عرض لبعض كتب التفسير المهمة للمتقدمين

بسم الله الرحمن الرحيم

 

عرضت في موضوعين سابقين بعض الكتب التي تناسب المبتدئ من الكتب المختصرة، ذات العبارة السهلة القريبة، وعرضت في مشاركة أخرى بعض الكتب التي تلي هذه الكتب من التي تناسب القارئ المتوسط الذي حصل قدراً من علم التفسير يؤهله لفهم عبارات تلك الكتب ومصطلحاتها. وفي هذا الموضوع أشير إلى بعض الكتب المطولة، التي تناسب الباحث الراغب في الاستزادة من دقائق كلام المفسرين في تفسير القرآن الكريم، ولست أكتب هذه المقالة للمتخصصين فهم أعلم بهذه المصادر والكتب مني، ولكنني لمستُ من خلال كثرة الأسئلة التي تردني من الناس في التفسير من تخصصات مختلفة شرعية وغيرها أنه لا يكفيهم في استفساراتهم إلا الرجوع لهذه المطولات، والقراءة فيها للوصول إلى أجوبة أسئلتهم الدقيقة في التفسير، سواء كانت هذه الأسئلة في لغة القرآن أو إعرابه، أو الأحكام الفقهية التي اشتملت عليها بعض آياته، أو بلاغة الآيات ولطائفها. فقد لمست أن هؤلاء مع عدم انقطاعهم لعلم التفسير وكتبه إلا أن لديهم من الرغبة والجدية العلمية ما يؤهلهم لقراءة هذه الكتب لو عرفوا مميزاتها وأوجه تفردها وعمقها.
 
من أجل ذلك قررت أن أكتب في هذه المشاركة ما ييسره الله من مصادر التفسير المطبوعة المهمة التي لا يستغني عنها الباحث في التفسير، والراغب في التوسع في دقائقه، مع الإشارة إلى ما يتميز به الكتاب بشيء من الإيجاز.
وسوف أحرص على ذكر الكتب الكاملة التي قام مؤلفها بتفسير القرآن كاملاً، ولن أتعرض لبعض الكتب التي وصلنا جزء من الكتاب كتفسير يحي بن سلام مثلا أو تفسير إسماعيل بن إسجاق القاضي أو نحو ذلك.
 
1- جامع البيان عن تفسير آي القرآن للإمام محمد بن جرير الطبري (ت310).
يعتبر هذا التفسير بحق عمدة كتب التفسير المطبوعة التي اطلعنا عليها، فهو مدرسة علمية متكاملة في علم التفسير، وقارئه ومدمن دراسته ومدارسته يكتسب مَلَكةً في التفسير لا يكاد يغنيه عنه غيره من الكتب المطولة. ومؤلفه عالم من علماء أهل السنة والجماعة الموثوقين الذين جمعوا أطراف العلوم، وتفقوا في فنونه حتى أصبح معدوداً في أهل العلم بكل هذه الفنون فهو الفقيه المفسر المحدث اللغوي المؤرخ المتفنن الثقة الثبت. وقد صنف تفسيره هذا مختصراً لعدم القدرة على استملاء الكتاب بعد عرض الأمر على طلابه. ولذلك فهذا الكتاب لا يصلح إلا كما وضعه الطبري، ولا يصلح فيه الاختصار، وإنما يبقى كما هو قمة من قمم التفسير ينبغي على طالب العلم الحرص الشديد على قراءته مرات عديدة، وعدم التململ من النظر فيه ومراجعته في كل حين، حتى يتمرس بأسلوب الإمام الطبري، ويتمهر في صناعة التفسير.
 
وهذا الكتاب يتميز بصحة منهجه وسلامته من حيث الاعتقاد، واطراد منهجه من حيث الترجيح والاختيار، ورواية أقوال السلف في التفسير بالأسانيد المتصلة للمؤلف، وغزارة مادته اللغوية وشواهده اللغوية في بيان معاني المفردات وغريب القرآن، ويتميز كذلك بوحدة المنهجية من أوله إلى آخره.
وأجود طبعاته الطبعة الكاملة التي حققها الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي ومن معه من الباحثين، وخرج في 26 مجلدًا عن دار هجر، وقد تم تصويره على هيئة إلكترونية PDF وهو غنيمة لطلاب العلم ليس هناك أثمن منها لمن أراد التحقق من علم التفسير، والرسوخ العلمي فيه. وفي ملتقى أهل التفسير الكثير من الموضوعات المتعلقة بتفسير ابن جرير الطبري لأهميته ومحوريته في كتب هذا العلم، وقد قام مركز تفسير بجمع كل ما كتب عن هذا التفسير وأصدره في كتاب خاص.
 
