خزانة الأدب: تأملات خاصة في ظلال أدب العربية (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

 
منذ التحقتُ بالدراسة في كلية الشريعة تعلقتُ بالأدب من قراءات متفرقة في كتبه القديمة وبعض المعاصرة، وكنت أذهل أحياناً عن المحاضرات لاستغراقي في قراءة بعض دواوين الشعر في المكتبة المركزيَّة للكلية. وأذكر يوماً أنني ضحكت دون شعور لبعض نقائض جرير والفرزدق في وسط سكونٍ مخيم على المكتبة والقراء، فنهرني المشرف على المكتبة وكاد يطردني، وكان أستاذاً مصرياً جليلاً صاحب علم وفضل لا أنساه، وكان مشرفاً متميزاً على المكتبة المركزية لم أجد بعده مثله في حزمه ومعرفته بكتب المكتبة المركزية، ثم خلف من بعده شباب صغار لا يفرقون بين ديوان أبي تمام، وديوان المراقبة العامة.
 
ولا أنسى ذلك الوقت الممتع الذي تعرفتُ فيه على قصيدة تأبط شراً في وصف الغول، وسعادتي الغامرة بمعرفة تلك القصيدة، وكان وقت المحاضرة قد حضر، فترددت بين البقاء لحفظ القصيدة أو كتابتها باليد من الكتاب، وبين حضور المحاضرة، وأصبح حالي القائل: “اللهم أمي وصلاتي..”، فغلبني حب الأدب فبقيت حتى حفظت القصيدة ونقلتها ونقلت شرحها بيدي، ولا أزال حتى الآن أعدُّها من أثمن محفوظاتي، وهذا سر من أسرار الأدب الخالد، وعلوقه بالنَّفس.
 
وأذكر أحد الطلاب النابهين الذي درستهم في كلية الشريعة في أول عهدي بالتدريس عام 1415هـ، وكنتُ أدرسهم مقرر (علوم القرآن)، وكان من عادتي أن أستوفي شرح المطلوب في أول الوقت، ثم أدع آخر المحاضرة للأسئلة والأدب. وذات يوم أنشدت الطلاب قصيدة بديع الزمان الهمذاني في وصف الأسد التي قالها على لسان بشر بن عوانة العبدي ضمن المقامة البشريَّة. ومرت الأيام بعد ذلك، حتى لقيني هذا الطالب الصديق العزيز هذا العام بعد مرور ستة عشر عاماً على ذلك الدرس، فقال: “قد مررتُ على الكليَّة، فلم أتذكر من أيامها الجميلة إلا تلك المحاضرة وتلك القصيدة البديعة!”
 
ولذلك فإنني سوف أجتهد في هذه السلسلة أن أروح عن نفسي أولاً، وأترك العنان ليدي وفكري أن يختار ويعلق على بعض الأبيات والقصائد المختارة من الشعر العربي بكافة عصوره، والوقوف مع بعض الكتب والدواوين والمختارات مع تعليقات شخصية حول هذه المختارات والفوائد.
 
ولعل في مثل هذه التأملات الأدبية تخفيفاً على أنفسنا من جفاف مسائل الكتب والعلم وجديتها، إلى أفياء الأدب وظلاله الوارفة، التي تجد فيها النفس الذواقة متعتها وأنسها وراحتها، وقديماً قيل: “نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم”، ومع أن المقصود بالأدب أدب النفس والأخلاق، إلا أن الأدب العربي حسب تجربتي من أقوى ما يعين على تهذيب الأخلاق والتخلق بمكارمها.
 
وأرجو أن تجد هذه المختارات قبولاً لدى القراء الكرام.

(1) كيف يٌكتَبُ الشعرُ؟ مع شاعر اليمن الكبير محمد محمود الزبيري

دعونا نبدأ مع الشاعر محمد محمود الزبيري رحمه الله (1328-1385هـ)، شاعر اليمن الأول في العصر الحديث، من يقرأ ديوانه يشعر بروح الشاعرية تتوثب توثباً من خلال الأبيات.
 
ولد ونشأ الزبيري في حارة بستان السلطان بمدينة صنعاء باليمن، العاصمة اليمنية العريقة، وبها بدأ تعلمه، ومال إلى الأدب عامة والشعر خاصة، فدرسه حتى تمكن من نفسه، فهام به أي هيام (1).
 
