تأملات خاصة في ظلال أدب العربية (4) شوقٌ وحنينٌ

أين تقع مدينة النماص التي قلت فيها هذه القصيدة ؟
تقع مدينة النماص في جنوب السعودية على بعد 400 كم جنوب مدينة الطائف ، وعلى بعد 140 كم شمال مدينة أبها ، وقد ولدت فيها قبل 40 عاماً ، وكنت التاسع بين إخواني وأخواتي ، وكان أبي يعمل في أول حياته جندياً في الجيش السعودي أيام الملك عبدالعزيز في عام 1364هـ تقريباً ، وقد ترقى بعدها إلى رتبة نائب ، وقد سافر إلى فلسطين وشارك في الحرب هناك مع الجيوش العربية التي شاركت في حرب 1367هـ للدفاع عن فلسطين ، ولكن الخيانة التي وقعت حينذاك من القيادات أفقدت تلك المشاركة قيمتها وثمرتها، وقد شارك هو وزملاؤه بصدق وإخلاص لتحرير فلسطين من اليهود ، وقد حدثني بأخبار تلك الرحلة وكيف سافر هو وعدد من زملائه في الجيش ، وقد شارك معه عدد كبير من بني شهر في تلك المعارك أكثرهم توفي وبقي منهم قلة قليلة . وقد رجع من تلك الحرب فاستقر في الطائف مدة يعمل في الجيش ، ثم انتقل للعمل في إدارة المرور في جدة ، والعجيب أنه كان يعمل في المرور وينظم مرور السيارات وهو لا يجيد قيادة السيارة ، وكم حاول أن يتعلم قيادة السيارة، وتعلمنا جميعاً وهو يحاول التعلم معنا دون جدوى، ولا زال هذا الأمل يراوده حتى توفي وفي نفسه شيء من قيادة السيارة . ثم ترك العمل في المرور وانتقل للعمل في الشرطة عام 1380 هـ تقريباً وطلب العودة للشرطة في النماص ليكون قريباً من أخته الكبرى عمتي فاطمة التي كانت تقوم على شؤون بلادنا وأراضينا في النماص ، وكان والده حنش بن عبدالله وهو جدي لأبي قد توفي وأبي طفل صغير لا يكاد يميز ، وقد أخبرني أنه لا يذكر والده إلا كالحلم ، ولم يكن لوالدي إخوة إلآ أخته لأبيه فاطمة التي كانت تكبره بأكثر من ثلاثين عاماً تقريباً، وقد عاد أبي فعلاً للنماص ليعمل في محكمة النماص أول نشأتها ، فعمل شرطياً مدة من الزمن ، ثم وجد أن العمل المدني في المحكمة أكثر راتباً من العمل في الشرطة فطلب تحويل وظيفته لوظيفة مدنية وهكاذ كان ، وقضى والدي بقية عمره في العمل في وظيفة مراسل في محكمة النماص ، وقد عمل من عام 1383هـ حتى تقاعد عام 1409هـ في تلك الوظيفة مع رئيس محكمة النماص عبدالرحمن بن علي بن شيبان (1329-1429هـ) حتى تقاعد ، وقد استفاد كثيراً من صحبته لهذا الشيخ الجليل ، وقد سماني باسمه عندما ولدت له عام 1392هـ ، وأذكر وأنا صغير عندما زرانا في بيتنا الشيخ عبدالرحمن بن شيبان وأعطاني مبلغ 100 ريال كهدية لكوني سمياً له، ولا أذكر إلا لون المائة ريال الحمراء التي كانت تصدر في عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز ، ولا أدري أين ذهبت تلك المائة ريال، ولعل أبي صادرها في ذلك الزمان الصعب الذي للريال فيه قيمته الكبيرة جدا ، وليس كاليوم الذي أعطي فيه ابني الصغير محمد 10 ريالات فيرفض أن يأخذها ويريد الفئة ذات اللون الأخضر كما يقول وهو يعني الخمسين ريالاً ، وهو في الصف الأول الابتدائي، فكيف سيصنع بي إذا كبر !
وأذكر أن والدي كان يثني كثيراً على عبدالرحمن بن شيبان، وعندما دخلت كلية الشريعة فرح أبي بذلك لأنني ربما أتخرج قاضياً ، والقاضي عند أبي هو أكمل الناس لما يرى يومياً من مكانة القاضي في المجتمع ، وكيف يقضي القاضي على الجميع دون استثناء ، وأذكر أنني عندما تخرجت من الكلية وتم ترشيحي للقضاء ضمن عدة زملاء ، رفضت هذا العرض ، فغضب أبي كثيراً، وحاول إقناعي بأن وظيفة القضاء أفضل وظيفة ، ولكن دون جدوى . فلما رأت الكلية عدم قبولي للترشيح للقضاء وعدم مباشرتي للعمل استدعوني للكلية وتم ترشيحي للعمل في الكلية على وظيفة معيد ، ولكن لعدم وجود وظيفة شاغرة في قسم أصول الفقه أو الفقه حيث إنني تخرجت من قسم الشريعة ، خيروني في قسم السنة أو القرآن وعلومه ، فاختر القرآن وعلومه لكوني قد حصلت على إجازات في القرآن من بعض المقرئين في أبها . فلما أخبرت أبي بأنني التحقت بوظيفة معيد ساءه ذلك ، وقال : سبحان الله ! تترك وظيفة القاضي التي لا أفضل منها ، وتتوظف في وظيفة معيد ، وما معنى معيد إلا الطالب البليد الذي سقط في الدراسة فأعادها مرة أخرى ؟! فضحكت وقلت : المعيد هي وظيفة مثل المدرس . فانصرف