تأملات خاصة في ظلال أدب العربية (3) شوقٌ وحنينٌ

كنتُ طفلاً صغيراً أقضي يومي كله في مطاردة الطيور لصيدها ، ولا يكاد يراني أهلي إلا إذا غربت الشمس وأوت الطيور إلى أوكارها، وربما استبد بي اللهو فأنازع الطيور في أوكارها بعد هدوئها وسكينتها ، فلله ذلك الزمن البريء الذي كانت فيه الهموم لا تجاوز تلك المساحة الصغيرة حول منزلنا ، وكنتُ أظن ما وراء تلك المساحة الصغيرة مهلكة لا يعيش فيها أحد . وكنا نعيش في أرضٍ جبلية يفصلنا عن القبائل الأخرى جبال مرتفعة ، ولكل جبل منها اسمٌ نعرفه كما نعرف أحدنا ، فهذا (جَبَلُ شَعيٍر) وذاك (الرَّادِف) نتداولها كما نتداول أسماء الناس ، ونعرف تلك الطرق والأودية بأسمائها ومنحنياتها وبطحائها وحجارتها ، بل حتى الغنم نسميها بأسماء أعلام نعرفها بها ونناديها بها ، وكان فينا من صفاء الذهن ، وسرعة البديهة ما أفتقده اليوم في أبنائي وبناتي، وقد كنا ونحن صغار في الابتدائية نحفظ الأشعار ونلقيها في المناسبات دون تلكؤ ، ولا زلتُ حتى اليوم أحفظ أشعاراً درسناها في الثالثة الابتدائية لم أعد أجد لها اليوم أثراً في كتب الأطفال .وإن أنسَ لا أنسى تلك الأنشودة التي كانت مقررة علينا في الصف الثالث في مقرر اسمه (المحفوظات والأناشيد) :

قد كان عندي بلبلٌ    حلو طويل الذنبِ
أسكنته في حجرة    في قفصٍ من خشبِ
وهو يغني دائماً    بصوته المحــــببِ
ولم أكن أمنعه    من مأكلٍ أو مشــربِ
ففرَّ مني هارباً    من دون أدنى سببِ
وقال لي : حريتي    لا تشترى بالذهبِ

وأنشودة :

أمي إليك تحيتي    وعليك من قلبي سلام
كم تتعبين لاستريحَ    وتسهرين لكي أنام

معانٍ راقية عميقة ، وكلمات سهلة ، وأوزان خفيفة . واليوم غيروها إلى اختيارات باردة عن (الدفاع المدني وأهميته في حياة المسلم:

لا تخافي لا تخافي    نحن أبطال المطافي

** ** **
ولم تزل الأيام تجري بي في تلك الطبيعة الجبلية الخضراء ،التي لا تكاد السماء تخطئنا يوماً من المطر ، حتى إنه لم يكن يخرج الواحد منا لزرعه أو لرعي غنمه إلا ومعه (الدِّشَّة) وهي غطاء مستدير يغطى به الرأس مصنوع من الخصف ، يمنع من يضعه على رأسه من المطر والبَرَد إذا سقط بغزارة ، كما يمنعه من حر الشمس ، وقليل من الناس من يستخدم المظلة أو الشمسية لأنها تمنعه من العمل، ويستخدمها غالباً كبير السن ، أو إذا ذهب للدوائر الرسمية فإنه يستخدم الشمسية ولا يستخدم الدِّشَّة . وكلمة الدشة من الكلمات العامية المحلية في النماص ، ولستُ أدري ماذا يسميها غيرنا. وكنا نادراً ما نصلي صلاة الاستسقاء لعدم انقطاع الأمطار، بل إننا كنا نتضايق إذا نزل المطر لأنه يقطعنا عن لهونا ولعب الكرة في كثير من الأحيان ، بل إنني بعد كبرت وأصبحنا نلعب مباريات على مستوى القرى في النماص نتضايق إذا هطل المطر في المباريات التي كنا نعتبرها حينها أهم من مباريات نهائيات كأس العالم اليوم ، فنضطر لتأجيل تلك المباريات لوقت آخر وهكذا ، وقل مثل ذلك في الحفلات الختامية للمدارس ، حيث كنا نستعد قبلها بثلاثة أشهر للحفل الرياضي على مستوى المنطقة ، وبالمسرحيات وغيرها ، ثم إذا اجتمع الناس من كل حدب وصوب انفتحت السماء علينا ونحن في الميدان في ملابس الرياضة ، فنصبر ونثبت في أماكننا ولكن الجمهور يلوذ بالبيوت والظلال ، ثم مع استمرار المطر نتفرق نحن أيضاً حيث لم يعد ينفع الثبات في ذلك الموقف وكم لتلك الذكريات من شجون وتباريح، ثم انقضت تلك السنون وأهلها ، فكأنها وكأنهم أحلامُ .
وبعد أن فارقت النماص للدراسة في أبها شعرتُ بغربة شديدة حينها ، فكتبت أشعار الحنين والشوق للنماص وأهلها وكأني قد سافرتُ إلى الكونغو ، فلا تراني إلا واجماً حزيناً ، حتى إنني لا أنسى أول عهدي بالدراسة في كلية الشريعة في محاضرة للشيخ عبيدالله الأفغاني وهو يدرسنا القرآن ، فناداني وأنا ذاهلٌ لم أنتبه له ، وكرر النداء حتى لم يشك أنني سرحت بفكري في أمر بعيد، فقام من مكانه ثم هجم عليَّ بيده فأفزعني فزعاً شديداً ، وقال : أين كنت ؟ فقلت دون تردد : النماص ! فضحك الشيخ ، وقال : هل تعلم ما معنى نماص بالفارسية ؟ قلت : لا . قال : صلاة . فلم أنسها من ذلك اليوم .
وذات يوم وبعد أن تخرجت من كلية الشريعة ربما عام 1414هـ جئت إلى النماص زائراً ، فطلب مني أحد الأصدقاء المشاركة في أمسية شعرية تنظمها إمارة النماص ، وكانوا يسمون المحافظات ذلك الوقت إمارات ، ويحضرها عدد من شعراء المنطقة . وقال لي : الأمسية اليوم بعد صلاة العشاء مباشرة في ساحة مفتوحة أمام الإمارة ، وشجعني أن المشاركين من أصدقائي الذين أعرفهم وأعرف شعرهم ، وظننتُ أني لن أكون دونهم في الشاعرية ، فلما ولى صاحبي ، فكرتُ في القصيدة التي أشارك بها ، فلم أجد قصيدة تناسب المقام تصلح أن تكون القصيدة الأولى التي ألقيها في ذلك المساء ، فقلت في ذلك اليوم قصيدة أودعتها بعض أشواقي ومشاعري نحو موطني (النماص) الذي خرجت منه على أمل العودة ، ولكنني لم أعد إليها حتى اليوم . وقد ظننتُ أنني الوحيد في هذا حتى لقيت يوماً رجلاً مسناً في أمستردام بهولندا ، حيث ألقيت محاضرة في جامع هناك ثم ذهبت بعد المحاضرة لمنزل أحدهم ومعي عدد ممن حضر المحاضرة وكان ذلك عام 1420هـ تقريباً ، فإذا به قد شاخ وانحنى ظهره ، فسألته عن عمره فقال :84 عاماً ، فقلتُ : منذ متى وأنت هنا ، وأصله من المغرب ، فقال : جئت إلى هنا وعمري 19 عاماً ، وأردت أن أبقى هنا عاماً واحداً للعمل ثم أعود ، ولكنني لم أعد حتى اليوم وتزوجت وصار لي أبناء ولأبنائي أبناء وأحفاد وما زلت أحدث نفسي بالرجوع !
ولما كتبت القصيدة أخذت أقرؤها وأنا أطل من فوق سور مرتفع في منزلنا يطل على وادٍ عشتُ طفولتي في شعابه فترقرقت عيني بالدموع، وأخذتني أخذة الأدب في ذلك الموقف ، فأقبلت على تدوين بعض الأبيات وأضفتها للقصيدة حتى أتممتها قبل المغرب، ثم غدوت بها على الجمع في تلك الليلة ، وقد حضر الأمير وعدد من الوجهاء ، وكان من بينهم الأستاذ زهير البارودي الذي كان يعمل موجهاً للغة العربية في إدارة تعليم النماص ، وكان يكنى بأبي عبيدة ، وكان له هيبةٌ في المدارس إذا زارها ، ولا أنسى موقفي ذات يوم عندما دخل علينا فجأة في الصف الثاني الثانوي في حصة اللغة العربية ، وكان أستاذنا عبدالكريم النجم حفظه الله يدرسنا الأدب واللغة العربية ، وكنا قد أخذنا قصيدة أحمد محرم في فتح مكة ، وهي موجودة في ديوانه مجد الإسلام ، فأشار إليَّ بالسؤال وقال :