وأسرة الزبيري من الأسر الصنعانية العريقة التي نبغ فيها قضاة وعلماء وشعراء، فقد كان جده القاضي لطف الباري الزبيري شاعراً وكان من أسرته أيضاً القاضي لطف الله بن محمد الزبيري من علماء حفظة كتاب الله ومن شعراء اليمن المعروفين، كما اشتغل والده محمود الزبيري بالقضاء، فأسرة الزبيري أسرة قضاة، وكثيراً ما رأينا لقب القاضي مقترناً باسم شاعرنا ولقد حفظ الزبيري القرآن الكريم صغيراً وكان ندي الصوت بالقرآن، يحب الناس أن يستمعوا إليه وإذا استمعوا إليه أنصتوا وخشعوا وقد أمّ الناس في صلاتهم وهو لم يزل دون العشرين من عمره.
 
بدأ دراسته في الكتَّاب ثم بالمدرسة العلية ثم بجامع صنعاء الكبير، وكان هاوياً للمطالعة هواية ملكت عليه لبه، ونظم الشعر وهو دون العشرين من عمره أيضاً.
 
وقبل نشوب الحرب العالمية الثانية انتقل إلى مصر ليتم دراسته، فالتحق بدار العلوم، وقبل أن يتم دراسته فيها عاد إلى اليمن عام 1941 م وكانت الأوضاع فيها متردية، استشرى فيها الفقر والمرض، ولم يقم الحكام بواجبهم نحو مكافحة هذين البلاءين، وزاد الأمر سوءا انتشار الجهل وانتصار حكام اليمن له، فأذهل هذا الوضع الزبيري فصرخ متألماً:
 

ماذا دهى قحطان؟ في لحظاتهم *** بُؤسٌ وفي كلماتهــــم آلامُ
جهـلٌ وأمراضٌ وظلـمٌ فــادحٌ *** ومخافةٌ ومجاعـةٌ و”إِمـامُ”

 
لقد اتسعت الشقة بين الشعب اليمني وحكامه، وترصد كل منهما الآخر وكان لابد للزبيري أن يسعى لإنقاذ شعبه مما هو فيه، فسعى إلى إقناع الحكام بالسماح لهذا الشعب المسكين أن ينطلق من قيوده، وقد بذل كل ما في وسعه لتحقيق الخير لبني وطنه، فمدح الأئمة وأبناءهم، وصانعهم ولاينهم، ولكن بلا جدوى، فقد تمكنت في نفوسهم عقيدة راسخة بأن هذا الشعب لا يحكم إلا بالحديد والنار.
 
ولما يئس من استجابة الحكام لدعوته للإصلاح، ترك المصانعة وأعلنها عليهم حربًا ضروسًا، سلاحه فيها شعره المتفجر الملتهب، فقد كان يعتقد بأن للقلم في مقاومة الطغيان فعل الحديد والنار، وقد عبَّر عن هذا الاعتقاد نثراً وشعرا فمن ذلك قوله: “كنت أحس إحساسًا أسطورياً بأني قادر بالأدب وحده على أن أقوض ألف عام من الفساد والظلم والطغيان” وفي نفس المعنى يقول شعرًا:

قوضت بالقلمِ الجبَّارِ مملكةً *** كانت بأقطابها مشدودة الطنبِ

وفي نفس العام الذي عاد فيه من القاهرة استقبلته سجون صنعاء وتعز ولما استطاع محبوه أن يخرجوه من السجن لم يطق البقاء في اليمن -السجن الكبير كما دعاه- فارتحل إلى عدن سنة 1944م لعله يستطيع أن ينطلق منها لتحقيق الحرية لقومه، فعمل على بث روح التضحية والثورة في الشعب اليمنى عن طريق صحيفته التي أصدرها في عدن سنة 1946 م باسم (صوت اليمن) واختاره اليمنيون المقيمون هناك رئيساً للاتحاد اليمني، وأسلموا له راية الجهاد.. تابع جهاده في عدن رغم مضايقات الإنجليز إلى أن قامت الثورة الأولى بقيادة عبد الله بن أحمد الوزير سنة 1948 م، قتل فيها الإمام يحي حميد الدين وعدد من أولاده، فهرع إلى اليمن وعين وزيرًا للمعارف، ولكن هذه الثورة لم تدم أكثر من شهر، وعادت أسرة حميد الدين للحكم فى شخص الإمام أحمد ابن الإمام المقتول. وفر الزبيري ثانية، ولكنه وجد الأبواب أمامه موصدة إلا باب الدولة الإسلامية الناشئة في باكستان فالتجأ إليها، ولقي من شعبها المسلم كلَّ تكريم فقابل هذا التكريم بمثله فتغنى بهذا الشعب الأبي، وأنشد أجمل قصائده فيه وأذاع روائع شعره من إذاعة الدولة الناشئة، وقصيدته التي معنا في هذه التأملات كتبها في كوخ من أكواخ باكستان بعيداً عن وطنه.
 