عني وهو يسخر مني ومن سوء اختياري وغفر له ، وكان أبي قد درس في المدرسة الليلية حتى بلغ الصف الخامس ، ولكنه لا يكاد يقرأ إلا بصعوبة ، ولم يكن يدقق كثيراً في أمور الدراسة لنا نحن الأبناء ، وإنما أكثر ما يشغله أمر الصلاة في الجماعة ، فيتعاهدنا تعاهداً شديداً في ذلك ولا يرتاح إلا إذا رآنا في المسجد معه نصلي مع الجماعة ، ولا أنسى حرصه على الصلاة في الجماعة حتى وهو يحرث الأرض بالبقر وأنا معه أقود له البقر أو أسوقها أو أجمع محصولاً من الأرض ، فحين يؤذن المؤذن يوقف البقر ، وينطلق للبيت يتوضأ ويصلي في المسجد ثم يكمل عمله منذ عرفته . ولا أذكر أنه سأل عني في مدرسة قط مع حرصي على ذلك فقد كنت من الطلاب الجيدين في المدرسة. وكنت أستغرب من كثرة سؤال بعض أولياء الأمور عن أبنائهم في المدرسة ، وأبي لا يزورنا مطلقاً . وأخبرني إخواني الكبار أنه كان كذلك معهم.
وأما أمي فقد كانت البنت الكبرى لجدي شكري بن ظافر الشهري ، وكان يعمل في تجارة التمر يجلبه من بيشة ويبيعه في النماص ، وهو من قبيلة بني بكر أيضاً التي منها والدي ، وقد نشأت أمي ترعى الغنم وتعمل في الأرض ، فتزوجها والدي ربما عام 1369هـ تقريباً ، وانتقلت لمنزل والدي الذي لا يسكن معه فيه أحد إلا عمتي فاطمة أخت والدي لأبيه ، وكانت امرأة قد توفي زوجها قديماً ، ولديها ابنة واحدة تزوجت وسافرت مع زوجها ، ولم يبق إلا أمي وعمتي ، وكانت الحياة قاسية جداً ، لا مورد فيها للأسر إلا ما يزرعونه بأنفسهم في مزارعهم ، أو يحصلون عليه من السمن واللبن من أبقارهم وأغنامهم . ولكن لأن المجتمع كله بهذه الصورة فقد كان ذلك يخفف من قسوة تلك الحياة ، وكان الناس في تلك القرية الهادئة قرية (الجهوة) يتعاونون على الحياة الصعبة ، يتعاونون في حرث الأرض ، وفي قِصابها بعد حرثها ، والقِصَّاب هو توزيع مجاري الماء في الأرض التي يزرع فيها الشعير والبر والذرة وغيرها من المحاصيل الزراعية التي نزرعها في النماص ، كما يتعاونون في جني الثمار وفي درسها ودياسها وفي الذراة وهي تخليص الحب من التبن حتى يخزن الحب على حدة والتبن على حدة في مواضع هبوب الرياح ، وكان ذلك الموسم من أشق المواسم علينا في السنة ، وكنت أكرهه جداً لما نجده من ألم الأماريق التي تدخل بين ثيابنا وفي رقابنا فنشعر بألم شديد لها ، ولم يكن هناك مفر من تلك الأعمال الشاقة التي نمارسها جميعاً في تلك القرى الصغيرة . وكان أبي رجلاً حازماً جداً ، جنبيته بوسطه طيلة اليوم فلا يخلعها إلا إذا نام ومثله سائر الرجال في القرية ، وعصاه في يده، فمن لم تؤدبه العصا ، استلَّ عليه الجنبية إذا لزم الأمر تهديداً ، وكان يكفي أن يضع يده على مقبض الجنبية ليدخل الخوف في قلب أحدنا فينصاع دون تردد .
هذا طرف من حياة عشناها في النماص ، بحلوها ومرها ، وذكرياتها مع أبي وأمي وإخواني وأخواتي ، وكانت القرية كالأسرة الواحدة، يتفقد بعضنا بعضاً ، ويربينا جميع أهل القرية دون تردد إذا رأوا منا أي مخالفة تستحق التأديب ، ولم يكن الآباء يشعرون بأي تحرج من ذلك ، بخلاف الناس اليوم الذين أصبح أحدهم يغضب إذا تدخل أخوه في تربية أبناءه أو توجيههم .
والحديث عن الحياة في النماص خلال الخمسين سنة الماضية وربما أكثر جديرة بالكتابة والتوثيق ، وفيها الكثير من العبر والفوائد التربوية والأدبية ، وقد كنت جمعت من تفسير الطبري وغيره من معاجم اللغة ودواوين الشعراء ما يزيد عن 1300 مفردة من المفردات التي نستعملها في لهجتنا المحلية ذات الأصول والمعاني العربية الفصيحة ، وأعني أن عامة الناس الذين لم يقرأو ولم يتعلموا قط كوالدتي مثلاً يتحدثون بها ويشرحون معناها كما في كتب المعاجم.
ووالدتي شفاها الله من ذلك النوع الممتع في حديثه، وأنا أستمتع كثيراً بالحديث معها عن الماضي وذكرياته ومعاناته ، وهي بالرغم من كل هذه السنوات الطويلة حيث جاوزت اليوم الثمانين لم تدخل العجمة ولا المفردات الحديثة على لسانها أبداً ، وإذا نطقت شيئا من ذلك أخلَّت به . وهذا فيه تأكيد لصحة منهج اللغويين الذين اختاروا من قبائل العرب تلك القبائل التي لم تختلط بالأعاجم لكي يحتجوا بلغتها وشعرها ونثرها وهذه مسألة تطول .
أعود للقصيدة بعد هذا الاستطراد …

