شَمِرُ بنُ حَمْدَويَه وكتابه (الجيم) وعنايته بتفسير السلف

بسم الله الرحمن الرحيم

 
ذكر الإمامُ أبو منصور الأزهري (ت370هـ) في مقدمته لكتابه (تهذيب اللغة) طبقات علماء اللغة الذين أُخذتْ عنهم اللغةُ، فذكر منهم أبا عمرو شَمِرَ بنَ حَمدَويهِ الهرويَّ (ت255هـ)، وذَكَرَ أَنَّهُ كانت له عنايةٌ صادقةٌ بعلم اللغة، ورحلَ من أجل ذلك إلى الأقاليم. إلى أن قال في ترجمتهِ: “ولَمَّا ألقى عصاه بِهراةَ أَلَّف كتاباً كبيراً في اللغات أَسَّسه على الحروف المعجمةِ، وابتدأ بحرفِ الجيم، فيما أخبرني أبو بكر الإيادي وغيره ممن لقيه، فأَشبعهُ وجَوَّدَهُ، إِلا أنه طَوَّلَهُ بالشواهدِ والشعرِ والرواياتِ الجَمَّةِ عن أئمةِ اللغة وغيرهم من المُحدثين، وأَودَعهُ من تفسير القرآنِ بالرواياتِ عن المفسرينَ، ومن تفسير غريبِ الحديثِ أشياءَ لم يسبقهُ إلى مثلهِ أحدٌ تقدَّمه، ولا أَدركَ شأوهُ فيه مَن بعدهِ” (التهذيب 1/25).
 
غير أَنَّ أبا عمرو شَمرَ بن حَمدَويه كان ضنيناً بكتابهِ هذا، فلم يأذن لأحد قطُّ بنسخه حرصاً عليه، وحباً له. قال الأزهري في ذلك: “ولَمَّا أكملَ الكتابَ ضَنَّ به في حياته ولم يُنْسِخْهُ طُلابَهُ، فلم يُبارَك له فيما فعله حتى مضى لسبيلهِ، فاختزلَ بعضُ أقاربه ذلك الكتابَ من تركته، واتصل بيعقوب بن الليث السجزي، فقلَّدهُ بعضَ أعماله واستصحبه إلى فارس ونواحيها، وكان لا يفارقه ذلك الكتابُ في سَفرٍ ولا حَضرٍ. ولَمَّا أناخَ يعقوبُ بنُ الليث بسيب بني ماوان من أرض السوادِ وحَطَّ بِها سواده، وركب في جماعةِ المقاتلة من عسكره مقدراً لقاء الموفق وأصحاب السلطان، فجر الماء من النهروان إلى معسكره، فَغَرِقَ ذلك الكتابُ في جُملةِ ما غَرِقَ مِن سواد العسكر !
ورأيت أنا -والكلام للأزهري- من أول ذلك الكتابِ تفاريقَ أَجزاءٍ بِخطِّ محمد بن قسورة، فتصفحتُ أبوابَها فوجدتُها على غايةِ الكمال، واللهُ يغفر لأبي عمرو ويتغمد زلته، والضَّنُّ بالعلم غَيرُ مَحمودٍ ولا مُباركٍ فيهِ”. أهـ كلام الأزهري.
 

وقبل أن يترجم الأزهري لأبي عمرو شمر بن حمدويه، كان قد ذكر من طبقات اللغويين السابقين له أبا عمرو الشيباني إسحاق بن مرار العالم الراوية المشهور المتوفى سنة 213هـ تقريباً. صاحب كتاب (الجيم) في اللغة، فذكره وصحف اسمه فقال: “إسحاق بن مراد”. بالدال، ولم يذكر له من المصنفات إلا كتاب النوادر، وأغفل ذكر كتاب الجيم. وقد ذكر ياقوت الحموي أن الأزهري أخطأ في اسم أبيه عندما سماه مراد وإنما هو مِرَار. وقد حاول القفطي أن يطعن في ما ذكره الأزهري في التهذيب من تصنيف أبي عمرو شمر بن حمدويه الهروي لكتاب الجيم، وزعم أنه لأبي عمرو الشيباني وليس لشمر بن حمدويه، واستدل بـ:
 
