حول بداية التأليف في علوم القرآن كفن مدوّن

بسم الله الرحمن الرحيم

 
السؤال:
 
السلام عليكم و رحمة الله تعالى وبركاته
 
أما بعد، مشايخي الكرام، ذكر الزرقاني في (مناهل العرفان) أن علوم القرآن كفن مدون لم يعرف التأليف فيه قبل المائة الرابعة، لأن الدواعي لم تكن موفورة لذلك، ثم أخبر أنه قد ظفر بكتاب في (دار الكتب المصرية) يقع في ثلاثين مجلدًا، والموجود منه الآن خمسة عشر مجلدًا، و أن مؤلف الكتاب هو علي بن إبراهيم بن سعيد الحوفي المتوفى سنة 330هـ. هكذا قال.
 
ووجه الإشكال أنه قد ذكر قبل ذلك مراحل التأليف في (علوم القرآن) بالمعنى الإضافي التركيبي، فذكر أنه في القرن الخامس الهجري كان التصنيف في إعراب القرآن على يد علي بن سعيد الحوفيـ هكذا قال.
 
فهل الحوفي الأول غير الحوفي الثاني؟
و إن كانا واحدا فأين الخطأ؟
و إن لم يكونا واحدًا، فهل من يترجم لكل واحد منهماـ حيث يقع الاشتباه بينهما؟
 
سؤال أخير: هل من أخبار عند أحد من مشايخنا عن هذا الكتاب الذي ذكره الزرقاني؟
 
أحسن الله تعالى إلى مشايخ هذا الملتقى المبارك، وجعلهم من المغفورين لهم في شهر رمضان. آمين.
 
الجواب:
 
أخي الكريم زاده الله علماً وحرصاً عليه.
خلاصة الجواب:
 
أن علي بن سعيد الحوفي في الموضعين الذين ذكرهما الزرقاني – رحمه الله – واحد، واسمه الصحيح علي بن إبراهيم بن سعيد بن يوسف الحوفي المُعْرِب. وقد مات مستهل ذي الحجة عام 430هـ. كما في ترجمته في بغية الوعاة للسيوطي 2/140، وفي الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة الإقراء والتفسير 2/1540.
 
وما ورد في كتاب الزرقاني رحمه الله من أنه مات سنة 330هـ فخطأ طباعي ولا بد، وقد أشار إلى ذلك الدكتور السبت، والزرقاني نفسه صرح بأنه (من علماء القرن الخامس). وقد حدث خطأ طباعي كذلك في تعقب الدكتور خالد السبت 1/231: حيث ورد اسمه عنده (إبراهيم بن علي بن سعيد الحوفي..).
 
ولم يحدث في قول الزرقاني خطأ – في نظري- حيث ذكره في الموضع الأول باسم علي بن سعيد الحوفي، وفي الموضع الثاني علي بن إبراهيم بن سعيد الحوفي، فأسقط اسم الأب في الموضع الأول فقط!! وأما التاريخ فأخبرتك.
 
وأما قول الزرقاني أن الحوفي في طليعة من صنف في إعراب القرآن فقد تعقبه السبت وقال إن هناك من سبقه كعبد الملك بن حبيب القرطبي (239هـ)، وأبي حاتم السجستاني (248هـ) والمبرد (286هـ).
 
والذي يبدو لي أن عبارة الزرقاني لا تدل على أنه يعني أول من صنف في إعراب القرآن، وإنما هو في طليعتهم. وهو كذلك رحمه الله وكان مشهوراً بالمعرب لتصنيفه كتاباً في إعراب القرآن كما ذكر أهل التراجم كالسيوطي في طبقات المفسرين وذكر أنه في عشر مجلدات.
 
وأما قول الزرقاني بأن: “علوم القرآن كفن مدون قد استهلت صارخة على يد الحوفي في أواخر القرن الرابع وأوائل الخامس” فقد قيد كلامه هذا بأنه أخذ هذا المعنى من عنوان الكتاب كما هو مكتوب على طرة المخطوطة (البرهان في علوم القرآن)، وأن الجزء الأول من الكتاب مفقود مما لم يتمكن معه أن يأخذ (اعترافاً صريحاً منه – أي الحوفي – بمحاولته إنشاء هذا العلم الوليد). ووصف بعد ذلك الكتاب وصفاً كاشفاً لمحتواه، وأنه كتاب تفسير بالمعنى الصحيح. وعلى كل حال فهو نفسه لم يستطع الجزم بهذا الرأي، وإنما ودَّ لو حدث ذلك !!
 
وقد تعقبه الدكتور خالد السبت في كتابه وأخبر بأنه قد اطلع على كتاب الحوفي هذا في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وأنه كتاب تفسير وليس كتاباً في علوم القرآن، وإن كان قد ورد الحديث عن علوم القرآن في ثنايا التفسير مما يشترك معه في ذلك كل كتب التفسير تقريباً. وقد ذكرت الدكتورة ابتسام الصفار في معجم الدراسات القرآنية أن عنوان الكتاب: (البرهان في تفسير القرآن).
 
وقد سبقه إلى نقد كلام الزرقاني بتفصيل الأستاذ الدكتور عبدالعال سالم مكرم في كتابه النفيس (القرآن الكريم وأثره في الدراسات النحوية) ص287-289 الذي طبع سنة 1384هـ، حيث قال في آخر مناقشته لكلام الزرقاني: “على أن كتاب الحوفي كما بينت كتاب ككل كتب الإعراب – أي إعراب القرآن – التي سبقته من حيث المنهج والتأليف، فهو يفسر الآية من حيث المعنى، ثم من حيث اللغة، ثم من حيث النحو والإعراب، ثم من حيث القراءات، وكل كتب الإعراب أو كتب المعاني التي سجلتها في هذا البحث على هذا النمط، فلا داعي إذاً للقول بأن الحوفي أول من ألف في علوم القرآن”.أهـ.
 
وقد تكلم الدكتور عبدالعال سالم مكرم حول النسخة رقم 59 تفسير بدار الكتب المصرية، وأثبت أنها نسخة صحيحة لكتاب الحوفي وإن كانت ناقصة الأجزاء، وصحح الخطأ الواقع في المخطوطة رقم 20503 ب والمحفوظة بالدار نفسها، وذكر أنه قد كتب عليها أنها هي: “(إعراب القرآن البرهان في تفسير القرآن) تأليف الإمام أبي الحسن على بن إبراهيم الحوفي المتوفى سنة 430هـ”. وأثبت أنها نسخة لكتاب (إعراب القرآن) لأبي جعفر النحاس (ت 338هـ) بعد أن قارن بينها وبين مخطوطة إعراب القرآن للنحاس. ولم أر محقق كتاب إعراب القرآن للنحاس وهو الدكتور زهير غازي زاهد قد أشار إلى هذه النسخة لكتاب إعراب القرآن للنحاس، وقد انتقده في إهمال نسخ عديدة من مخطوطات إعراب القرآن للنحاس الدكتورُ أحمد مختار عمر في بحثه (إعراب القرآن للنحاس – عرض ونقد) والمنشور في (دراسات عربية وإسلامية) من ص 81-101.
 
هذه بعض الخواطر الشاردة حول الموضوع أرجو أن يكون فيها إيضاحٌ للمراد، سائلاً الله القدير لأخي الكريم التوفيق والإخلاص، فإنني ألمس فيه حرصاً صادقاً على العلم، وذهناً ثاقباً في فهمه، جعله الله من العلماء الصادقين، ونفعنا وإياه بالعلم وجميع المسلمين.