دروس التفسير في عصرنا الحاضر، ما مقومات نجاحها!

بسم الله الرحمن الرحيم

 
السؤال:
 
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فإن دروس التفسير كثيرة ومتعددة، وقد يحتاج بعض طلبة العلم لإلقاء درس في التفسير في أحد المساجد ورغبة في التشاور مع أهل العلم والفضل أرغب إليكم أن تتفضلوا بعرض الاقتراحات المناسبة لطريقة العرض والبيان،والأساليب المناسبة لإلقاء الدرس الذي يحضره طلبة العلم والعوام، وكيف يمكن إثراء دروس التفسير، وكيف ترون التسلسل في العرض، وما أهم المهمات التي ينبغي أن يعرفها الناس عن الآية.
 
فلا يبخل من عنده سابق تجربة أو رأي، أو اقتراح أن يسعف به عسى الله أن يكتب له أجر ذلك
وجزى الله الجميع خير الجزاء.
 
الجواب:
 
بسم الله الرحمن الرحيم
أخي الكريم وفقه الله ونفع به وبعلمه
 
أشكرك على هذا السؤال، حيث إنه مع إيمان الجميع بأهمية دروس التفسير، وكونها من أول وأولى ما يجب العناية به، وتعليمه للناس بجميع طبقاتهم، إلا أنه يصح أن يقال بأن دروس التفسير في المساجد (دروس مظلومة!)، فأنت على كثرة ما ترى من دروس العلم في المساجد والحلقات إلا أنك تجد نصيب دروس التفسير وعلوم القرآن ضئيلاً بينها، والمتخصصون في هذا العلم، ومن لهم به عناية هم السبب في هذا التقصير، حيث لم يتصدوا لتعليم الناس، والبحث عن الطرق الكفيلة بتحبيب الناس في هذا العلم، وتنشيطهم لطلبه.
 
منذ سنوات التعليم الأولى والطالب يدرس معاني القرآن الكريم، ولا يزال يترقى ويترقى معه علم التفسير حتى يصل إلى درجة التخصص العليا في هذا العلم الواسع، الذي يقضي المرء وما قضى منه نهمه، لاتصاله بكل العلوم لمن أراد التوسع، حيث إن علم التفسير لا يستقيم لصاحبه إلا بتوظيف كل العلوم فيه .
 
ولذلك فقد كثرت المؤلفات في التفسير بشكل كبير، فلا يكاد عالم من العلماء إلا ويكون له مصنف واحد أو أكثر في تفسير القرآن الكريم والغالب أن يكون تصنيفه في التفسير في آخر حياته بعد اكتمال عقله وعلمه وآلته، وحتى يومنا هذا لا يزال بعض العلماء يضعون التفاسير التي يرون حاجة الأمة إليها، وكل من هؤلاء العلماء يذكر في مقدمة تفسيره أنه رأى حاجة الناس ماسة إلى هذا التفسير فاستعان بالله ووضعه لهم على طريقة ارتضاها في التصنيف.
 
ونظراً لطول القرآن الكريم، وضيق الوقت المخصص للتفسير فإنك نادراً ما تجد أحداً يتم تدريس تفسير القرآن الكريم. بل أغلب العلماء يتوقف عند سور معينة في أول القرآن أو وسطه. ولذلك فلا بد عند الرغبة في تدريس التفسير في حلقات العلم من النظر إلى الأمور التالية:
 
أولاً: المستوى العلمي للطلاب. فإذا كان الطلاب أو المستفيدون من الدرس بصفة عامة من المبتدئين في طلب العلم، أو من عامة الناس، فإنه من المناسب – في رأيي – أن يقرأ كتاب مختصر في التفسير كتفسير الشيخ عبدالرحمن السعدي، ويقوم الشيخ بالتعليق اليسير على كلام المؤلف. بحيث يقرب المعنى من أذهان المستمعين، من غير إطالة وإملال. ويكون الحرص في مثل هذه الحالة على إيصال معنى الآيات الظاهر للناس، بحيث يفهمون القرآن، ويدخل في ذلك ما لابد من ذكره في بعض الآيات من أسباب النزول، وبعض القصص التي لا تفهم الآيات إلا بذكرها. وقد ذكرها السعدي في مواضعها. وأظن أنه بهذه الطريقة يستطيع الشيخ أن ينتهي من تفسير القرآن الكريم للناس في وقت معقول. ويفهم الناس المقصود بأوجز عبارة، وأقل إشارة.
 