الأول: أن الأزهري أخطأ في اسم أبي عمرو الشيباني مع شهرته.
الثاني: أنه لم يذكر له من الكتب إلا كتاب النوادر مع شهرة كتاب الجيم.
الثالث: أن الأزهري قد خرج من قولته بزعمه أن الكتاب قد غرق، ولم يبق منه شيء.
 
يقول القفطي في ترجمة أبي منصور الأزهري في باب الكنى لشهرته بكنيته. في إنباه الرواة 4/178. قال: “وشرع في تصنيف كتابه المسمى بـ(تهذيب اللغة) وأَعانَهُ في جَمعهِ كثرة ما صنف بخراسان من هذا الشأن في ذلك الوقت وقبله بيسير، كتصنيف أبي تراب وأبي الأزهر، وغيرهما مما اعتمده الجمع الكثير. وكان رحمه الله مع الرواية، كثير الأخذ من الصحف، وعاب هذه العلة على غيره في مقدمة كتابه، ووقع فيها، والدليل على ذلك أنه لما ذكر أبا عمرو الشيباني في مقدمة كتابه، قال: “هو إسحاق بن مراد، فصحف مراداً، وإنما هو مرار، بإجماع نقلة العلم، ولم يذكر له إلا كتاب النوادر، وذكر رجلاً آخر اسمه أبو عمرو الهروي، ونسب إليه كتاب الجيم، وإنما الجيم لأبي عمرو إسحاق بن مرار، وهو كتاب مشهور”.

ثم قال: “إن أبا عمرو سماه الجيم، وبدأ فيه بحرف الجيم، وهذا غلط فاحش وإنما بدأ فيه بالألف على ترتيب حروف المعجم، وسَمَّاهُ الجيمَ لِسرٍّ خَفِيٍّ تشهدُ عليه مقدمةُ الكتابِ، ولقد بلغني أَنَّ أولاد الرؤساء بمصر، سألوا ابنَ القَطَّاعِ اللغويَّ الصقليَّ عند تكرارهم إليه بحلقته عن السبب الموجب لتسمية الكتابِ بالجيم، وأوله الألف”، فقال: مَنْ أرادَ علمَ ذلك فليعطني مائةَ دينارٍ لأعلمهُ به، فما في الجماعة مَنْ تَكَلَّمَ بعد ذلك”.
 
ثم قال القفطي: “ولما وَهِمَ أبو منصور رحمه الله في نسبة هذا الكتاب إلى شَمِر، وغلط في ترتيب حروفهِ، وأَحسَّ من نفسه أَنَّه ليس على حقيقةٍ مِمَّا ذَكَرَهُ، فتحمَّل حديثاً طويلاً آخره، عُدْمُ الكتابِ المذكورِ بالغَرَقِ، تَجاوزَ الله عنا وعنه”.
 
ولما عوتبَ القفطيُّ في قوله هذا من بعض طلاب العلم، وقال له: إنه يحتمل أن يكون هذا الاسم قد أطلق على الكتابين، فقال القفطي: “الذي يبعد الاحتمال أنه لو كان ذكر في ترجمة أبي عمرو إسحاق بن مرار كتابه الجيم، كان ذَكَرَ ذلك لِشَمِر بن حَمدويه، وما عَلِمَ أَنَّ لإسحاق كتاباً اسمه الجيم، فقد وَهِمَ من أبي عمرو إسحاق إلى أبي عمرو شَمِر، وهذا ظاهرٌ يشهدُ لنفسهِ”. انتهى كلام القفطي.
 