جـئـنـا لِلُـقـيـا الـهَــوى مِـــنْ غـيــرِ مـيـعــادِ    والـــشـــوقُ يـــضـــربُ أكـــبـــاداً بــأكــبــادِ
والذكـريـاتُ رَمَــتْ بـــي فـــي سوانـحِـهـا    حــتـــى الـتــقــى الــشـــوقُ مــيـــادٌ بِـمــيّــادِ
كــــمْ لـيـلــة ٍبــــتُّ أَرعــــى ذكــرَهــا وأَنـــــا    فـــــي غُـربــتــي بــيـــن آهـــــاتٍ وإنـــشـــادِ
أضرمـتَ يــا شــوقُ قلـبـي مِــنْ فِراقـهـمُ    فــالــيـــومَ عـــيــــدُكَ مـــوصــــولٌ بــأَعـــيـــادِ
هـذي النَّمـاصُ فقـلْ مـا كـنـتَ تكتـمُـه    ولا تَـــخَـــفْ لـــــــوم َعُـــــــذَّالٍ وحُـــسَّــــادِ
صُغْ في النماصِ بديعَ القولِ واشدُ بهِ    فــكـــلُّ ثــغـــرٍ بــمـــا تــشـــدو بـــــهِ شــــــادِ

جاء هذا الافتتاح كما قلتُ سابقاً ليصور حالتي عندما فاجأني الداعي للمشاركة في الأمسية الشعرية ، فأشرتُ إلى هذه المفاجأة، وقد صورت ذلك بأنني جئت في تلك الأمسية لكي ألقى الهوى الذي اشتقت إليه ، وهذه صورة شعرية حلوة ، حيث إنني استلهمت هذا المعنى من قول نزار :

في مدخل الحمراء كان لقاؤنا    ما أطيب اللقيا بلا ميعادِ

فأخذت المعنى وقلت :
جئنا للقيا الهوى من غير ميعادِ
ولكنني وفقت في الصورة التي في عجز البيت ، عندما أردت وصف شدة هذا الشوق بأنه يضرب الأكباد ببعضها ، ولك أن تتخيل الأكباد والشوق يضرب بعضها ببعض ، لا شك أنه منظر يذكرك بعيد الأضحى وذبح الأضحية ، ومنظر الأكباد التي تقطر دماً !

