تأملات خاصة في شوارد الأبيات – 6

بسم الله الرحمن الرحيم

 
البيت السادس

قال الشاعر مُحاربُ بن دِثارٍ يرثي الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه:
 

كَمْ مِن شريعةِ حَقٍّ قد أقمتَ لَهُم *** كانت أُمِيْتَتْ وأُخرى منكَ تُنْتَظرُ
يا لَهْفَ نفسيْ، ولهفَ الواجدينَ مَعيْ *** على النُّجُومِ التي تَغتالُها الحُفَرُ
ثلاثةٌ ما رأَتْ عَينٌ لهم شَبهاً *** يَضمُّ أَعْظُمَهُمْ في المسجدِ المَدَرُ
فأَنتَ تتبعهمْ لمْ تَأَلُ مُجتِهِداً *** سُقياً لهَا سُنناً بالحقِّ تُقْتَفَرُ
لو كنتُ أَملكُ – والأَقدارُ غالبةٌ *** تأتي صَباحاً وتبياتاً وتبتكرُ
صرفتُ عَن عُمرَ الخيراتِ مَصْرَعَهُ ***بِدَيْرِ سَمعانَ لكنْ يغلبُ القَدَرُ

 
والشاهد عندي في هذه القطعة البديعة هو البيت الثاني، وهو قول محارب بن دثار:
 

يا لَهْفَ نفسيْ، ولهفَ الواجدينَ مَعيْ *** على النُّجُومِ التي تَغتالُها الحُفَرُ

 
أولاً: الشاعر القائل هو محارب بن دثار الذهلي السدوسي الشيباني، من الطبقة الثالثة من التابعين من أهل الكوفة، كان قاضياً شاعراً، من أقواله: لما أكرهت على القضاء بكيت وبكى عيالي، فلما عزلت عن القضاء بكيتُ وبكى عيالي.
 
وقد رأيتُ ياقوت الحموي ينسب البيتين الأولين للفرزدق، حيث قال: “وحدث أبو بكر بن عياش قال: الفرزدق بالكوفة ينعي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فقال:..” ثم أورد البيتين. ونفسي تميل لنسبتها لمحارب لعدم وجودها في ديوان الفرزدق، واختلاف أسلوبها عن أسلوب الفرزدق والله أعلم.
 
ثانياً: هل سمعتم شاعراً سبقه إلى هذا المعنى، وهو اغتيال الحفر والقبور للنجوم؟
 
أنا كتبتُ هذا بعد قراءتي للأبيات مباشرة، ولم أرجع إلى كثير من الأبيات التي تناولت هذا الموضوع، وهو تشبيه الميت بالنجم، وكيف غار في القبر. وقد سمعتُ من الشعراء مَن شبَّه الميتَ بالجبل العظيم، وبالنجم الذي غار في القبر، وسمعتُ مَنْ تَعجَّبَ كيف اتسع القبرُ على ضيقه للميت على جلالته وفضله وجوده.
 
لكن لم أقرأ لمن فَطِنَ للمعنى الذي ذكره مُحاربُ بن دثار، وهو اتهام القبور باغتيال النجوم! ياله من معنى مطربٍ لشاعر قاضٍ.
 
ومن تلك الأبيات التي أتذكرها الآن قول المتنبي وإن كان متأخراً عن محارب بسنين يرثي أحدهم:
 

ما كُنتُ أَحسَبُ قَبلَ دَفنِكَ في الثَرى *** أَنَّ الكَواكِبَ في التُرابِ تَغورُ

 
والبيت بديعٌ، والقصيدة التي منها البيت من روائع مراثي المتنبي، لكن معنى مُحارب بن دثار عندي أكثر تَميزاً وإبداعاً.
 
ثالثاً: أن الشاعر ليس الوحيد الذي يشعر بهذا الشعور في فقد الخليفة عمر بن عبدالعزيز، ولكن معه نفر كثير يَجِدُ مِن أَلَمِ فَقدِ الخليفة الصالح ما يَجدهُ، “ولهف الواجدين معي”.
 
رابعاً: تأملوا تسميته للقبور بالحفر، وكأني بالشاعر يرمي من وراء تسميته للقبور بالحفر التهوين من شأنها وأنها رغم ذلك استطاعت احتواء هذه النجوم. ثم تأملوا وصفه لدفن الميت في القبر بالاغتيال، فكأن هذه القبور قد اغتالت هؤلاء الموتى، والاغتيال له معانٍ تنثال على الذهن بمجرد سماع كلمة الاغتيال.
 
خامساً: من يقرأ في دواوين الشعراء يجد المديح غالباً عليها، وفي غالبه مديح مبالغ فيه في حق من لا يستحق، ولكن في هذه المرثية التي قالها محارب رحمه الله في حق الخليفة عمر بن عبدالعزيز تجد الصدق في كل عبارة منها، وأنها قيلت فيمن يستحقها تماماً رضي الله عنه وغفر له، وجمعنا به في جنات النعيم، فهو والله ما علمنا من الخلفاء الكبار الذين خلفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته بالخير والعدل من أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وقد أجاد محارب عندما أشار إلى قبر قدوات عمر بن عبدالعزيز الذين سار على هديهم وهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر بقوله:
 

ثلاثةٌ ما رأَتْ عَينٌ لهم شَبهاً *** يَضمُّ أَعْظُمَهُمْ في المسجدِ المَدَرُ

 
رضي الله عنهم جميعاً وأرضاهم، وجمعنا بهم في الفردوس الأعلى.
 
المصدر الذي نقلتُ منه الأبيات: ذيل الأمالي والنوادر لأبي علي القالي ص 1
وإلى البيت السابع إن شاء الله.
 
كتبت يوم الجمعة 17 ذو القعدة 1427هـ، وأعدت نشرها اليوم الخميس 25 صفر 1433هـ.