وكتاب أبي عمرو شَمِر بن حَمدويه يُعَدُّ عند الدارسين -على الرغم من ضياعه- من أول الكتب اللغوية التي عنيت بأقوال المفسرين من السلف، وأكثرت من الاستشهاد بالشعر على ذلك، يقول الدكتور مساعد الطيار: “ويظهر أن أبا عمرو – أَي شَمِر بن حَمْدَوَيْه – وأبا إسحاق الحربي من أكثر اللغويين اعتناءً بأقوال المفسرين، ونقلها في دلالة ألفاظ اللغة، والله أعلم”. التفسير اللغوي 437 الحاشية رقم 2 قال ذلك اعتماداً على ما نقله الأزهري في تهذيب اللغة.
 
وكتاب الجيم الذي نسبه الأزهري لِشَمِر بن حَمدَويه، قد دارَ حول نسبتهِ جدل قديم – كما تقدم وسيأتي – حيث نسبه الأزهريُّ لشَمِر بن حَمدويه، في حين نسبه القفطي لأبي عمرو الشيباني فحسب، ونفى أن يكون لشمر بن حمدويه كتاب بهذا الاسم.
 
وقد أفاض الدكتور حازم سعيد يونس في هذا الموضوع في دراسته وجمعه لمرويات شمر بن حمدويه اللغوية.
 
فقال عند حديثه عن مؤلفات شَمِر بن حَمدَويه: “الجيم: دار جَدَلٌ في حقيقة هذا الكتاب قديماً وحديثاً، والأزهري من أوائل اللغويين الذين ذكروه، وأشاروا إلى قصته في مقدمة التهذيب” ثم نقل كلام الأزهري السابق.
 
ثم قال: “وكان كلامُ الأزهريِّ هذا أساساً لكلِّ مَن تَرجَموا لِشَمر بعدَهُ، وذكروا هذا الكتاب، ولم يزد أحدٌ منهم عليه شيئاً غير اختصاره أو إعادة ترتيبه من جديد، كابن الأنباري (ت557هـ) (1)، وياقوت الحموي (ت622هـ)(2)، والقفطي (ت646هـ) (3)،والفيروزأبادي(ت817هـ) (4)، والسيوطي(ت911هـ) (5)، وحاجي خليفة (ت1036هـ) (6). قلتُ: والصفدي (7).
 
وقد ذكر القفطي أن الجيم لأبي عمرو الشيباني، لا لأبي عمرو شمر بن حمدويه، وأنه قد اشتبه الأمر على الأزهري لاتفاق كنية الرجلين. وقد أيد الدكتور رشيد العبيدي -وهو باحث عراقي درس في رسالته للدكتوراه منهج الأزهري في تهذيب اللغة، وهو الذي أخرج المستدرك على التهذيب في طبعته المحققه – دعوى القفطي، ودافع عنها، ورأى أنها التفاتةٌ بارعةٌ وذكيةٌ منه، وأنها الحقيقة التي لم ينتبه لها الدارسون، فلو كان لشمر كتاب باسم الجيم، لتردد ذكره في كتب اللغة، فالأزهري لم يورد منه شيئاً في أي مادة لغوية فسرها خلال التهذيب، بل ذكره في كتب أخرى، وهذا مما يدل على أنَّ نِسبتَه إلى شَمِر من قبيل الوهم (8).
 
ومع هذ فقد نسب بعض المحدثين الكتاب إلى شمر، ومنهم:
بروكلمان(9)، والزركلي(10)، وعمر رضا كحالة(11)، وفرنرديم، الذي ذكر أن شمراً تأثر بعنوان كتابه، وربما بمادته أيضاً بالشيباني وابن شميل، لأنه درس على أساتذة كانوا من طبقتهم، وأنه كان مرتباً ترتيباً أبجدياً، ومنهم الدكتور عبدالحميد الشلقاني، الذي ذهب إلى أبعد من المتابعة، فدافع عن حقيقة الكتاب بقوله: “لولا شهادة العيان هذه لساورنا شك في هذا الكتاب الذي يتشابه اسمه مع كتاب آخر لأبي عمرو الشيباني” (12).
 