وفي عام 1952 م هرع إلى مصر عندما علم بقيام الثورة فيها، واستبشر الزبيري خيراً بهذه الثورة عندما لاحت على بداياتها السمات الإسلامية، فأمل في مساعدة قادتها لليمن، وما كان يعلم آنذاك ما خبأته الأقدار لليمن على أيدي رجالات هذه الثورة قام أحمد يحيى الثلايا بثورته الإصلاحية قي سنة1955 م والزبيري بمصر ولكن الثورة فشلت قبل أن يسهم فيها بشيء، وعاد حكام اليمن اكثر قسوة وأشد تصميمًا على منهجهم في الحكم، واستمر الزبيري في مصر يدعو لإنصاف شعب اليمن عن طريق المقالات التي ينشرها في صحيفة (صوت اليمن) التي أعاد إصدارها في سنة1955 م وأخذ يشارك في جميع القضايا العربية والإسلامية بجهده وشعره.
 
ويئس بعض رفاقه قي الكفاح، وظل الأمل يحدوه، وقامت ثورة 1962 م بقيادة عبد الله السلال الذي استدعى الزبيري من القاهرة وسلمه وزارة التربية والتعليم، ثم عين عضوًا في أول مجلس لرئاسة الجمهورية ولكن الرياح لم تجر كما شاء لها شاعرنا وقدَّر فانتكست الثورة بحرب أهلية مريرة لم يشهد تاريخ العرب لها مثيلاً، فترك الزبيري الوزارة وأفرغ جهده في إصلاح ما أفسده المفسدون فزار القبائل وعرض نفسه للقتل، ودعا إلى الوفاق والصلح وحقن الدماء، وحضر جميع المؤتمرات التي عقدت للصلح، وكان رئيسًا لمؤتمر عمران الذي أصدر قرارات الصلح والوفاق ولكن هذه القرارات جوبهت بالمماطلة في التطبيق… وتوالت المؤتمرات في الكويت وفي السودان وفي اليمن… وكان الزبيري فيها جميعًا داعية الوفاق والإصلاح.
 
لقد أدرك رحمه الله، بعد كل ما بذل من جهد أن الدعوة الفردية لا تجدي، وأنه لا بد من تنظيم يتبنى نظامًا مقبولاً لدى الشعب اليمني بأسره يكون بديلاً لكل هذه الدعوات التي أغرقته في بحار من الدماء، ولم يكن الزبيري ليعدل بالإسلام نظامًا، فقد عاش حياته مؤمناً أن لا حياة للمسلمين إلا بالإسلام فسارع إلى إنشاء حزبه باسم (حزب الله)، فالتف حوله خيرة الرجال في اليمن، وانطلقت دعوته تجوب آفاق اليمن فتلقى المجيبين والملبين، وبدأ حملة واسعة قي أرجاء اليمن يخطب الجماهير داعيًا إلى ما آمن به، وانتهى به المطاف إلى جبال (برط) وبينما كان يلقي خطابه انطلقت رصاصات غادرة تخترق قلبه المؤمن، فسقط على تراب اليمن التي وهبها حياته كلها، وفي هذا اليوم أول نيسان 1965 م صمت الصوت الذي هز اليمن، هز المخلصين فسارعوا إليه يلبون نداءه، وهز الحاقدين والمنتفعين والمستعمرين فسارعوا إلى إفراغ حقدهم برصاصات استقرت في القلب الكبير.
 
ومحمد الزبيري شاعر مطبوع، تعشق الأدب منذ يفاعته، وقال الشعر منذ صباه يمتاز شعره بالجزالة والحيوية وهو في نسجه أقرب ما يكون للقدامى لولا المعاني الحديثة التي يتناولها، وقف شعره تقريبًا لقضيته الكبرى، حرية اليمن وسعادة شعبه، فقد هاله ما يعانيه اليمنيون من ظلم الحكام وفتك الأمراض وانتشار الفقر واستيلاء الجهل على الناس، فحاول محاربة كل هذه الأوبئة بالكلمة، بالأدب، بالشعر وكان مؤمناً إيمانًا لا يتزعزع بأنه قادر بها أن يخلص شعبه ويسعده، وقد ظهر اعتداده بشعره في افصلاح في قصيدته التي معنا.
 
