خزانة الأدب: تأملات خاصة في ظلال أدب العربية (2)

بسم الله الرحمن الرحيم

 
كنتُ بدأت هذا الموضوع في الحلقة الأولى (خزانة الأدب: تأملات خاصة في ظلال أدب العربية) وأشار عليَّ عدد من الزملاء بأن تكون كل حلقة بردودها في موضوع مستقل، وها هي الحلقة الثانية من هذه التأملات الأدبية أرجو أن يكون فيها ما يروق أهل الذوق الأدبي من القراء من أمثالكم.
 
دعاني أخي الأستاذ عبدالعزيز القرشي للمشاركة معه في حلقة من برنامجه (ربيع القوافي) على قناة (دليل) قبل مدة، وأخبرني بمنهج البرنامج ولم أكن شاهدته قبلها، وذكر لي من ضمن فقرات البرنامج فقرة عن (مصارع الشعراء) يتبارى الشعراء فيها للفوز بحمل الراية، ولستُ أدري ما هي تلك الراية. وطلب مني أن أدخل إلى المنتدى الخاص بالبرنامج للاطلاع على الشعراء وهم يتبارون في معارضة القصيدة المختارة للفوز بالراية.
 
وبعد أيام دخلتُ للمنتدى الذي أشار إليه، فوجدت القصيدة التي يتبارون في معارضتها دون ما كنتُ أؤمِّل من الجزالة والبناء، ورأيتُ الشاعر قد بالغ في امتداح قصيدته، وكان ملتقى أهل التفسير حينها قيد الترقية والتطوير فلم أكن مشغولاً به. فدعتني نفسي -الأمارة بالسوء- إلى دخول معترك القوافي ذاك، ومعارضة القصيدة المطروحة رغبةً في اختبار القريحةِ التي أخْملها الاشتغالُ بغيرِ الشِّعرِ زمناً طويلاً.
 
فلما أردت التسجيل في المنتدى تأملتُ في الاسم المناسب للمشاركة، فتبادر إلى ذهني اسمٌ كنتُ جعلته اسماً لي في هاتفي المَحمول يراه من يرغب في مراسلتي بواسطة البلوتوث وهو (المغامر). فسجلتُ بهذا الاسم هناك، وكتبتُ قصيدةً أعارضُ بها قصيدة الشاعر الذي سَمَّى نفسَه (صهيل القوافي)، والتي يقول في مطلعها:
 

ثـارتْ بـَراكـين ُالمِدادِ مَهـيلا *** حـِمَماً شفـَتْ مِنْ شانئِـيَّ غـَلِيلا
ألقتْ قذائفها عليهمْ جــُمـْلة ً *** وغـَدتْ أتـُونـًا للعـَدُوِّ غـَسُولا
كذبوا بـِزعـْمـِهمُ هـُراءً أنني *** أدبـَرْتُ مِنْ ساح الوَغـَى مَـخــْذولا

 
وكنتُ أثناء ذلك الأسبوع مسافراً، فكتبت القصيدة في الطائرة، ومن عادتي إذا ركبتُ في الطائرة وليس بجانبي أحد فإنني أشتغل بالكتابة، وإن كان بجانبي أحد أشتغل بالقراءة. فما هبطت الطائرة مطار الرياض إلا وقد فرغتُ من كتابة القصيدة، ولم أتنبه لعدد أبياتها، ولا لشروط المسابقة التي طرحت في البرنامج. وسارعتُ أول وصولي للمنزل بنشر القصيدة في المكان المخصص لذلك، بل إنني وضعتها فيما أذكر في قسم آخر، ولكن المشرف نقلها للمكان الصحيح، ولم أعلم أنني وضعتها في المنتدى قبل إغلاق المسابقة بساعتين تقريباً.
 
فلمَّا كان يوم الجمعة في الصباح دخلتُ على المنتدى بعد أن فتحوا باب التصويت للجمهور على الانترنت لترشيح القصيدة الفائزة من بين القصائد، وجدتُ قصيدة صاحبي (المغامر) قد سبقت بقية القصائد في التصويت، وإذا بالأمور تسير بشكل جيد.
 
وكان أخبرني المقدم للبرنامج أن الضيف سيقوم بالتحكيم بين القصائد الفائزة، وله من الدرجات 40 درجة من 100، وللجمهور عبر الانترنت، 30 درجة وللجمهور عبر رسائل SMS من الدرجات 30 درجة أيضاً. فقلتُ في نفسي: ماذا لو فازت قصيدتي؟! كيف سأحكمُ بين الشعراء؟!
 
