المستشرق فلوجل يطبع مصحفاً خاصاً ويرقمه ترقيماً خاصاً مخالفاً لعد الآي

بسم الله الرحمن الرحيم

 

قام المستشرق الألماني جوستاف فلوجل بإصدار فهرس موضوعي لآيات القرآن الكريم سماه (نجوم الفرقان في أطراف القرآن) حوالي عام 1257هـ وقصد من وراء هذه الفهرسة -بحسب رأي بعض الباحثين- إعادة ترتيب القرآن حسب الموضوعات، إذ إنه بهيئته التي جمعه عليها المسلمون غير مرتب! وجاء بعده المستشرق ثيودور نولدكه فألف كتابه (تاريخ القرآن) الذي بناه على تلمس إعادة ترتيب سور القرآن على حسب نزولها، وهذا موضوع كتب عنه الكثير من الموضوعات والبحوث التي أثبتت خطأ نولدطه الشنيع الذي وقع فيه، والذي اعترف هو بنفسه أنه أنفق وقته في الجزم بنتائج ليس عليها أدلة، وهو يعني بالذات مسألة إعادة ترتيب السور والآيات بحسب نزولها، لعدم توفر أدلة تثبت أوقات نزول معظم السور والآيات بدقة تتيح ترتيبها بشكل متسلسل دقيق.
 
والذي أحب الإشارة إليه هنا إلى أن المستشرق جوستاف فلوجل قد مهد لمشروعه في تأليف معجمه الموضوعي (نجوم الفرقان في أطراف القرآن) بطباعة مصحف كامل لكي يستعين به في معجمه، فوقع في أخطاء فاحشة وكثيرة جداً في عد الآي، فجعل ما ليس برأس آيةٍ رأسَ آية، ووقع الخلل في معجمه بشكل ظاهر. ولذلك تحير الشيخ محمد فؤاد عبدالباقي عندما أراد ترجمة المعجم للعربية، حيث وجد اضطراباً شديداً في ترقيم الآيات، فلما تأمل في الأمر ظهر له أن فلوجل قد اعتمد على مصحفه الخاص المضطرب في الترقيم، الذي يعتبر من أوائل نسخ القرآن المطبوعة في أوروبا عام 1250هـ (1834م) تقريباً بعد طبعة البندقية عام 936هـ تقريباً. ويمكن الاطلاع على نسخة مصورة مطبوعة عام 1849م في الطبعة الثانية ربما، حيث إن نجوم الفرقان له طبع بعده عام 1842م في ليبسك.
 
وهذا الأمر يمكن أن نستخرج منه بعض الفوائد، من أهمها :
1- النعمة العظيمة التي أنعم الله بها على المسلمين اليوم بانتشار المصاحف الصحيحة المطبوعة الموثوقة بأيدي الناس، والصعوبة البالغة التي يجدها أعداء الإسلام اليوم في تحريف القرآن أو تشويهه دون أن يقابلوا بالردود الكثيرة المقنعة، فالدول الإسلامية اليوم تقوم على إصدار مصاحف مطبوعة مراجعة موثوقة، وتقوم بتوزيعها في أنحاء العالم ولله الحمد.
 
2- هذا التصرف من فلوجل -إن لم نحمله على نية سيئة لديه- يدل على جهل كبير بعلم عد الآي وعدم مراعاة له، ودخول في التعامل مع القرآن من المستشرقين دون إعداد العدة العلمية للبحث في القرآن وعلومه، وللأسف أن هذا يتكرر كثيراً اليوم من باحثين مسلمين وغير مسلمين، يكتبون ويؤلفون مؤلفات تتعرض للقرآن بشكل أو بآخر دون معرفةٍ كافية بما ينبغي معرفته قبل الكتابة من علوم القرآن وأصول التعامل معه، والتي لا ينبغي الجهل بها لمن يتصدى للكتابة والتأليف. علماً أن طباعة المصاحف نادرة إن لم تكن معدومة قبل مصطف فلوجل هذا، فهي من أوائل المطبوعات العربية في أوربا حينها، وألمانيا هي بلد الطباعة الأول حتى اليوم فيما أظن.
 
3- عدم تقدير علم عدِّ الآي عند كثير من الباحثين اليوم لاستقرار أمر طباعة المصحف، والثقة بمن قام عليه، مما لا يرون معه الحاجة إلى التحقق من صواب العد، بل ربما لا يقدرون أهميته وضرورة الإلمام بأصوله والاطلاع على كتاب من كتبه وبعضهم من المتخصصين في الدراسات القرآنية، ومثل هذه الحادثة تعيد الاهتمام للموضوع، وتدعو للتفقه في علم عد الآي ومعرفة الجهود العظيمة التي بذلها العلماء في عد الآي والتدقيق فيه.
 
نسأل الله أن يحفظ علينا ديننا، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
6 ذو الحجة 1432هـ