انظر: مرويات شمر بن حمدويه اللغوية (المتوفى 255هـ) للدكتور حازم سعيد يونس البياتي، نشر مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي، الطبعة الأولى من صفحة 25- 27
 
غير أن الذي يقرأ كتاب الجيم لأبي عمرو الشيباني رحمه الله، لا يجد فيه ما ذكره الأزهري في كتاب أبي عمرو شمر بن حمدويه من العناية بتفاسير السلف للقرآن الكريم، وإن كان كثير الاستشهاد بالشعر في معجمه، بل إن مفردات معجمه منتزعة من شواهد الشعر الذي حفظه عن قبائل العرب، التي جمع أشعار ثمانين قبيلة منها.
 
ثم إن الدليل الذي استند له ياقوت الحموي ومن بعده القفطي وهو أن الأزهري أخطأ في كتابة اسم أبي عمرو الشيباني، فكتبه بالدال (مراد) ولم يكتبه (مرار)، ففي رأيي أنه أمر قد يقع فيه اللبس في الخط، لتقارب الحرفين في الرسم في خط الكثير من الناس، وليس دليلاً قاطعاً على أن الأزهري يجهل اسم أبي عمرو الشيباني، ولو كان الأزهري ضبط الاسم بالحروف لكان يمكن أن يصلح حجة للحموي والقفطي.
 
ثم إن الأزهريَّ صرَّحَ أَنَّه قدر رأى تفاريق من الكتاب بعينه، وأنه وجده بالصفة التي ذكرها، ثم ما هي المصلحة التي يرجوها الأزهري على فضله وسعة علمه باللغة باختلاق مثل هذا الكتاب، ونسبته لأبي عمرو شَمِر بن حَمْدَويه، إن لم يكن رآه بعينه.
 
وقد عجبتُ من تأييد الدكتور العُبيديِّ لرأي القفطي، لمجرد عدم نقل الأزهري من هذا الكتاب في التهذيب، فربما يكون قد نقل منه ولم يصرح باسمه أو اسم مؤلفه شمر بن حمدويه، وهذا كثير في التهذيب وغيره.
 
وقد أعجبني ما ذهب إليه الأستاذ إبراهيم الأبياري محقق كتاب الجيم لأبي عمرو الشيباني من الاعتذار لشمر بن حمدويه في عدم السماح بانتساخ كتابه حيث قال: “وما نظن شمر بن حمدويه كان ضنيناً به كما يقولون، ولكن الذي نظنه أن الكتاب لم يكن قد استوى الاستواء الأخير، من أجل هذا كان حرص شمر على ألا يرويه عنه أحد حتى يتم، ثم فسر هذا على أنه ضن منه به”. الجيم للشيباني 1/42 من التقديم.
 
أهدي هذه اللفتة إلى أخي العزيز الدكتور مساعد الطيار وفقه الله لعنايته بالتفسير اللغوي للقرآن الكريم، ومعرفته الواسعة بمعاجم اللغة، وعناية مؤلفيها بتفسير القرآن الكريم، ومنه استفدنا كثيراً من العلم. وأنتظر تعقيبه وتصويبه لما تقدم.
–الحواشي —
(1) نزهة الألباء 151
(2) معجم الأدباء 11/275
(3) إنباه الرواة 2/77
(4) البلغة في تاريخ أئمة اللغة 95
(5) بغية الوعاة 2/4-5
(6) كشف الظنون 2/1410
(7) الوافي بالوفيات 9/125
(8) انظر: مشكلات في التأليف اللغوي لرشيد العبيدي 100 وما بعدها.
(9) تاريخ الأدب العربي 2/201-202
(10) الأعلام 3/253
(11) معجم المؤلفين 4/306
(12) دراسة في المعاجم العربية 44