ولم يخل شعره من الالتفات إلى قضايا الإسلام والمسلمين، فالتفت إلى قضايا فلسطين وباكستان وكشمير… ودافع عنها وبيّن وجه الحق فيها، ولم يستطع شاعر عربي قبل الزبيري أن يصور بشعره الظلم والظالمين. بمثل القوة التي صورهما بها، وأن يرسم للطغاة صوراً تكشف حقيقتهم وتسخر من جبروتهم بمثل ما رسمها، وقارئ دواوينه لا ينفك يطالع هذه الصور المعبرة واللقطات الحية، لأنه شاعر عاش هذا الظلم في أبشع صوره، ولم يصفه وصف الذي سمع به، وليس راءٍ كمن سمع كما قالت العرب.
 
وأرغب في هذه التأملات التوقف مع قصيدته البديعة التي أعدُّها مِن أجملِ ما قيل في الأدب العربي في وصف لحظات الإشراق الفني والإبداع الشعري، والقصائد التي قيلت في وصف تلك اللحظات قليلة جداً في الأدب العربي بحسب ما اطلعتُ عليه.
 
ومن تلك الأبيات القليلة التي يصف فيها الشعراء لحظات محاولتهم لقول الشعر قصيدة جميلة للشاعر سويد بن كراع العكلي، حيث قال واصفاً موقفه حيال هذه الإلهامات التي تأتيه، وكيف تعتاص عليه هذه القوافي كأنها سربٌ مذعور من بقر الوحش النافرة لا تكاد تهدأ، وكيف يترقب هذه الأبيات في أوقات السَّحَر وكأنه يراقب صيداً يصيده، وكأنه يشير إلى أن أجمل أوقات قول الشعر هو وقت السَّحر، وقد ذكر ذلك عدد من الأدباء كابن رشيق في العمدة وغيره، وكيف أن هذه الأوابد من القوافي لا تكاد تتأتى له إلا بطول صبر ومخاتلة، وهو يعطي للشاعر درساً ألا يرضى بأدنى المعاني والقوافي كما يصنع كثير من الشعراء اليوم، فيكثرون من الشعر الركيك الذي لا يساوي ريالين، ويورث قارئَه حموضةً يجدها في نفسه حتى تزول بقراءة شيء من الشعر الذي يستحق أن يقال له شعرُ. وذلك أنه يخاف هذا الشاعر المبدع أن تروى عنه أبيات ضعيفة:
 

إذا خفتُ أن تُروى عليَّ رددُتها *** وراءَ التَّراقي خشيةً أن تطلَعا

 
وكأنه يكتم سراً من الأسرار أن يبوح به، تقديراً لذائقة المستمع، وخوفاً من أن تنقل عنه سقطة، ولذلك هو يراجعها ويثقفها حولاً ثم يذيعها..
 

أبيتُ بأبوابِ القوافى كأنَّما *** أُصادى بها سِرْباً من الوحش نُزّعا
أُكالئُها حتى أعرّس بعدما *** يكون سُحيراً أو بُعيدُ فأَهجعا
عواصيَ إلا ما جعلتُ وراءَها *** عصا مربد تغشى نحوراً وأذرعا
أهبْتُ بغر الآبدات فراجعت *** طريقاً أملّته القصائد مَهْيَعا
بعيدة شأو لا يكاد يردّها *** لها طالب حتى يكلَّ ويظلعا
إذا خفتُ أن تُروى عليَّ رددُتها *** وراءَ التَّراقي خشيةً أن تطلَعا
وجشّمنى خوفُ ابنِ عفان ردَّها *** فثقّفتُها حولاً جريداً ومربعا
وقد كان فى نفسى عليها زيادة *** فلم أر إلا أن أطيع وأسمعا

 
ولمعرفة كبار الشعراء والنقاد لمكانة الشعر قالوا: “قول الشعر أشد من قضم الحجارة على من يعلمه”. ولذلك فهو يراجعه وينقحه أحسن تنقيح، وقالوا أيضاً: “عمل الشعر على الحاذق به أشد من نقل الصخر، وإن الشعر كالبحر أهون ما يكون على الجاهل أهول ما يكون على العالم، وأتعب أصحابه قلباً من عرفه حق معرفته”.
 