وبينا أنا أسرح بفكري في الأمر، وأتأمل في القصائد المشاركة، أعجبتني قصيدتي! ولم تعجبني بقية القصائد المشاركة لأسباب فنية رأيتها إذا بهاتف من مقدم البرنامج الأخ عبدالعزيز القرشي.
 
عبدالعزيز القرشي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عبدالرحمن الشهري: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
عبدالعزيز القرشي: يبدو أن حلقة هذه الليلة ستكون ساخنة جداً يا أبا عبدالله.
عبدالرحمن الشهري: لماذا يا ترى؟
عبدالعزيز القرشي: هناك منافسة حادة بين الشعراء، ودخل معنا شاعر متأخر اسمه (المغامر) لكنَّه سبب لنا أزمة في المنتدى، وللجنة التحكيم.
عبدالرحمن الشهري: ولماذا سبب لكم أزمة؟
عبدالعزيز القرشي: لأننا اشترطنا في القصيدة ألا تزيد أبياتها عن خمسة عشر بيتاً، والمغامر كتب قصيدة في عشرين بيتاً، ولكن لجنة التحكيم لجمال القصيدة لم تنتبه لذلك، وأدخلتها ضمن القصائد الأربع المختارة الفائزة.
عبدالرحمن الشهري: وماذا ستفعلون إذن؟ قلتُ هذا وأنا متوجس في نفسي، ماذا سيصنعون بالمغامر الآن.
عبدالعزيز القرشي: نحن في لجنة التحكيم أحببنا استشارتك الآن، ونحن نقترح أن نعتذر للمغامر ونستبعد قصيدته من المسابقة لمخالفتها لشرط المسابقة، وتقديراً لشاعرية المغامر ولجمهوره نعرض قصيدته في البرنامج ونقرأها أمام المشاهدين! فما رأيك.

فخشيتُ إن أنا تحمستُ لإبقاء القصيدة أن يشك في أنني أعرف هذا الشاعر المغامر. فقلتُ: رأيكم فيه البركة والخير إن شاء الله، وما دام خالف الشرط فاستبعاده من العدل، ولكن ألا ترى أخي الكريم أن الوقوف عند مثل هذا الأمر يضعف المسابقة فزيادة عدد قليل من الأبيات أو نقصها لا يؤثر في الأمر، والعبرة بجودة القصيدة.
فقال: صدقت ولكن الشعراء الآخرين اعترضوا وحملوا حملة شعواء علينا في المنتدى، فدعنا نكن حازمين في قرارنا ويقضي الله ما يشاء.
فلمَّا وضعتُ سَمَّاعة الهاتف ضحكتُ بصوتٍ سمعته زوجتي وكانت قريبة مني، فقالت: ماذا أصابك؟ ومن هذا الذي كان معك على الهاتف؟
فقلتُ: هذا موقفٌ طريفٌ كنتُ أريد أن ترينه في الحلقة الليلة في برنامج (ربيع القوافي) على قناة (دليل)، ولكن للأسف تَمَّ إيقافي من البرنامج، ورفضوا مشاركتي! وحدثتها بالخبر من أوله.
فضحكت وقالت: يكفيك أنه وقع اختيار لجنة التحكيم على قصيدتك وهم لا يعلمون من أنت، وهذا دليل على أنَّ ما تقوله من الشعر قد يستحسنه بعض الأدباء والنُّقاد، فشجعتني بذلك جزاها الله خيراً كعادتها معي في كل أعمالي.
وأخذتُ بعد المكالمة أتأمل مرة أخرى في القصائد التي اختيرت وهي ثلاث قصائد، وأتأمل في معانيها وأراجع كتب اللغة لتوثيق النقد والملحوظات عليها.
 
وذهبتُ في المساء إلى القناة للمشاركة في الحلقة، فوجدتُ المذيع أخي عبدالعزيز يحمل في يديه القصائد، وإذا به يحدثني بالمنافسة المَحمومة في هذه الحلقة، وأنها ستكون أسخن الحلقات، وأخذ يقرأ قصيدة المغامر بحماس ويبدي إعجابه بها، وأنا أعجب من إعجابه، وأبادله الحماس بمثله.
 
فقال: لعلك تختار قصيدتين من الأربع تقرؤها أنت للمشاهدين، وأنا قصيدتين.
فقلتُ: سأقرأ قصيدة المغامر وقصيدة أخرى.
فقال: إلا قصيدة المغامر، فلن يقرؤها إلا أنا !
فقلتُ: قد تكون قراءتي لها أجمل، وتفاعلي مع الشاعر أكثر !
 
