القرآن وشعر العرب

بسم الله الرحمن الرحيم

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

أما بعد، مشايخي الكرام، فعند بداية دراستي لعلم العروض في الجامع الأزهر، ذكر لنا شيخنا وقرأت في الكتب أن من فوائد علم العروض، الردّ على المستشرقين وحجاجهم على أن القرآن ليس شعرًا، وذلك لأن الكلام الشعري له شرطان:

1 ـ أن يكون كلامًا موزوناً على بحر من بحور العرب.
2 ـ أن يكون مقصوداً.

ووجه الحجاج الذي ذكره شيخي أن القرآن وإن كان موزونًا إلا أنه غير مقصود.

ووجه الإشكال عندي من عدة نقاط:
أولاً: كيف أحتج على الملاحدة والمستشرقين، بأن القرآن غير مقصود!! فإن كونه غير مقصود هو ما نتناظر عليه من الأصل، فإذا قمت أنا بإثبات أنه كلام الله، لكونه غير مقصود من النبي صلى الله عليه وسلم فيكون هذا ما يسمى عند المناطقة في المناظرة (المصادرة على المطلوب) وهي ببساطة أن تجعل ما تريد إثباته حجة مسلّمة تلزم بها خصمك، على الرغم من كونها يطلب إثباتها، ومما يثبت ما أقول أن العرب اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر أو كاهن أو يكتبه له يهود، هذا ما فعله جل العرب، ولم يقل بأنه أتى به من عنده إلا القليل، أقول: العرب هم أفصح من خلق الله تعالى، ولو كان كان القرآن كالشعر موزونًا وأن الفارق بينه وبين الشعر هو كونه غير موزون، ما كان أسهل على العرب أن تنفي هذا الفارق لتنسب الوضع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولكنهم لم يفعلوا، بل قالوا ساحر أو كاهن أو يكتب له يهود، وأيضا لو قلت بأن الفارق هو الوزن فما يكون الفرق إذًا بين القرآن وقوله صلى الله عليه وسلم: «أنا النبي لا كذب… أنا ابن عم المطلب» فإن هذا الشعر أيضًا غير مقصود رغم كونه موزون.

ثانيًا: هل يثبت بالفعل أن القرآن موزون؟
وإن كان موزوناً فعلى أي بحور الشعر هو؟
(الطويل) (المديد) (البسيط) (الرجز) !!

أنا حينما أقرأ القرآن ـ صحيح أنني مبتدئ في علم العروض وليس لي فيه ملكة ـ إلا أنني لا أرى القرآن ينطبق على أي بحر من بحور العرب، هذا ما يظهر -والله أعلم- وقد يرى غيري غير ذلك.

الجواب:

المقصود (بأن القرآن غير مقصود) في كلامك. أي أنه غير مقصود به الوزن الشعري المصطلح عليه عند العروضيين. فالقرآن ولو وافق وزن العروض في بعض المقاطع فلا يعني ذلك أنه من الشعر الذي هو نوع من الكلام معروف. ولو تتبعت كلام الناس العادي لظهر لك كثير منه على بحور الشعر. مثل (أجب سؤالي) (مالك ومالي) (دعني وشأني) (نظف ثيابك)…وغيرها من الكلام الدارج العادي. وقد تكلم عن هذه المسألة النقاد والعروضيون على حد سواء. ولم يقل أحد منهم أن من يتفق كلامه في بعضه مع بحور الشعر شاعرٌ، وإلا فكل الناس شعراء. ولم يعتبروا ما قل عن سبعة أبيات قصيدة، ويسموا صاحبها شاعراً ما لم يكن له قصائد عديدة، ولذلك استبعد من كتب تاريخ الشعر أولئك الذين لم يحفظ لهم إلا الأبيات المفردة يقولها الرجل في حاجته. وقد ذكر محمد بن سلام الجمحي أن العرب في أوليتها لم يكن لها إلا الأبيات المفردة، وأن أول من قصد القصائد وطولها هو مهلهل بن ربيعة، وهذه مسألة طال الجدل حولها، وهي أولية الشعر الجاهلي وليست مقصودة هنا بالحديث. ويقال مثل ذلك فيما وافق في كلام النبي صلى الله عليه وسلم أوزان الشعر كالمثال الذي ذكرته وهو قوله:

أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبدالمطلب

والنبي صلى الله عليه وسلم كان يتذوق الشعر ويعجب به، وليس معنى عدم تعليمه الشعر عدم فهمه له أو تذوقه له، وإنما عدم القدرة على قوله.

وأما هل القرآن فيه آيات أو مقاطع من آيات تتفق مع البحور الشعرية فالجواب: نعم.
وقد ذكرها العلماء في باب الاقتباس في كتب البديع من علوم البلاغة.

وأما البحور التي اتفقت مع بعض الآيات فيحضرني منها الآن:
– وزن مجزوء بحر الرمل، قافية المتواتر. جاء عليه قوله تعالى: {وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ} [سبأ من الآية:13].
– ومن مجزوء الرمل كذلك قافية المرادف قوله تعالى: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران من الآية:92].
-وزن بحر الخفيف، قافية المتواتر. يمكن اعتبار قوله تعالى: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} [التوبة من الآية:40]. حيث ضمنها أحد الشعراء فقال:

فمقام الصديق عند إله العرش عالٍ *** دع عنك قول المماري
فإذا كنت لم تثق بي فاقرأ *** (ثاني اثنين إذ هما في الغار)

– ومن مخلع البسيط جاء: {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ} [فاطر من الآية:1].
– ومن السريع جاء: {ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [الأنعام من الآية:96].
– ومن الكامل جاء: {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب من الآية:56].

وقد تتبعت هذه المسألة يوماً في القرآن فظهر لي عدد كبير جداً من الآيات، ثم وقع لي قبل مدة كتاب جيد تتبع كل الآيات التي وافقت وزن الشعر، وهو كتاب (معجم آيات الاقتباس) تأليف حكمت فرج البدري. فأجاد في تتبعه، وهو كتاب نفيس، ولم أجد في بابه مثله.

هذه إجابة عجلى، فمعذرة أخي الكريم وفقك الله.