وقد نقلوا عن العلامة الراوية الأديب المفضل الضبي أنه سأله أحدهم: “لِمَ لا تقول الشعر وأنت أعلم الناس به؟” فقال: “عِلمي به هو الذي يمنعني من قوله”، واستشهدَ بقول أحدهم:
 

وقد يقرض الشعرَ البكيُّ لسانه *** وتُعيي القوافي المرءَ وهو لَبيبُ

 
ومثله الأصمعي عندما قيل له في ذلك، فقال: “جيده يعافني، وأعاف رديئه”، أو كلمة نحوها. وقال الفرزدق يوماً مصوراً صعوبة قول الشعر أحياناً: “أنا عند العرب أشعر الناس، ولربما كان نزع ضرس أسهل عليَّ من قول بيت شعر”. فأين هؤلاء الشعراء الذين يكتبون كل يوم قصيدة أو قصيدتين لا تساوي الواحدة منها ريالاً؟
 
وقد أحسن محمد الزبيري تصوير هذه اللحظات التي يمر بها الشاعر المبدع أثناء إنشاءه للقصيدة، وأجاد في رسم تلك اللمحات الشاردة التي لم يتوقف لتصويرها إلا القليل النادر. فهو يصور هذه اللحظات بريح الجنان التي تهبُّ على النفس، ولك أن تتصور تلك الريح التي تهب من الجنة وما فيها من النعيم والانشراح، وكيف أنها تنال بهبوبها أعماق الروح، وكيف تأتي القوافي الشعرية مصاحبة لهذه الريح التي تسري في الأعماق ويشعر بها الشاعر كأنها نمل يدبُّ دبيباً، وكيف استطاع تصوير إقبال الأبيات والقوافي على الشاعر وإدبارها ومراوغتها، كما صنع امرؤ القيس في وصفه لفرسه بقوله:
 

مِكَرٍّ مِفَرٍّ مقبلٍ مدبرٍ معاً *** كجلمود صخرٍ حطَّهُ السيلُ من علِ

 
وكيف أن بعض الأبيات يلمح في ذهن الشاعر ثم يغيب على أمل اللقاء، وبعضها يأتي مذعناً فيقيده الشاعر ويستريح.
 

أُحِسُّ بريحٍ كريحِ الجِنانِ *** تهبُّ بأعماقِ رُوحى هُبوبا
وأَشعرُ أنَّ القوافى تدبُّ *** كالنَّملِ ملءَ دماغى دَبيبا
فهذا يزوغُ وذاك يروغُ *** وذلك يُذعنُ لي مُستجيبا
وذاكَ يُفارقنى يائساً *** وهذا يُواعدني أَن يَؤُوبا

 
ثم ذكر الغرض الذي يسعى من أجل تحقيقه بهذه القصائد والأبيات وهي رسالات سامية لصالح أمته ووطنه، وفيها تظهر عاطفته الوطنية القوية نحو أهله في اليمن، الذين خرج وتركهم، ورضي بالغربة بعيداً في باكستان من أجل السعي لإنقاذهم. فيقول:
 

ومنها أَصوغُ حياةَ الشُّعوبِ *** وأُذكي على قاتليها الحُروبا
ومنها أُوزِّعُ للعالمين *** طُهراً وأَنشرُ في الأرض طيبا
ومنها أَسُودُ، ومنها أَجُودُ *** ومنها أُقارِعُ عنِّي الخُطوبا
ومنها أُصوِّرُ هذا الوُجودَ *** وأكشفُ منهُ البديعَ العجيبا

 
ويظهر في هذه الأبيات اعتداد الشاعر بشعره، وأنه يؤثر في هذه الشعوب التي تسمعه وتتذوقه حقاً فيحييها، ويبعثها من سباتها الطويل بما فيه من الدعوة للثورة على الظلم والظالمين، وهو يوزع من شعره على العالمين طهراً وينشر طيباً، وهذا من أجمل ما يوصف به الشعرُ الهادف، ثم صور لنا كيف أن هذا الشعر ثروة حقيقة يسود بها ويجود منها على الناس، وأنه سلاح يدافع به عن نفسه وعن أمته المكلومة، ولا ينسى غاية مهمة من غايات الشاعر المسلم وهي تصوير هذا الوجود العجيب الذي خلقه الله فأحسن خلقه.
 