جـئـنـا لِلُـقـيـا الـهَــوى مِـــنْ غـيــرِ مـيـعــادِ    والـــشـــوقُ يـــضـــربُ أكـــبـــاداً بــأكــبــادِ

ويظهر في مقدمة هذه القصيدة لوعتي وحزني وشوقي للنماص ، وكيف وفيها جيرتي وبها أهلي ؟! واللغة تُظهر من مكنون مشاعر الإنسان ما لا يقدر على إخفائه ، وحقاً فالحزن في نفسي مستقر لا يكاد يفارقها ، وأجدني منطلقا عند الحديث عن الحزن أكثر من الحديث عن الفرح. ولذلك قلتُ يوماً في قصيدة أتشوق لأهلي في النماص ولقبيلتي بني بكر :

قِفْ يا فؤادي فدمعُ العين قد نَزَفا    واسأل حَماماً بغُصنِ السّروِ قد هتَفَا
قلْ: كيف حالُ بني بَكْرٍ وأرضهِمُ    فالحظُّ مِن بعد أن فارقتهُم وقفا
لا قيتُ مِن بعدهم في غُربتي نَصَبًا    فالهمُّ بادٍ بوجهي ليس فيه خفا
لم يبق لي غيرُ جسمٍ ناحلٍ سقمٍ    أو مُهجةٍ مِن جواها ترقبُ التَّلَفا
والقلبُ قد مَسَّهُ باللفحِ لاعِجُهُ    والنحرُ قد بُلَّ مِنْ دَمعي وما نَشِفا
دار الزمانُ على حالي فغيَّرها    فبُدِّلَ السعدُ حُزناً والوصالُ جَفا
قد كنتُ أرجو غِنًى بالبُعدِ عن وَطَني    ورحتُ أَطلبُ للسقمِ المُمِضِّ شِفا
وقد سمعتُ بأَنَّ الدرَّ قيمتهُ    تزدادُ حين يُخلِّي خلَفَهُ الصَّدَفا
فكانَ أن عقدتْ نفسي عزيمتَها    على الرحيلِ تُريدُ العزَّ والشَّرفا
وخِلْتُ أَنِّي بتركي الأهلَ مُرتِحلاً    أَلقى بأرضِ اغترابي روضةً أُنُفُا
فما لقيتُ سوى الآلام تصحبُني    وبَدَّلَ الدهرُ لي وجهَ المُنى بِقَفا

وهي قصيدة مليئة بصور الحزن كذلك ، وصفت فيها مواضع القبيلة موضعاً موضعاً ، ولعل السبب في ذلك أننا عشنا حياةً صعبةً في النماص، لا نكاد نفتر من العمل في الأرض والمواسم تتكرر علينا، فلا ينقضي الصيف بأعماله ومحاصيله إلا ويدخل الخريف بيبوسته ورياحه، ثم يدخل الشتاء ببرده وأعماله، وهكذا الربيع في دورة متكررة لا تفتر، ومن القصص الشعبية المتداولة أنَّ عبداً من عبيد أحدهم ملَّ من هذه الحياة الصعبة، فسأل سيده وهو واقف على رأي بئر يسقي الماء: ماذا بعد الصيف قال : الخريف ، قال : وماذا بعد الخريف ؟ قال : الشتاء . قال : وماذا بعد الشتاء ؟ قال : الربيع . فعلم هذا العبد أنه لا فكاك ولا راحة من هذا العناء إلا بالموت ، فألقى بنفسه في البئر . فصاح سيده في الناس النجدةَ النجدةَ ، أو بتعبير أهل تلك القرى : يا حبال يا حبال ، أي ليحضر كلٌ منكم حبله ويحضر للنجدة ، وفعلاً حضر الناس ولكن لم يدركوه إلا ميتاً ، فقال سيده على رؤوس الأشهاد : أشهدكم أنني قد أعتقته لوجه الله ! قالها بعد فوات الأوان .
** ** **
ومن الأبيات الطريفة في القصيدة قولي :

نـاديـتُـهــا وشُـجــونــي لا ضِــفـــافَ لــهـــا    يـا قصـةَ الحُـبِّ ، يـا أُنشـودةَ الحـادي
يـــا أَرضَ قَـومــي رَعـــاكِ اللهُ مِــــنْ بَــلَــدٍ    فـمــا دِمَـشــقُ ؟ ومـــا أَربــــاضُ بــغــدادِ؟

