تأملات خاصة في شوارد الأبيات – 4

بسم الله الرحمن الرحيم

 
البيت الرابع:
قال العلاء بن حذيفة الغنوي:
 

يقولونَ: مَنْ هذا الغَريبُ بأَرْضِنا؟ *** أَما والهَدايا إِنَّنِى لَغَريبُ
غَريبٌ دعاهُ الشَّوقُ، واقتادَهُ الهَوَى *** كما قِيْدَ عَودٌ بالزمامِ أَديبُ
وماذا عليكمْ إِنْ أَطافَ بِأَرْضِكُمْ *** مُطالِبُ دَيْنٍ أَو نَفَتْهُ حُروبُ
أُمَشِّي بأَعْطانِ المِياهِ وأَبْتَغي *** قلائصَ منها صَعْبَةٌ ورَكُوبُ

 
لله در الشعر الرقيق العذب، من الشاعر المطبوع الموهوب، كيف يضع يدَ الذَّوقِ على موضعِ الإبداع بأيسر طريق، فلا يزال بالذوق حتى يهذبه أحسن تهذيب، ويصقله أحسن صقل. وفي الحق إِنَّكَ لا تكادُ تجدُ أبرعَ من شعراء الجاهلية في هذا الأمر، مع إجلالي لمن بعدهم. والعلاء بن حذيفة الغنوي شاعر جاهلي مقل لم يحفظ لها إلا مقطعات كهذه المقطوعة. وكم في مقطعات شعراء الأعراب وشواعرها من الجمال الثمين، والدر النفيس. وقد صرفت المتذوقين شهرةُ عدد قليل من الشعراء في القديم والحديث، وأذهلتهم عن التأمل في مقطعات الشعر التي رويت عن أئمة الرواية في كتب الأدب الكبار كالكامل، والأغاني، والعقد الفريد، والأمالي وغيرها، والتي قالها أولئك الشعراء لوجه الشعر والصدق، لا يريدون بها مديحاً لأمير، أو هجاءً لخصيم. وإنما هي سوانح التأمل والشاعرية إذا هبت على خيام الأحباب، فحركت كامن المشاعر في تلك النفوس الصادقة.
 
قلت: والشاهد عندي من أبياته البيت الثاني:
 

غَريبٌ دعاهُ الشَّوقُ، واقتادَهُ الهَوَى *** كما قِيْدَ عَودٌ بالزمامِ أَديبُ

 
كيف استطاع في بيت واحد، أن يذكر صفته وسبب خروجه من بلده، وقدومه لهذا المكان دون غيره، ثم تشبيهه لنفسه بالعَوْدِ المؤدب، ولكلٍّ منها وقفة تأمل:
 
1- في قوله “غريبٌ” استدعاء لكل ما تدل عليه هذه الكلمة من البعد عن الأهل والوطن، وما تستدعيه من الشفقة والترفق بالغريب، فهو لا ينكر غربته، وإنما يؤكدها طلباً لما يحتاجه الغريب، بل ويقسم في البيت السابق إنه كذلك “أما والهدايا إِنَّنِي لَغَريبُ”.
2- وفي قوله: “دَعاه الشوقُ”. إشارة منه إلى أنه قد جاء تلبية لدعوة ملحة لم يستطع مقاومتها، فكأنه معها كحال الصارخ مع الصريخ لا يملك إلا تلبيته، والخفوف لإجابة دعوته.
3- وفي قوله: “واقتاده الهوى”. إمعان في الإشارة إلى أنه مغلوب على أمره، فليس مدعواً فحسب بدعوةٍ خَفَّ لتلبيتها، وإنما قيَّدهُ الهوى الصادقُ المُبَرِّحُ بسلاسلهِ، فلم يزل يرسف في تلك القيود حتى أحله هذا الموطن. فهو في أول أمره خف تلبية للدعوة، ولكن داعي الشوق لم يقنعه ذلك حتى أغرى به الهوى فقيده بقيده، فهل رأيتم كحال هذا الأسير يا سادة !
4- وفي قوله: كما قِيْدَ عَودٌ بالزمامِ أَديبُ.
هل تعلمون ما هو العَوْدُ، إنه الجَمَلُ المُسِنُّ الذي لا تزال فيه بقيةٌ من نشاط، وقد صوَّره هنا بأنه قد قِيْدَ بالزمامِ فانقاد لأَدبهِ وطاعتهِ لصاحبه الذي يقوده، وهو هنا الهوى الذي قاده. وكأَنِّي به وقد شبَّه نفسَه بذلك الجَمَلِ الوقورِ المُسِنِّ المطيعِ، يرمي إلى أَنَّهُ صادقُ الحُبِّ، وقورُ الوُدِّ، لم تأتِ بهِ نَزغةُ حبٍّ كاذبةٍ كما يصنعُ قليلو الحياءِ، وعديمو الضمير من هتكة أعراض العفائف، ولصوص الأعراضِ، وإِنَّما هو ذلك الحبُّ الصادقُ الذي يقتادُ مِثلَهُ في حلمهِ وأناته، ويمنعه عفافه وحياؤه أن يبين عن حاجته، أو يصرح بطلبته.
 
وحسبي هذا من هذه الأبيات الأربعة البديعة، وتأملها يذهب بك بعيداً إلى تلك الأجواء البدوية التي قيلت فيها، بعيداً عن جفاف الانترنت وأكوادها، حيث لا تعرف المشاعرُ إلا الصدق، وإن حاولت الكذب لم تهتد إليه. ورحم الله ابن النحاس عندما تكلم عن إلحاحِ الشوقِ على المشتاق، وكيف يصنع الشوق الملح بصاحبه، حتى يجعله عرضة لألسنة العذال، وأدعكم في رعاية الله مع أبياته التي تشعر فيها بلفح الشوق، وسعير الفراق:
 

باتَ ساجي الطرفِ والشوقُ يُلِحُّ *** والدُّجى إِنْ يَمْضِ جُنْحٌ يأتِ جُنْحُ
وكأَنَّ الشرقَ بابٌ للدُّجى*** مالَهُ خوفَ هُجومِ الصُّبحِ فَتْحُ
لا تَسلْ عَنْ حالِ أَربابِ الهوى *** يا ابنَ وُدِّي، ما لذاكَ الحَالِ شَرْحُ
يوم مِنَّا الرَّكْبُ بالرَّكْبِ التَقَى *** وقَضى حاجَتَهُ الشَّوقُ المُلِحُّ!

 
لاحظ قوله: “الشوق الملحُّ”. وهو الشوق الذي دعا العلاء بن حذيفة الغنويُّ في الأبيات السابقة إلى زيارة أحبابه، واسمع إليه وهو يطلب منهم السماح له بالنظر من بعيد، وتركه وشأنه وهو أدرى بحاجته:
 

وماذا عليكمْ إِنْ أَطافَ بِأَرْضِكُمْ *** مُطالِبُ دَيْنٍ، أَو نَفَتْهُ حُروبُ
أُمَشِّي بأَعْطانِ المِياهِ وأَبْتَغي *** قلائصَ منها صَعْبَةٌ ورَكُوبُ

 
خطير !