الله اكبر جاء الفتح وابتهجت    للمؤمنين نفوسٌ سرَّها وشفا

ثم سألني : من قائل هذا البيت ، فقلت : الشاعر أحمد محرم .
فقال : أكمل الأبيات .
فتورطتُ ، حيث لم أكن أحفظ إلآ بعض أبياتها لا كلها . ولكنني استعنت بالله وألقيت الأبيات بطريقة خطابية كنتُ أحسنها ذلك الوقت ، وقلتُ :

مشى النبيُّ يحُفُّ النصرُ موكبَه    مُشيعَّا بجلالِ اللهِ مُكتنَفا
أضحى أسامةُ مِن بين الركاب له    رِدفا فكاَن َأعزَّ الناسِ مُرتدَفا
لم يبقَ إذ سطعتْ أنوارُ غُرتهِ    مَغنىً بمكةَ إلا اهتزَّ أو وَجَفا
تحرَّك البيتُ حتى لو تطاوعهُ    أركانُهُ خَفَّ يلقى ركبَهُ شغَفا
العاكفونَ على الأصنامِ أضحكَهم    أنَّ الهوانَ على أصنامهم عَكَفا
كانوا يَظنُّوَن ألاَّ يُستباح لها    حمىً فلا شمماً أبدَتْ ولا أَنَفا
نامَتْ شياطينُها عَنها مُنَعَمَّةً    وباتَ مارِدُها بالِخزي مُلتَحِفا

فانبهر بهذا الإلقاء وساد الصفَّ هدوءٌ مهيبٌ ، وكانت له هيبة ، ورأيت وجه الأستاذ عبدالكريم النجم يتهلل حيث رأى أنني أنقذت الموقف ، ولكنني لم أعد أحفظ أكثر من ذلك ، وخشيتُ إن أنا توقفت وهو يرغب في الإكمال أن أعاقب ، وكان الضرب في ذلك الوقت مثل (السلام عليكم ) ، ولا يطالب بثأرنا أحد ، فالكل يضربنا حتى فراش المدرسة يضربنا لمجرد الاشتباه ! فهداني الله في تلك اللحظات الحرجة إلى قول عبارة لم أكن قلتها من قبل ، وهي أنني قلتُ وأنا أشير بيدي ومتفاعل مع القصيدة : إلى آخر ما قال .. فانفجر الفصل بالضحك ، ولم يملك البارودي نفسه من الضحك وكان نادراً ما يضحك ، ومثله الأستاذ عبدالكريم النجم . ومر ذلك الموقف بسلام ، وأثنى على إلقائي ونصحني بالحرص على الحفظ والعناية بالشعر الجيد ، ولم أكن أعرف وقتها إلا قصائد معدودة لا تجاوز ما في المقررات الدراسية .
وكان حضور الأستاذ زهير البارودي تلك الأمسية مربكاً لي بعض الشيء ، حيث لم يمض على تخرجي من الثانوية إلا بضع سنوات، والمشكلة أنني سأقع في مطب أمامه في القصيدة التي كتبتها ذلك اليوم دون أن أشعر إلا وأنا ألقي البيت أمامه .
ماذا قلتُ في تلك القصيدة ؟
بدأت القصيدة بوصف موقفي عندما جاءني صاحبي يطلب مني المشاركة دون موعد مسبق ، ودخلت من هذا الموقف للقصيدة فقلتُ :

