تأملات خاصة في ظلال أدب العربية (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

منذ التحقتُ بالدراسة في كلية الشريعة تعلقتُ بالأدب من قراءات متفرقة في كتبه القديمة وبعض المعاصرة ، وكنت أذهل أحياناً عن المحاضرات لاستغراقي في قراءة بعض دواوين الشعر في المكتبة المركزيَّة للكلية . وأذكر يوماً أنني ضحكت دون شعور لبعض نقائض جرير والفرزدق في وسط سكونٍ مخيم على المكتبة والقراء، فنهرني المشرف على المكتبة وكاد يطردني ، وكان أستاذاً مصرياً جليلاً صاحب علم وفضل لا أنساه ، وكان مشرفاً متميزاً على المكتبة المركزية لم أجد بعده مثله في حزمه ومعرفته بكتب المكتبة المركزية، ثم خلف من بعده شباب صغار لا يفرقون بين ديوان أبي تمام ، وديوان المراقبة العامة .
ولا أنسى ذلك الوقت الممتع الذي تعرفتُ فيه على قصيدة تأبط شراً في وصف الغول، وسعادتي الغامرة بمعرفة تلك القصيدة، وكان وقت المحاضرة قد حضر، فترددت بين البقاء لحفظ القصيدة أو كتابتها باليد من الكتاب ، وبين حضور المحاضرة ، وأصبح حالي القائل (اللهم أمي وصلاتي ..) ، فغلبني حب الأدب فبقيت حتى حفظت القصيدة ونقلتها ونقلت شرحها بيدي، ولا أزال حتى الآن أعدُّها من أثمن محفوظاتي، وهذا سر من أسرار الأدب الخالد ، وعلوقه بالنَّفس .
وأذكر أحد الطلاب النابهين الذي درستهم في كلية الشريعة في أول عهدي بالتدريس عام 1415هـ ، وكنتُ أدرسهم مقرر (علوم القرآن) ، وكان من عادتي أن أستوفي شرح المطلوب في أول الوقت ، ثم أدع آخر المحاضرة للأسئلة والأدب . وذات يوم أنشدت الطلاب قصيدة بديع الزمان الهمذاني في وصف الأسد التي قالها على لسان بشر بن عوانة العبدي ضمن المقامة البشريَّة . ومرت الأيام بعد ذلك ، حتى لقيني هذا الطالب الصديق العزيز هذا العام بعد مرور ستة عشر عاماً على ذلك الدرس، فقال : لقد مررتُ على الكليَّة ، فلم أتذكر من أيامها الجميلة إلا تلك المحاضرة وتلك القصيدة البديعة !
ولذلك فإنني سوف أجتهد في هذه السلسلة أن أروح عن نفسي أولاً، وأترك العنان ليدي وفكري أن يختار ويعلق على بعض الأبيات والقصائد المختارة من الشعر العربي بكافة عصوره ، والوقوف مع بعض الكتب والدواوين والمختارات مع تعليقات شخصية حول هذه المختارات والفوائد .
ولعل في مثل هذه التأملات الأدبية تخفيفاً على أنفسنا من جفاف مسائل الكتب والعلم وجديتها ، إلى أفياء الأدب وظلاله الوارفة ، التي تجد فيها النفس الذواقة متعتها وأنسها وراحتها، وقديماً قيل : نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم، ومع أن المقصود بالأدب أدب النفس والأخلاق ، إلا أن الأدب العربي حسب تجربتي من أقوى ما يعين على تهذيب الأخلاق والتخلق بمكارمها .
وأرجو أن تجد هذه المختارات قبولاً لدى القراء الكرام .