تأملات خاصة في شوارد الأبيات – 9

بسم الله الرحمن الرحيم

 
البيت التاسع :
 

وعوراء جاءت من أخٍ فنبذتُها *** ورائي وعندي لو أشاءُ نكيرُ
صبرتُ لها والصبرُ مني سجيةٌ *** وإِنِّي على ما نابني لَصبورُ
وما أنا مِمَّنْ يَقْسِمُ الهَمُّ أَمْرَهُ *** ويسألُ مَنْ يلقاهُ كيفَ يسيرُ
ولكنَّني كالدهرِ أَشْفِي وأَشْتَفِي *** وأَقْضِي ولا يَقْضِي عليَّ أميرُ

 

لا يكاد يسلم أحدنا من خلاف بينه وبين أحد أحبابه أو أصحابه، وربما سمع منه ما يكرهه في موقف عابر غلب فيه الغضبُ الحلمَ وفاضل الأخلاق، والكمال عزيزٌ، ولا يسلم لك لو أردتَ السلامة من العيوب أحدٌ من الناس بعيداً كان أو قريباً. وقد تداول هذا المعنى الشعراءُ في أشعارهم وحكمهم. ومنه هذه الأبيات التي عثرت عليه في لباب الآداب لأسامة بن منقذ رحمه الله فاستحسنتها، وأردت أن أشارككم في جمالها وحسن معناها.
 
وقد أعجبني تعبير الشاعر عن هذه اللفظة النابية بوصفها بأنها عوراء، وهذا تعبير ذائع للكلمة النابية يطلقها اللسان لا يلقي لها بالاً، فوصفتها العرب بالعوراء كناية عن سوئها وقبحها. ثم أعجبني أكثر تصرف الشاعر مع هذه العوراء وهو قوله: “فنبذتها ورائي” وكيف عبر بالنبذ وهو الطرح والإلقاء للشي الذي لا شأن له ولا قيمة. وهذا شأن غير المبالي بها ولا بما تحمله من ألمٍ وضيم، وهذا لا يفعله إلا أصحاب النفوس السامية التي تتسامى على سوء تصرف الآخرين، وتتناسى أخطاءهم. ولا سيما إذا كان قادراً على الرد: “وعندي لو أشاء نكيرُ” ولكنه تركها إكراماً لحق الأخوة والمحبة، وأعرض عن تسجيل الانتصارات الزائفة للنفس في مثل هذه المواقف، وما أكثر من ينتصر لنفسه بالرد على مثل هذه العبارات الجارحة في ملأ من الناس، ثم يلوم نفسه إذا خلا ولات ساعة مندم.
 
إن الصبر على مثل هذه اللفظة العوراء يحتاج إلى مجاهدة، وقد أبدع الشاعر بقوله: “والصبر مني سجية” لكي يعلمنا أنه يصبر دوماً على مثل هذه الأخطاء العابرة، وأن الصبر فيه سجية لا يتكلفه في مثل هذه المواقف، والإبداع في مثل هذه الجمل الاعتراضية كثير في شعر المبدعين من الشعراء.