ثم ينتقل الزبيري ليصف لنا تلك المعاني التي تسكن تلك القوافي، وأنها ليست على درجة واحدة. فمنها المعاني الشادرة التي لا تعطي قيادها أي أحد، وأنها تأتي مثل البروق لمحاً سريعاً قل من يقدر على صيدها، ولكنها إذا وقعت أحيت الموات، وأروت الجديب من النفوس. وصورها حين تلمس مهجته لمساً رقيقاً فيتوثب القلب في الصدر توثباً فرحاً لعثوره على هذا المعنى الشارد واقتناصه.
 
وهناك نوع آخر من المعاني لم يسبقه لروعته إليه سابق، ولم يخطر على قلب أحد قبله كما يظنُّ، إذا خطرت على ذهنه اضطرب وفزع أن يفوته وسارع إلى تقييده.
 
وهناك نوع آخر من الأبيات والمعاني الخالدة، إذا ولدت وخرجت للوجود فإنها تأبى الزوال وتستعصي على النسيان، وتبقى طيلة الحياة حية متجددة كأنها قيلت أمس، وما أكثر أمثال هذه الابيات لشعراء العربية الكبار التي خَلَّدتهم وخَلَّدُوها. وتأملوا كيف صور الزبيري شعوره -وهو الرجل المطارد من حكام اليمن، الغريب في باكستان بعيداً عن أهله ووطنه- عندما يقتنص مثل هذه الأبيات والمعاني الخالدة، وكيف أنه يحتقر شأن الموت بعدها، ولا يبالي به أن يأتي الآن أو متى شاء، وأنه يصنع بهذه الأبيات شعوباً بأسرها، ويلقح منها عقول المتذوقين، ويزهو مفاخراً بهذه الأبيات التي أنجبها تقوم له مقام الأولاد النجباء، وأنا أقول: بل أبقى ذكراً من الأولاد النجباء، فأين هم اليوم وأين هي أبياته؟
 
ومن المعاني ما يطوع لأول وهلة، ومنها النوافر المستعصية التي لا يقدر على التعبير عنها إلا نبي من الأنبياء.
 

ومنها الشَّواردُ مثل البروق *** تحي الموات، وتروي الجديبا
إذا لمست مهجتي لمسة *** توثب قلبي بصدري وثوبا
ومنها الأوابد لم تسكن العقول *** ولم تأوي قط القلوبا
إذا نزلت خاطري فزعت *** كوحش يواجه مصراً خصيبا
ومنها المواليد تأتي الوجود *** فتأبى الزوال وتأبى المشيبا
 
أراها فأحقر شأن الردى *** بعيداً أتى أم أتاني قريبا
أخلف منها لقاح النهى *** وأصنع للأرض منها شعوبا
وأزهو بها راضياً معجباً *** لأني ولدتُ الكثير النجيبا
ومنها المطايا إذا اقتدتها *** فتحتُ السما وهتكتُ الغيوبا
ومنها النوافر لا يستطيع*** إلا نبي عليها ركوبا

 
ثم يصور الشاعر لنا بعد هذه المعركة مع القوافي أنه يقيد الكثير منها، ولكن الأكثر يفلت من يده فلا يقدر عليه، وأنه يضع كلمات الرويِّ ويبني عليها الأبيات، ويشبه حروف الروي بالنطفة التي يتخلق منها الجنين، وهذا تشبيه رائع لا أعرف من سبق الزبيري إليه، ويصور كل بيت يكتبه بأنه لا يخرج إلا بعد معاناة وجراح ونزف دماء، وكأنه يتخيل ولادة المرأة لطفلها، ومعاناتها في ولادة هذا الطفل. فيقول:
 

وأكثرها مفلتُ من يدي *** يغيب ولا يشتهي أن يغيبا
حروف الرويّ بها نطفة *** ترعرع بيتا عريقا نسيبا
يضمخه الجرح من مهجتي *** ويخرجه من دماءٍ خضيبا

 
ثم يصور الزبيري كيف أن القافية تحدد بحرها اللائق بها أحياناً دون شعور من الشاعر واختيار، وكيف تسكن تلك القوافي التي تشبه الدر الأصيل في ذلك البحر الشعري، وكيف تتحمل تلك القوافي معاني ثقيلة ثقل الجبال لما تحمله من سمو ونقاء ومسئولية، وكيف أن المعاني تطلب القوافي المناسبة لها، وتذوب في طيها، وهذه من النظريات الشعرية التي أكثر الأدباء من الحديث عنها في كتب النقد الأدبي.
 

