عرض كتاب (المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم) للدكتور محمد حسن حسن جبل

بسم الله الرحمن الرحيم

 
صدر عن مكتبة الآداب بالقاهرة الطبعة الأولى(1432هـ) من كتاب(المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم) مؤصل ببيان العلاقات بين ألفاظ القرآن الكريم بأصواتها وبين معانيها، تأليف الأستاذ الدكتور محمد حسن حسن جبل أستاذ أصول اللغة بجامعة الأزهر.
 
وقد صدر في أربعة مجلدات رُقِّمت ترقيماً متواصلاً، فبلغ مجموع الصفحات 2415صفحة من القطع العادي.
 
وقد أهداه مؤلفه إلى السادة علماء تفسير القرآن الكريم ودارسيه وأهل القرآن عامة، وأصله رسالة تقدم بها المؤلف لنيل درجة الدكتوراه أشرف عليها الأستاذ الدكتور إبراهيم محمد نجا، وناقشها معه الأستاذ الدكتور إبراهيم بسيوني والأستاذ الدكتور عبدالصبور شاهين رحمهم الله جميعاً. وقد بلغني أن المؤلف الدكتور محمد حسن حسن جبل زادت سنه اليوم عن الثمانين عاماً بقليل أسأل الله أن يمد في عمره على طاعته، فمؤلفاته قيمة وجدير بطالب العلم أن يطلع عليها وينتفع بها.
 
طبيعة الكتاب:
هذا الكتاب(معجم اشتقاقي مؤصل لمعاني ألفاظ القرآن الكريم)، يعتبر من أجود الأعمال التي قدمت خدمة لمفردات القرآن الكريم حتى اليوم -حسب اطلاعي-، فقد اشتمل على:
1- بيان المعنى المحوري العام لكل من التراكيب (=المواد اللغوية) القرآنية وفصولها المعجمية، حيث تعرض لنحو 2300 تركيب، منها نحو 1700 هي التراكيب التي بنيت منها ألفاظ القرآن الكريم.
2- تفسير كل من ألفاظ القرآن الكريم في سياقاتها القرآنية تفسيراً موثقاً من معاجم اللغة وتفاسير القرآن الكريم المشهورة.
3- بيان اشتقاق كل من ألفاظ تلك التراكيب: قرآنية أو لغوية غير قرآنية.
4- بيان المعنى المشترك بين معاني تراكيب (:مواد) كل فصل معجمي في هذا المعجم، وقد جاءت في 367 فصلاً معجمياً.
5- بيان المعنى اللغوي لكل من الأصوات (=الحروف الألفبائية) التي تتكون منها كل التراكيب في هذا المعجم مطبقة في المعنى المحوري لكل تركيب، وقد بلغت 397 تحليلاً صوتياً.
6- ذخيرة من العلاقات الاشتقاقية الراشدة، لم تجتمع في أي كتاب من قبل.
7- موسوعة تطبيقية في أهم جوانب فقه اللغة العربية.
 
والمقصود الذي قصده المؤلف بإخراجه على هذه الصورة الاشتقاقية هو تقديم تفسير لمفردات القرآن الكريم موثق مؤصل، لأن الاشتقاق هو أكمل الطرق في تعريف مدلولات الألفاظ، وذلك حسماً للتردد الذي يقع فيه دارس تفسير القرآن الكريم أو الباحث في مفرداته عندما يواجه بأن هناك أقوالاً كثيرة في بيان معنى المفردة القرآنية.
 
ولو أردتُ الاستيفاء في عرض هذا الكتاب النفيس فسوف يضيق الوقت، وبحسبي في هذه المرة أن أدل إخواني الباحثين على قيمة هذا الكتاب وأوصيهم بقراءته، فقد بذل فيه مؤلفه جهداً مشكوراً، وأودع فيه خلاصة خبرته وتدريسه لهذا العلم طيلة سنوات طويلة، وأودع فيه خلاصة علوم الأولين الذين أبدعوا في بيان المفردات اللغوية كابن فارس وابن جني وأمثالهما ممن عني بالدراسات المعجمية، وقد نجح المؤلف في توظيف علوم السلف من اللغويين والمفسرين والجمع بينها، والاستدراك عليها بعلم وأدب، وسيكون لهذا الكتاب شأن إن شاء الله لدى الدارسين.
 

هذا مثال عشوائي اخترته من المعجم ليكون مثالاً:
 
الباء والثاء وما يثلثهما
(بثث – بثبث):
{الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء:1].
 
(تمر ٌبَثٌّ: منثورٌ متفرقٌ ليس في جرابٍ ولا وعاء. بثَّ الخيلَ في الغارة، وبثَّ الصياد ُكلابَه. وبثَّ الخبرَ وأَبَثَّهُ فانبَثَّ: فرَّقَهُ فتفرَّقَ ونشره. وانبثَّ الجرادُ في الأرض: انتشرَ. بَثْبَثَ الترابَ: استثارَهُ وكَشَفَه عما تحته).
 
* المعنى المحوري: نشر ما كان مجتمعاً منضماً وتفريقه (1): كالتمر وسائر ما ذكر، {وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا . فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا} [الواقعة:5-6] غباراً منتشراً. {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ} [القارعة:4]، {وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} [البقرة:164] أي فرَّق ونَشَر “وكلمة دابة تجمع الحيوان كله، ومنه الطير” (قر 2/196 بتصرف)، ومثلها ما في [لقمان 10، والشورى 29، الجاثية 4]، {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء:1] فرَّق ونشر في الأرض [قر 5/2]، وكأن كثيراً صفة مؤكدة، فإن الكثرة من لوازم النشر في المعنى الأصلي {وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} [الغاشية:16]، كثيرة منتشرة. والبث: الحزن والغم والمرض الشديد المجتمع في النفس الذي يضطر صاحبه من شدته إلى أن يفضي به إلى أصحابه.
 
وهذا (الإفضاء) بث ونشر (والعامة تقول: فضفض). {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف:86]: “حقيقة البث في اللغة ما يرد على الإنسان من الأشياء المهلكة التي لا يتهيأ له أن يخفيها. وهو من بثثته، أي فرقته، فسميت المصيبة بثاً مجازاً” أ.هـ.(قر 9/251). والخلاصة أن البث هنا هو الحزن المبثوث. وهو يشكو إلى الله، أي رفع هذا الأمر أي سببه، أو أنه يشكو إلى الله أنه يبث ولا يستطيع أن يكظم، كأنما يطلب المعونة على الكظم.
 
المعجم المؤصل لألفاظ القرآن الكريم لمحمد حسن حسن جبل 1/71-72
 

الحواشي:
(1) صوتياً: الباء لتجمع الشيء وتلاصقه، والثاء تعبر عن انتشار الشيء متفرقاً، والفصل مهما يعبر عن نشرٍ (وتفريق) لما كان مجتمعاً منضماً، أو متوقفاً، أو الأصل فيه أ يكون كذلك كالتمر البث، وبث الخيل والكلاب.
 
ملحوظة:
بيان الرموز (قر = تفسير القرطبي).