وهذا الكلام يصح أن يقال في المجتمع الذي يتكلم أهله العربية. وأما المجتمعات التي لا تتكلم العربية فلها طريقة أخرى يمكن الحديث عنها، والمقصود من هذا كله هو إيصال معاني كلام الله للناس بطريقة ميسرة، ولذلك كثرت كتب التفسير في الوقت الراهن التي تسعى إلى هذه الغاية، وهي تفسير القرآن للناس من غير إطالة مملة، ولا إيجاز مخل، مع الحرص على صواب التفسير، ووضوح العبارة.
 
وقد شعر القائمون على مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالحاجة إلى تفسير ميسر للقرآن الكريم، يقتصر على القول الصحيح حسب الوسع والدليل، ليفهمه المبتدئ، ويتذكر به المنتهي، ويتمكن من يريد الترجمة لمعاني القرآن من الاستفادة منه، فاستعانوا بالله في وضع (التفسير الميسر) الذي سار في الناس، وله نصيب من اسمه، وتلقوه بالقبول ولله الحمد. وقد شارك فيه عدد كبير من العلماء منهم شيخنا الكريم الأستاذ الدكتور محمد بن عبدالرحمن الشايع وفقه الله وأمثاله من العلماء، ولا يعرف قيمة هذا التفسير إلا من عرف اختلاف أقوال السلف في التفسير، وعرف صعوبة التوفيق بينها والاختيار منها بناء على قواعد معتبرة عند أهل الفن.
 
ومن الذين لهم جهد مشكور في تيسير التفسير وتقريبه للناس، الشيخ الدكتور مساعد بن سليمان الطيار، حيث كتب في ذلك تفسيراً لجزء عم، سار فيه على طريقة المتن والحاشية. وهو يقوم الآن بالكتابة في تفسير جزء تبارك، ولعله يحدثنا عن تجربته في التدريس فهو صاحب دروس كثيرة وفقه الله ونفع به.
 
ثانياً: الوقت المحدد للدرس. وأريد أن أذكر نفسي وإياكم بما قاله ابن عطية رحمه الله في مقدمة تفسيره لعل ذلك ينشطنا للعمل، وهو قوله: “وبعد -أرشدني الله وإياك- فإني لما رأيت العلوم فنوناً، وحديث المعارف شجونًا، وسلكت فإذا هي أودية، وفي كل للسلف مقامات حسان وأندية، رأيت أن الوجه لمن تَشَزَّن -استعد وتأهب- للتحصيل، وعزم على الوصول، أن يأخذ من كل علم طرفاً خياراً، ولن يذوق النوم مع ذلك إلا غراراً، ولن يرتقي هذا النجد، ويبلغ هذا المجد، حتى ينضي مطايا الاجتهاد، ويصل التأويب بالإسآد (=يهزل رواحل الاجتهاد)، ويطعم الصّبِرَ، ويكتحل بالسهاد.
 
فجريت في هذا المضمار صدر العمر طلقًا، وأدمنت حتى تفسختُ أيناً، وتصببت عرقًا، إلى أن انتهج بفضل الله عملي، وحزت من ذلك ما قسم لي، ثم رأيت أن من الواجب على من احتبى، وتحيز في العلوم واجتبى، أن يعتمد على علم من علوم الشرع، يستنفد فيه غاية الوسع، يجوب آفافه، ويتتبع أعماقه، ويضبط أصوله، ويحكم فصوله، ويلخص ما هو منه أو يؤول إليه، ويفي بدفع الاعتراضات عليه، حتى يكون لأهل ذلك العلم كالحصن المشيد، والذخر العتيد، يستندون فيه إلي أقواله، ويحتذون على مثاله.
 
