سلامٌ على محمد الهرفلي

بسم الله الرحمن الرحيم

أخبرني الإخوة من إدارة التعليم في مدينة النماص أَنَّ أستاذي النبيل محمد بن علي الهرفلي البكري الشهري سيتقاعد؟ فتساءلت: وهل يتقاعد المعلِّمُ والمُربي؟! ورجعت بي الذاكرة أربعة وثلاثين عاماً عندما كنت طالباً في الابتدائية، عندما تولى إدارة المدرسة الأستاذ محمد بن علي الهرفلي خلفاً للأستاذ فراج بن علي العسبلي، فسعدت بذلك كثيراً، وزاد من سعادتي أنه كان يقوم خطيباً يوم الجمعة، فارتبط في ذهني خطيب الجمعة بمدير المدرسة، حتى ظننتُ أنَّ مديرَ المدرسة لا بُدَّ أن يكون مع ذلك خطيباً للجمعة! ثم مضت السنوات في المراحل التالية كأحلى ما تكون السنوات، وكانت حافلةً بِمَعاني التربية الجادة، والتعليم الصادق، الذي يُمزَجُ فيه تلقينُ العلمِ وتدريسه، بالأدب والتربية فلا يطغى أحدهما على الآخر، فتخرَّجَ على يديهِ ويدي أمثاله من أساتذتنا النبلاء، ومدرسينا الفضلاء عددٌ كبير من الطلبةِ الذين يَحفظون لهم الجميلَ، ويذكرون لهم الفضلَ، ممن سبقوني وممن جاءوا بعدي من الزملاء، فقد بقي الأستاذ محمد مديراً للمدرسة الخالدية مدةً طويلة.

وكغيري من الطلابِ الذين أحسن إليهم الأستاذ محمد الهرفلي -أحسن الله إليه- أتذكر مواقفَ نَبيلةً، وأيادٍ بيضاء له عليَّ، أَعُدُّ منها ولا أُعدِّدُها، كما قال المتنبي :

لَهُ أَيادٍ إِلَيَّ سابِقَةٌ *** أُعَدُّ مِنها وَلا أُعَدِّدُها

وأكتفي بثلاثة مواقف، لا زالت عالقة في ذاكرتي، أعدها من أجمل الذكريات التربوية والتعليمية في آن :
الأول: كنت واقفاً في طابور الصباح وأنا في السنة الرابعة، وانتهينا من أداء التمارين الرياضية، ثم أنصتنا لاستماع فقرات الإذاعة الصباحية، والأستاذ محمد يمر بين الصفوف، ويتفقد الطلاب، وأنا منشغل بالاستماع للإذاعة، وإذا بيد الأستاذ محمد الهرفلي تمتد برفق وتسحبني للذهاب إلى مكان الإذاعة، فخفتُ وتلكأَتُ عن الذهاب خوفاً من العقاب، وظننت أنني قد أسأت في وقوفي، أو فعلت ما أستحق عليه العقاب، حيث لم أعهد مَنْ يُذهَبُ به لذلك المكان إِلا للعقابِ، وهو -حفظه الله- يضحك ويسحبني، وأنا أقاومه حتى كاد ثوبي يتقطع من الخوف، فطمأنني أَنَّه إِنَّمَا يريد أن يُكرِّمَني لِنَظافةِ ثوبي أمام الطلاب؛ حتى يكون ذلك مكاناً للقدوة والأسوة!

ولا أشك أَنَّ الأستاذ محمد قد نسي هذا الموقف لكثرة ما مر به من المواقف مع طلابه، وأما أنا فلم أنسه، ولا زلت أتذكره، وأدعو له بِخَيرٍ على حرصه على تربيتنا وتعليمنا بكل وسيلةٍ، وقد وقع مني ذلك الموقف موقعاً، جعلني أحرص على نظافة ملبسي كلما ذهبت للمدرسة، في وقتٍ كانَ بقاءُ الثوب نظيفاً من الصعوبة بِمَكانٍ لكثرة المُشاجراتِ بين الطلاب.