فأبى وأصرَّ على أن لا يقرأ القصيدة إلا هو مع القصيدة الأصلية في الحلقة فيما أذكر.
وقرأها قراءة جيدة، وتفاعل معها تفاعلاً أعجبني وأطربني، وأخذ يعتذرُ للشاعرِ المغامرِ وينظر إلى الشاشة.
فقلتُ له أثناء الفاصل: لماذا تنظر للشاشة وأنت تعتذر له، لماذا لا تنظر إليَّ وأنا ضيفك في الحلقة؟
فقال: حتى يشعر وهو يشاهدني في الشاشة أنني أقصده بالكلام، ولم يفهم قصدي، ولم أشأ أن أزيد على ذلك.
 

والقصيدة التي كتبتها، وأردتُ إشراككم معي في تلك القصة الطريفة قبل أن يتقادم عهدها، وأنسى تفاصيلها، هي هذه:
 

وقفَ المُحبُّ على الطلولِ طويلا *** والقلبُ أَصدقُ ما تَراهُ عَليلا
يا وقفةَ الحُبِّ التي ما أَنْصَفَتْ *** تَرَكَتْ عَزيزَ العاشقين ذليلا
وارحمتا للعاشقينَ وشَوقِهِمْ! *** ماذا عسى شِعري أَتى لِيقولا؟!
اتَخِذوا الوُقوفَ على الطُلولِ تحيَّةً *** ورأَوا جِبالَ العاذِلينَ سُهُولا
 
واستَعْذَبُوا غُصَصَ الفِراقِ وأنفقوا *** زَهْرَ الحياةِ تغرُّبَاً ورحيلاً
ما راعنِي إِلا المشيبُ وقولُهُ: *** قَرُبَ الرَّحيلُ فأقصرِ التأميلا
يا أَطيبَ الأصحابِ طابَ رَبيعُكُم *** ولَقِيتُ ظِلَّ الشِّعرِ فيهِ ظَلِيلاً
ورأَيْتُ للشِّعراءِ حَولي مَرْبِداً *** تَخِذوا دَليلَ منارةً ودَليلا
 
للهِ دَرُّهم ودَرُّ (قَناتِهِمْ)(1) *** أَلِفُوا الجميلَ وأَشعَلُوا القِندِيلا
وتَسابَقوا في المَكرُماتِ وأَرسلُوا *** للباحثينَ عَن الجَمالِ رَسُولا
يَدْعُونَ للآدابِ كُلَّ مُهذَّبٍ *** جِيلاً يُسابقُ في المكارمِ جِيلاً
الجاعلينَ الشِّعرَ أَعْذَبَ مَورِدٍ *** واللابسينَ مِن الهُدى إِكليلا
 
والحاملينَ مِن التفردِ رايةً *** لا تَقبلُ التنكيسَ والتَّحويلا
إِنِّي أَقولُ – ولِلمَصارعِ خِفَّةٌ *** تَدَعُ الحليمَ مِن الرِّجالِ جَهُولا:
لا تأمنوا شيطانَ شِعري إِنَّهُ *** (لا يعرفُ التحريمَ والتحليلا)(2)
خَبَرَ الرِّهانَ فما يُغادرُ ساحةً *** إِلا ويتركُ قِرْنَه مَغلولا
 
رَحْبُ الخُطى فإِذا خَطا نُظراؤُه *** شِبْراً تقدَّم في المصارعِ مِيْلا
وإذا ترنَّمَ بالقَصيدِ فإِنَّما *** يَبني بهنَّ مَشاعِراً وعُقُولا
وإذا تَصَدَّى للقوافي خِلتَها *** ثَمَرَ الجِنانِ مُذلَّلاً تَذليلا
طُوِيَ البِساطُ عن (الصَّهيلِ)(3) وشِعرهِ *** لَمَّا أَتيتُ. فأَوقفوا التَّسجيلا

 

وعندما شاهدتُ الحلقة فيما بعدُ ظهر لي ميلي أثناء قراءته للقصيدة وتفاعلي الزائد مع المغامر، وكأَنَّه مِن قرابتي، وقد أخبرني بعض من شاهد الحلقة أنه ظهر عليَّ أنني كنت أرغب في أن يفوز المغامر، فأُظهرُ استغرابي وأَسكتُ !
 