جئنا لِلُقيا الهَوى مِنْ غيرِ ميعادِ    والشوقُ يضربُ أكباداً بأكبادِ
والذكرياتُ رَمَتْ بي في سوانحِها    حتى التقى الشوقُ ميادٌ بِميّادِ
كمْ ليلة ٍبتُّ أَرعى ذكرَها وأَنا    في غُربتي بين آهاتٍ وإنشادِ
أضرمتَ يا شوقُ قلبي مِنْ فِراقهمُ    فاليومَ عيدُكَ موصولٌ بأَعيادِ
هذي النَّماصُ فقلْ ما كنتَ تكتمُه    ولا تَخَفْ لوم َعُذَّالٍ وحُسَّادِ
صُغْ في النماصِ بديعَ القولِ واشدُ بهِ    فكلُّ ثغرٍ بما تشدو بهِ شادِ
ناديتُها وشُجوني لا ضِفافَ لها    يا قصةَ الحُبِّ ، يا أُنشودةَ الحادي
يا أَرضَ قَومي رَعاكِ اللهُ مِنْ بَلَدٍ    فما دِمَشقُ ؟ وما أَرباضُ بغدادِ؟
يا دُرةً زُيِّنتْ أَرضُ السَّراةِ بها    ويا سليلةَ أعراقٍ وأمجادِ
يا مَنْ أَقامَ على عَذلي وخالَفَني    أَلا تَرى الحُسنَ فيها رائحاً غادِ
سِرْ في رُباها وطَوِّفْ في معاهِدِها    يجري بكَ الحُسْنُ مِنْ وادٍ إلى وادِ
صوتُ الهزار ِعلى أغصانِ أيكتِها    يغنيكَ عَنْ صوتِ قَيثارٍ وأَعوادِ
ونَفْحَةُ المِسْكِ والكافورِ إِنْ عُدِمَتْ    يغُنيكَ عنها عَبيرُ الشِّيحِ والكادِي
مَنْ لي بنفحةِ شِيْحٍ مِنْ نسائِمِها    تَشفي غَليلَ فُؤادٍ شُوقُه بَادِ
أو نظرةٍ لِمَغانيِها وقد كُسيَت بُرْداً    من الحُسْنِ مَشفوعاً بِأَبْرادِ
حتى السحابُ إذا حاذى مرابعَها    فالجوُّ ما بين بَرَّاقٍ ورَعَّادِ
قد طاب فيها الجَنى حُلواً لقاطفهِ    وطابَ فيها الهَوى وِرداً لِمُرتادِ
تَلَفَّعَتْ بضبابٍ خَوفَ حاسدِها    كظبيةٍ تَتَخَفَّى خَوْفَ صيَّادِ
حَلَّتْ قبائلُ حَجرٍ في مرابعِها     كأَنَّها أَجْمَةٌ حُفَّتْ بِآسَادِ
عريقةٌ في مَدى التاريخ نسبتُها    ومجدُها الحُرُّ موصولٌ بأَمجادِ
يلقى بها الضيفُ ما يلقَاهُ مِنْ كرمٍ    يُنسيهِ ذِكْرَ أَخِلاءٍ وأَولادِ
ما جودُ حاتم إِنْ عاينتَ جُودَهُمُ    و ما البهاليلُ مِنْ أبناءِ عبَّادِ؟
قبائلٌ آمنتْ بالله خالقِها    تحمي حمى الدين من باغٍ ومن عادِ
قد بايعوه على الإسلامِ مِنْ قِدَمٍ    وقد حَدَا بهمُ نحوَ الهُدى حادِ
أهلُ الشجاعةِ قد سِيْطَتْ دِماؤهمُ    منها وقد ضَرَبَتْ فيهِم بِأَوتادِ
فَقُلْ لِمَنْ يَدَّعي في المجدِ منزلةً    جئني بِأَجدادِ صدقٍ مثلِ أَجدادي

وقد لقيت القصيدة حفاوة طيبة من الأصدقاء والأدباء في النماص حينها ، وأخبرني أحد الأصدقاء أن أحد الطلاب في ثانوية من ثانويات النماص ألقاها ذات يوم في حفل خطابي كنموذج من القصائد التي قيلت في وصف مدينة النماص . وأخبرني أحد أساتذة اللغة العربية بأنه قررها على طلابه للدراسة والنقد في المرحلة الثانوية أيضاً فجزاهم الله خيراً جميعاً . ومن اللطائف أن ابني عبدالله وهو في الصف الثالث قال لي : أريد قصيدة لأحفظها وألقيها في المدرسة ، وقد ترك الأستاذ لنا حرية اختيار القصيدة .
فقلتُ له : احفظ قصيدتي هذه التي كتبتها عن النماص فهي أفضل لك من حفظ قصيدة لأبي تمام أو للمتنبي ، فليس أحدهما أباك، وأنا أولى بأن تحفظ شعري وهذا من برك بوالدك ، وما زلتُ به حتى أقنعته بحفظها على مضض ! فحفظها وألقاها في حفل مدرسته ، وبدأها بقوله : قال أبي حفظه الله . ثم بدأ في إلقاء القصيدة ، فضحك الجميع ، وكانت فقرة طريفة .
وسوف أتوقف مع أبيات هذه القصيدة في المشاركة القادمة لأشرح بعض ما فيها من العبارات والصور التي قصدتها