الآية رداً على المشبهة وأنه تعالى ليس بجوهر ولا بجسم ولا عرض.
قال القاسمي: “وكان حقه أن يتم الاستنباط، فكما أن صدر الآية فيه رد على المشبهة فكذا تتمتها، وهو قوله تعالى: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى من الآية:11] رد على المعطلة”. ولذا كان أعلى المذاهب مذهب السلف. فإنهم أثبتوا النصوص بالتنزيه من غير تعطيل ولا تشبيه.

 
– قال الحافظ ابن عبدالبر رحمه الله: “أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب والسنة، وحملها على الحقيقة لا على المجاز. إلا أنهم لم يكيفوا شيئاً من ذلك. وأما الجهمية والمعتزلة والخوارج، فكلهم ينكرها ولا يحمل منها شيئاً على الحقيقة. ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أقر بها نافون للمعبود”. انتهى.
قال الذهبي رحمه الله: “صدق والله! فإن من تأول سائر الصفات، وحمل ما ورد منها على مجاز الكلام، أداه ذلك السلب إلى تعطيل الرب وأن يشابه المعدوم. كما نقل عن حماد بن زيد أنه قال: مثل الجهمية كقوم قالوا: في دارنا نخلة. قيل: لها سعف؟ قالوا: لا. قيل: لها كرب؟ قالوا: لا. قيل: لها رطب؟ قالوا: لا. قيل: فلها ساق؟ قالوا: لا. قيل: فما في داركم نخلة!
قلت: القائل الذهبي – كذلك هؤلاء النفاة، قالوا: إلهنا الله تعالى. وهو لا في زمان ولا في مكان ولا يرى ولا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ولا يرضى ولا يريد ولا ولا. وقالوا: سبحان المنزه عن الصفات !
بل نقول: سبحان الله العلي العظيم السميع البصير المريد، الذي كلم موسى تكليمًا، واتخذ إبراهيم خليلاً، ويُرى في الآخرة، المتصف بما وصف به نفسه، ووصفه به رسله، المنزه عن سمات المخلوقين وعن جحد الجاحدين. ليس كمثله شيء وهو السميع البصير”.

 
ولابن تيمية رحمه الله كلام نفيس في التدمرية في القاعدة الأولى فيمكن الرجوع إليها للاستزادة. والكلام له ذيول طويلة في هذه الآية الكريمة ولعله يكون للحديث صلة بحول الله.