الثاني: كعادة الطلاب الصغار، تشاجرتُ يوماً مع أحد الزملاء في الفصل، فاحتدم الشجارُ حتى جُرحَ زميلي، فاضطرب الطلاب، وعَلَت الأصواتُ، فبلغ الخَبَرُ للأستاذ محمد الهرفلي مدير المدرسة، فجاء إلى الفصل، ولم يكن الأمر بحاجة إلى سؤالٍ عن المخطئ، فقد كان زميلي يبكي، وآثارُ الجراح باديةً عليه، وأنا أترقب العقاب! فما كان من الأستاذ محمد إلا أَنْ هدَّأَ من روع زميلي، وأخذنا إلى مكتبه معاً، ثم نصحنا نصيحة أبوية صادقةً بعدم العودة، وأن المدرسة ليست للمشاجرات والمخاصمات وإِنَّمَا هي للتعليم والتربية، وأصلح بيننا فرضي صاحبي، وظننت أن الأمر قد انتهى فحمدت الله على السلامة، ولكن الأستاذ محمد ضحك، وقال بقيت مسألة مهمةٌ، وهي جزء من الصلحِ بينكما، ثُمَّ تناول العصا من تحت مكتبه وبدأ بي فأعطاني بِهَا ما فَتَحَ الله عليه به، حتى ذهبت وساوس الشيطان من صدري. وظنَّ صاحبي أَنَّ العقابَ لي وحدي، حيث كان هو المتضرر من المشاجرة، فلم يكترث للأمر، ولم يكره ما أصابني. فالتفت إليه الأستاذ مُحمد الهرفلي وهو يضحك، وقال: بقي نصيبُك! ولم يكن هناك وقت للتملص، فقد عاجله الأستاذ محمد بما تيسر، ثم انصرفنا أنا وإياه بأحسن حال، ولا زلت أتذكر ذلك الموقف حتى اليوم، وأقول: جزى الله الأستاذ محمد خيراً على حسن تربيته، فقد أحسن مزج الثواب بالعقاب، فكان لها أبلغ الأثر في نفوس الطلاب، فقد كففنا عن المشاجرات بعدها، وعرفنا أن المدرسة للتربية والتعليم فحسب، ورحم الله تلك العصا، فقد كثرت شكوى المعلمين من قلة مبالاة الطلاب، وعدم اكتراثهم بعد أن رفعت العصا، ومنع استعمالُها في المدارس، واستعمال العصا في مكانها من وسائل التربية التي لا غناء عنها، ولو كَرِهَ ذلك مَنْ كَرِه.

الثالث: جئتُ يوماً إلى أستاذي الكريم أستأذنه أن أخطب بالناس يوم الجمعة بعد أن تخرجت من الثانوية والتحقت بكلية الشريعة، ولم أكن خطبتُ الجمعةَ قبلَها في مسجد جامع، فوافق ولم يردني، ودعا لي بخير، وكنت أخشى أن يردني معتذراً بصغر سني، وقلة خبرتي بمثل هذه المواقف فوطنت نفسي على هذا، فلما وافق فتح لي باباً لم أعهده، وهو مواجهة الناس في يوم الجمعة وهو موقف مهيب يعرفه من جربه لأول وهلة، ولا سيما أنه المسجد الذي يصلي فيه جَميع القبيلة، فأعددت للأمر عدته، وتوكلت على الله وخطبت تلك الخطبة، وتجاوزت تلك الخطبة بسلام، ولا زلت أجني ثمرة تفضله علي بالموافقة حتى اليوم ولله الحمد، فلو لم يوافق لربما أعرضت عن الأمر بالكلية، وحُرِمْتُ من خَيْرٍ عظيمٍ.

** ** **

وأحب أن تبلغوا أستاذي الكريم أبا ظافر أن جهده في تعليمنا لم يذهب سدى، وأنَّ ما تعب من أجله قد تحقق بتوفيق الله، ورحم الله شوقي عندما قال :

أَرأَيتَ أَعظمَ أو أَجَلَّ من الذي *** يَبْنِي ويُنشئُ أَنفُسَاً وعُقُولاً؟

ونحن نقول: لم نر أعظمَ وأَجَلَّ منه، فالمعلِّمُ الموفقُ هو الذي يتخرَّجُ على يديه سواه، بل حتى المعلِّمُ الناجحُ ثَمرةُ مُعلمٍ ناجحٍ أيضاً ولا تَزِدْ. وما بُعثَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلا مُعَلِّمَاً للخَيْرِ، كما قال الله: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة:129]،ونحوها في آل عمران [164]، والجمعة [2]، وهذا فَخْرٌ لكلِّ معلِّمٍ مُحتسبٍ، يسير على هدى من الله في تعليمه وتربيته، ودع عنك مَنْ يُهوِّنُ من شأن المعلِّم فينا، فهو لم يدر ما الخَبَر، وما أحوجه إلى مُعلِّم، وما أحوج أمتنا الإسلامية في هذه المرحلة إلى معلِّمٍ صادقٍ يُحسنُ التعليم والتربية كالأستاذ محمد الهرفلي، فما تأخرت أمتنا في ميادين كثيرة إلا بسبب التأخر في التعليم والتربية، وما تقدمت الأمم علينا إلا لتقدمها في هذا الأمر، وفطنة القائمين عليها إلى أهميته، نسأل الله أن ييسر لأمتنا أمراً رشداً، وأن يوفق القائمين على التعليم فيها لما ينفعها في الدنيا والآخرة.

بارك الله في الأستاذ محمد الهرفلي، وفي جميع أساتذتنا الفضلاء، وجزاهم الله عنا خير الجزاء، فقد كانوا لنا نعم الأساتذة، ومن صَنَعَ مثلَ صنيعهم، وعَلَّمَ مثل تعليمهم، فما تقاعد، وإنما يَمتدُّ تعليمه وتربيته في تلاميذه وطلابه الذين سعى في تعليمهم وتربيتهم، ومَنْ كانت هذه حالهُ، لم يُقَل عنهُ: تقاعدْ.

هذه كلمةٌ صادقةٌ من تلميذٍ مقصر، في حق أستاذه صاحب الفضل، وهذا شيء من الوفاء بحقه، وجزاؤه الأكبر مدخر له عند الله يوم لا ينفع مال ولا بنون إلآ من أتى الله بقلب سليم.