فلما أردت أن أختار لنفسي، وأنظر في علم أعد أنواره لظلم رمسي، سبرتها بالتنويع والتقسيم، وعلمت أن شرف العلم على قدر شرف المعلوم، فوجدت أمتنها حبالاً، وأرسخها جبالا، وأجملها آثارا، وأسطعها أنوارا، علم كتاب الله جلت قدرته، وتقدست أسماؤه الذي {لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت:42] الذي استقل بالسنة والفرض، ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض، هو العلم الذي جعل للشرع قواماً، واستعمل سائر المعارف خدامًا، منه تأخذ مبادئها، وبه تعتبر نواشئها، فما وافقه منها نصع، وما خالفه رُفِضَ ودُفِع، فهو عنصرها النمير، وسراجها الوهاج وقمرها المنير، وأيقنت أنه أعظم العلوم تقريباً إلى الله تعالى، وتخليصاً للنيات، ونهياً عن الباطل وحضاً على الصالحات، إذ ليس من علوم الدنيا فيحتل حامله من منازلها صيداً، ويمشي في التلطف لها رويدًا، ورجوت أن الله تعالى يحرم على النار فكراً عَمَرَتهُ –أكثر عمره– معانيه، ولساناً مرن على آياته مثانيه، ونفساً ميزت براعة وصفه مباهيه، وجالت سومها في ميادينه ومغانيه، فثنيت إليه عنان النظر، وأقطعته جانب الفكر، وجعلته فائدة العمر، وما ونيت -عَلِمَ الله- إلا عن ضرورة بحسب ما يلم في هذه الدار من شغوب، ويمس من لغوب، أو بحسب تعهدِ نصيبٍ من سائرِ المعارف”.
 
إلى أن قال: “وأنا أسأل الله – جلت قدرته – أن يجعل ذلك كله لوجهه، وأن يبارك فيه، وينفع به، وأنا وإن كنت من المقصرين، فقد ذكرت في هذا الكتاب كثيراً من علم التفسير، وحملت خواطري فيه على التعب الخطير، وعمرت به زمني، واستفرغت فيه مُنَّتِي، إذ كتاب الله تعالى لا ينفذ إلا بتصريف جميع العلوم فيه، وجعلته ثمرة وجودي، ونخبة مجهودي، فليستصوب للمرء اجتهاده، وليعذر في تقصيره وخطئه، وحسبنا الله ونعم الوكيل”.
 
وفي كلامه هذا نفائس كثيرة منها:
 
– أن هذا العلم من أشرف العلوم، وأنه قد اختاره رحمه الله من أجل هذا، ورأى أنه أولى العلوم بإنفاذ العمر فيه وتدبره.
 
– أن علم التفسير علم واسع، قد اتخذ كل العلوم خادمةً له، فلا بد منها للمفسر على قدر الوسع والطاقة، وبقدر التمكن في العلوم الخادمة، يفتح الله بتوفيقه ومنه وكرمه على عبده.
 
– أن طلب علم التفسير يحتاج إلى الصبر والأناة، وقضاء العمر فيه، فكل يوم يزيد في التأمل والتدبر يزيد العلم والفهم للقرآن الكريم، ولعل شهر رمضان إن شاء الله يكون محطة مناسبة لزيادة التأمل والتدبر والقراءة للقرآن الكريم، ومحاولة تقييد الفوائد والأفكار والاستنباطات التي يفتح الله بها على العبد في هذا الشهر الكريم.
 
– أن في كلام ابن عطية رحمه الله إشارة إلى التخصص في التفسير وهو علم من علوم المقاصد، وأنه لا بد للمتخصص فيه من إتقان علوم الآلة، وهذه مسألة مهمة ينبغي تدبرها والعناية بها.
 
هذه بعض الأفكار التي أردت أن أشارك بها، مع أنها مقطعة الأوصال.
وللحديث صلة إن شاء الله وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.