وقافية تبتغي في البحورِ *** دُراً أصيلاً وصيدا جليبا
ووزن تحمَّل ثقلَ الجبال *** يُقسّم في طيه أن تذوبا
ومعنىً يسير إلى لفظه *** ولفظٌ لمعناه يجري دؤوبا
وكلٌّ له موضع مُعلَم *** يؤول إليه رشيداً لبيبا
يسارع كل إلى شكله *** ويطلب كلُّ ضريبٍ ضريبا

 
ثم يصور عقله في هذه اللحظات الغريبة التي تتصارع فيها المعاني والقوافي والبحور والمشاعر في نفسه، وكيف يبدو وكأن به مساً من الجن لمن لا يعرفه، فهو يصمت أحياناً، ويتكلم أحياناً بل ويصيح أحياناً، وأنه لولا معرفته بمثل هذه الأعراض التي تعرض للشاعر المبدع لظن الناظر إليه أن مريض، فيقول:
 

كأن بعقلي لها جنةً *** يلاقي بها كلُّ صبٍّ حبيبا
نواميسُ يسعى إليها الكلامُ *** ويبغي لهُ من خُلودٍ نصيبا
أسلّمُ نفسى لها ذاهلًا *** حريصاً عليها بشوشاً طروبا
وأصمتُ مستمعاً تارةً *** وأصرخُ حينا عبوساً غضوبا
 
ولولا اهتدائى لسرِّ النُّبوغِ *** وأعراضهِ لطلبتُ الطبيبا
وما كان عقلي أجيراً لها *** ولا كنتُ منها لكسب طلوبا
ولكنها قدر غالب *** قضى أن أكون فكنت الأديبا
كذاك طبعت، ومن يستطيع *** من طبعه موئلا أو هروبا

 
ثم يختم بخاتمة رائعة معبرة، يبين فيها حبه الشديد للشعر وتعلقه به، وأنه يحيا به بين الناس في زمان القهر والظلم والطرد من الوطن، وأنه يملك بين جنبيه روحاً متوثبة طفوليَّة الآمال، تمنعه أن يشيب، ولكنَّه شعر أن الشيب على مفرقه قد فضحه أمام الناس. فاستدرك قائلاً: لا تصدق هذا المشيب الذي بمفرقي فإنه شيب كذوب كالناس الذين أصبح الكذب شعاراً لهم. وما أجمل هذه الجملة الاعتراضية في البيت (فقد صار – كالناس – لوناً كذوباً)، ثم يختم بأبياته المشهورة في غناه بشعره، وأنه أغنى من كل من يظنه فقيراً طريداً سليباً، فيقول:
 

أحب القريض وأحيا به *** مع الهول طفلاً ضحوكاً لعوبا
وروحُ الطفولةِ في نزعتي *** وفني ستمنعني أن أشيبا
وأما البياضُ على مفرقي *** فقد صارَ -كالناسِ- لوناً كذوبا
خذوا كل دنياكموا واتركوا *** فؤادي حُرَّاً وحيداً غريبا
فإني أضخمكم دولةً *** وإن خلتموني طريداً سليبا

 
وقد استطاع الزبيري حقاً أن يصور تلك اللحظات التي يمر بها الشاعر عندما يكتب قصيدة من القصائد، والشعراء يتفاوتون في هذه المشاعر والخطوات بحسب إبداعهم وقدراتهم الشعرية، وبحسب المناسبة التي يكتبون فيها القصيدة، والمعاني التي يريدون التعبير عنها، والزبيري شاعر اليمن كان يتنزى ألماً وحرقة على وطنه ومصيرهم، ولذلك كان شعره مرآة تعكس كل هذه المشاعر الوطنية الصادقة.
 
رحم الله محمد محمود الزبيري، وأحسن إليه فقد أحسن إلينا بهذه القصيدة الرائعة نترنم بها في خلواتنا كما كتبها في خلوته في ذلك الكوخ البعيد في باكستان.
وديوان الزبيري مليئ بما يصلح للوقوف معه، ولكن لعل ذلك في وقفة قادمة.
الثلاثاء 2 / 3 / 1431هـ

 
الحواشي:
(1) استفدت في ترجمته من بعض المواقع الإلكترونية بتصرف.