وهذان البيتان هما اللذان قصدتهما عندما قلت : إن الأستاذ زهير البارودي مفتش اللغة العربية حينها وهو من سوريا قد استنكرهما، حيث فضلت فيهما النماص على بغداد ودمشق ، ولا غرابة في ذلك عندي ، حيث إن النماص عندي أحب من بغداد ودمشق، فلم أزر بغداد ولا دمشق حينها ، وقد زرت دمشق بعد ذلك ، ولم تتغير قناعتي ، ولما ألقيت البيت تمعر وجه الأستاذ زهير وكان في الصفوف الأولى ، وضحك الناس وضفقوا ، فأعدت الأبيات وتوقفت عند كلمة دمشق إمعاناً في استثارة الأستاذ زهير وفقه الله ، وقد بلغتُ مقصدي من ذلك ، ثم أكملتُ وكأنني أعددتها لهذا الموقف خاصة دون سابق تهيئة ، وكأنني كنتُ أتوقع من يعارضني في هذا التفضيل:

يــــــا دُرةً زُيِّـــنــــتْ أَرضُ الـــسَّــــراةِ بـــهــــا    ويــــــــــا ســلــيـــلـــةَ أعــــــــــراقٍ وأمـــــجــــــادِ
يـــا مَـــنْ أَقـــامَ عـلــى عَـذلــي وخالَـفَـنـي    أَلا تَـــرى الـحُـســنَ فـيـهــا رائــحــاً غــــادِ
سِـرْ فــي رُبـاهـا وطَــوِّفْ فــي معاهِـدِهـا    يجـري بـكَ الحُـسْـنُ مِــنْ وادٍ إلــى وادِ
صــوتُ الـهـزار ِعـلــى أغـصــانِ أيكـتِـهـا    يـغـنـيـكَ عَــــنْ صــــوتِ قَـيـثــارٍ وأَعـــــوادِ
ونَفْحَـةُ المِسْـكِ والكافـورِ إِنْ عُدِمَـتْ    يغُنـيـكَ عنـهـا عَبـيـرُ الشِّـيـحِ والـكــادِي
مَـــنْ لـــي بنـفـحـةِ شِـيْــحٍ مِـــنْ نسائِـمِـهـا    تَــشــفــي غَــلــيــلَ فُــــــؤادٍ شُـــوقُــــه بَـــــــادِ
أو نـــظـــرةٍ لِـمَـغـانـيِـهـا وقــــــد كُــســيَـــت    بُــــرْداً مــــن الـحُـسْــنِ مَـشـفـوعـاً بِــأَبْـــرادِ
حـتــى الـسـحـابُ إذا حـــاذى مـرابـعَـهـا    فــالــجـــوُّ مـــــــا بـــيــــن بَــــــــرَّاقٍ ورَعَّــــــــادِ
قـد طـاب فيـهـا الجَـنـى حُـلـواً لقاطـفـهِ    وطـــــابَ فــيــهــا الـــهَـــوى وِرداً لِــمُــرتــادِ
تَـلَـفَّـعَـتْ بـضـبــابٍ خَـــــوفَ حـاســدِهــا    كـظــبــيــةٍ تَــتَــخَــفَّــى خَــــــــوْفَ صــــيَّــــادِ

ولعل من أحسن أبياتها البيت الأخير الذي حاولتُ فيه فلسفة الضباب الذي يحجب الرؤية أكثر ايام السنة في النماص ، فلا تكاد ترى إلا مسافة قصيرة للرؤية، وهو أنَّ النماص تكتسي بالضباب خوفاً من العين، كما تفعل الظبيةُ خَوفاً من الصياد، وقد استحسن عددٌ من الأدباء هذا التصوير حينها . وقد كان أخي الدكتور زاهر بن معاضة يقول : إن الضباب في النماص يذكرني بلندن وأجوائها، وكان حينها يدرس هناك في السبعينات الميلادية ، فوقعت في نفسي كلماته تلك منذ الصغر ، وعلمت أن النماص تشبه لندن في الضباب ، ثم قرأت بعد ذلك أن لندن تسمى مدينة الضباب .
ومع هذا يبقى حديث الشاعر عن قصيدته ثقيلاً، ولكن لأنني لا أرجو بهذا البيان شهادة ولا درجة ولا اجتياز اختبار فلذلك سمحت لنفسي بهذا معتذراً للأدب وأهله. والسلام