وعندما خرجنا بعد الحلقة للعشاء أنا والأخ عبدالعزيز القرشي وكان بصحبتنا الدكتور مساعد الطيار وفقه الله أخبرتُ الأخ عبدالعزيز بأنَّ المغامر ما هو إلا ضيفه عبدالرحمن الشهري ضحك، وأخذ يسترجع أبيات القصيدة، وكانت حركةً طريفة أحببتُ أن أشرككم في خبرها قبل أن أنساها ويفوت وقتها.
 
وعندما استُبعدَ المغامرُ من المنافسة تفرَّد الشاعر صهيل القوافي بالراية رغماً عن المغامر، وحلَّ ضيفاً على البرنامج في الحلقة التالية.
وفي الحق إنها كانت منافسة أدبية طريفة جميلة، حركت في نفسي مشاعر كدتُ أنساها مع اشتغالي بأمور بعيدة عن الشعر وأجوائه المُحلِّقة، والبرنامج بهذه الطريقة يستثير القرائح، ويذكي التنافس الأدبي بين الأدباء والشعراء، ويتحف المشاهدين بمقطوعات جديرة بالخلود.
 
فلقناة دليل ولأخي المبدع عبدالعزيز القرشي كل المحبة والتقدير على تبني مثل هذا البرنامج.
 
أحبُّ أن أتوقف هنا مع قصيدة المغامر قليلاً .
إن اختيار الاسم له دلالته، والمغامر شخصيته لا تخلو من المغامرة في مواقف كثيرة مرت به في الحياة، ولو ذكرت لكم طرفاً منها لكانت مثار الضحك والفُكاهة، واللغة تكشف من مشاعر الإنسان ما لا يحب أن يظهره، ولكن الخبراء في دلالات اللغة يستدلون بها عليه وهو لا يشعر.
 
إن أبيات هذه القصيدة لم تبتعد عن مشاعره يوم كتب القصيدة، ولو حدثتكم بقصة القصيدة أكثر لعجبتم. فقد كنتُ أخذت ورقة أثناء سفري وكتبت فيها ما يقارب الخمسة عشر بيتاً متفرقة على نفس الوزن والقافية، ولما دخلنا المطار طلبوا إخراج ما نحمله من الأدوات والأجهزة للتفتيش قبل دخول صالة المغادرة، فأخرجت ما في جيبي من الأوراق والهاتف المحمول والمفاتيح، ووضعتها في الجهاز، ومع الزحام والاستعجال ومقابلة أحد الأصدقاء في الصالة نسيت تلك الورقة ولم آخذها، ولما ركبت الطائرة تذكرتها فبحثت عنها في جيبي فلم أجدها، فحزنت حزناً شديداً، ونظرتُ من نافذة الطائرة وأنا حزين على فقدان الورقة التي كتبت فيها الأبيات التي لم أحفظ منها شيئاً بعدُ، وتذكرت قول الشاعر : في سُلِّم الطائرة بكيت غصب بكيت ..
 
ولما هدأتُ قليلاً أخذت ورقةً بيضاء من دفتر أحمله معي، وبدأت في كتابة القصيدة الأخرى المختلفة عن الأولى تَماماً إلا في البحر والقافية، وكان فقدان القصيدة الأولى خيراً لي، فقد جاءت الثانية أعذب منها، وأشد انسياباً من الأولى .
 
وفي هذا عبرة أنه ينبغي التسليم دوماً للقضاء والقدر والرضا به والاطمئنان إليه، ففيه الخيرة للإنسان. وقد أسفتُ في حياتي على أمور كثيرة مُماثلة لهذا الموقف أو أشد منه، ثم كانت العاقبة خيراً. وقد أودعتُ القصيدة شيئاً من مشاعر الحزن والهم الذي يرافقني ، ويدفعني للاستعجال في مواقف كثيرة، رغبة في اللحاق بأمرٍ جديد، وكأنني كما قال المتنبي :
 

أَهُمُّ بأمرٍ والليالي كأَنَّها *** تُطاردُني عَنْ كَونِهِ وأُطارِدُ

 
ولعلي أكتفي بخبر هذه القصيدة، وأعود إليها لاحقاً لأحلل أبياتها تحليلاً أدبياً أكشف منه بعض مشاعري التي أودعتها في هذه الأبيات.
والسلام عليكم.

الجمعة 6/7/1431هـ
 
الحواشي:

(1) أقصد قناة دليل الفضائية.
(2) هذا عجز بيت للمتنبي من قصيدته في مدح بدر بن عمار بن إسماعيل لما صاول الأسد وغلبه بسوطه، وهي من جيد شعره.
(3) أقصد الأخ صهيل القوافي.