رأي الذهبي في بعض صور الإقراء

بسم الله الرحمن الرحيم

 
قال ابن خلكان (608-681هـ) في ترجمة العلامة علم الدين السخاوي (ت643هـ) رحمه الله: “ورأيته بدمشق والناس يزدحمون عليه في الجامع لأجل القراءة، ولا تصح لواحدٍ منهم نوبةٌ إلا بعد زمان، ورأيته مراراً راكباً بهيمةً وهو يصعد إلى جبل الصالحيين، وحوله اثنان وثلاثة، وكل واحد يقرأ ميعاده في موضع غير الآخر، والكل في دفعة واحدة، وهو يَردُّ على الجميع” (وفيات الأعيان 3/340-341)
 
قال الإمام الذهبي تعليقاً على هذا الفعل من الإمام السخاوي : ” ما علمتُ أحداً من المقرئين ترخص في إقراء اثنين فصاعداً إلا الشيخ علم الدين، وفي النفس من صحّة تحمل الرواية على هذا الفعل شيءٌ ؛ فإن الله تعالى ما جعل لرجل من قلبين في جوفه.
ولا ريب في أن هذا العمل خلاف السنة ؛ لأن الله تعالى يقول: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} [الأعراف204]. فإذا كان هذا يتلو في سورةٍ، وهذا في سورةٍ، وهذا في سورةٍ في آنٍ واحدٍ ففيه جملة مفاسد:
 
أحدها: زوال بهجة القرآن عند السامعين.
وثانيها: أن كل واحد يشوش على الآخر، مع كونه مأموراً بالإنصات.
وثالثها: أن القارئ منهم لا يجوز له أن يقول: قرأت على الشيخ علم الدين وهو يسمع، ويعي ما تلوته، كما لا يسوغ للشيخ أن يقول لكل فرد منهم: قرأ علي فلان القرآن جميعه، وأنا منصت لقراءته، فما هذا في قوى البشر، بل هذا مقام الربوبية، كما قالت أم المؤمنين عائشة: “سبحان من وسع سمعه الأصوات”. وإنما يصحح تحملهم، والحالة هذه إجازة الشيخ لهم، ولكن تصير الرواية بالتلاوة إجازة لا سماعاً، من كل وجهٍ”. (معرفة القراء الكبار للذهبي 3/1090-1091، وفي تاريخ الإسلام 10/329 باختصار).
 
قال الإمام محمد بن الجزري (ت833هـ) معقباً على كلام الإمام الذهبي: “بل في النفس مما قاله الذهبي شيءٌ. ألم يسمع: وهو يرد على الجميع؟! مع أن السخاوي لا نشك في ولايته، وقد أخبرني جماعة من الشيوخ الذين أدركتهم عن شيوخهم أن بعض الجن كان يقرأ عليه، وقضيته التي حكاها العدل شمس الدين محمد بن إبراهيم الجزري في تاريخه مع تلميذه في حق جاريته معروفة ذكرتها في الطبقات الكبرى تدل على مقداره” (غاية النهاية في طبقات القراء 1/570).