2- الكشاف للزمخشري (ت538هـ)
يعتبر تفسير الكشاف للزمخشري عمدة في بلاغة القرآن الكريم، واقتناص التوجيهات البلاغية في القرآن، بعبارة دقيقة رشيقة قد لا يدرك مقصودها بعض طلبة العلم المتخصصين، وهذه الميزة هي أهم ميزة فيه، وكل الذين جاؤوا بعده استفادوا منه فيها فائدة كبيرة، وبعضهم يعترف بذلك وبعضهم ينكر. ويعيبه أن مؤلفه من المعتزلة الغلاة الدعاة إلى بدعة الاعتزال بكل ما أوتي من قدرة وحيلة، ولذلك قد تفوت بعض اعتزالياته على الباحث المدقق، ولكنّ العلماء والباحثين من بعده قد نخلوه نخلاً، وكتبوا عليه الحواشي والتقارير والتنبيهات التي تنبه على مواضع الخلل فيه من حيث المعتقد، وأبرزوا ما فيه من البلاغة والبيان الذي تميز به، وكتبت كتب معاصرة في هذا الجانب أيضاً تكفي في الإفادة منه. وهو مناسب للمتقدمين من الباحثين الذين يميزون مثل هذا الخلل في كتابه، وقد كتب عنه د. محمد أبو موسى كتاباً في البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري جدير بالباحث أن يقرأه ويطلع عليه.
 
3- المحرر الوجيز لابن عطية الأندلسي (ت542هـ).
وهذا الكتاب من كتب التفسير التي يفخر بها أهل الأندلس على أهل المشرق، حفاوة بهذا الكتاب وبقيمته العلمية، ومؤلفه استفرغ عمره وجهده في تأليفه وتحريره وتنقيحه، وليس لمؤلفه من المؤلفات إلا هذا التفسير ومؤلف صغير في شيوخه والكتب التي قرأها طبع باسم (فهرس ابن عطية)، وبقية كتبه مفقودة لم تصلنا. فقد بدأ في تأليف تفسيره في صدر شبابه في حياة والده، واستمر في تصنيفه وتنقيحه حتى كبر. فلما أخرجه كان غاية المريد، وبغية المستفيد حقًا، فعبارته موجزة محررة، وفيه تظهر شخصية ابن عطية العلمية الناقدة، وفيه تدريب للقارئ على الاختيار والترجيح، ويعيبه تأويلات لابن عطية في بعض المواضع تخالف منهج أهل السنة في التعامل مع آيات الصفات، ولكن القارئ الحصيف لا تفوت عليه مثل هذه المواضع. وقد طبع مؤخرًا في دولة قطر طبعة ثانية تعد من أفضل طبعاته، وعيبها أنها توزع فقط ولا تعرض للبيع للجمهور فبقي الانتفاع بها مقصوراً على من يصل لوزارة الأوقاف القطرية ويحصل عليه منها.
 
4- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (ت671هـ)
يعتبر كتاب القرطبي في التفسير من أمهات كتب التفسير التي عنيت بالجانب الفقهي وبيان آيات الأحكام، وهو جامع للتفسير بكل جوانبه التحليلية من لغة وقراءات وبلاغة وغيرها، ولكنه أفاض في الجانب الفقهي فعرف به، وإلا فهو معلمة علمية في التفسير لا نظير لها، وهو من أعمدة كتب التفسير التي ينبغي للباحث أن يقرأها قراءة فاحصة، وأن يعود طالب العلم نفسه أن يصبر ويجتهد في ختم هذا الكتاب دراسة وقراءة ومراجعة وتفقهاً، فإنه سوف يتخرج به في علم التفسير. وقد تعب القرطبي تعباً شديداً في جمع هذا الكتاب وتحريره وترتيبه وتهذيبه، وجمع بين دفتيه لطالب العلم نفائس أقوال المفسرين ومسائلهم في تفسير القرآن. وهو مالكي المذهب كما هو معروف. وأجود طبعاته المتوفرة اليوم هي طبعة مؤسسة الرسالة التي قام على تحقيقها الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي جزاه الله خيراً ووفقه لكل خير فهو صاحب أيادٍ بيضاء على الباحثين. وهذه النسخة مصورة أيضاً على هيئة إلكترونية PDF ولله الحمد ويمكن تحميلها على الأجهزة الذكية والإفادة منها. والكلام عن مزايا هذا التفسير طويل نكتفي منه بهذا.
 
5- تفسير القرآن العظيم لابن كثير (ت774هـ).
لقي تفسير ابن كثير قبولاً كبيراً لسلامة منهج مؤلفه العقدي والعلمي، وقد تميز كتابه هذا بالعناية البالغة بتفسير القرآن بالقرآن فتفوق بهذا على التفاسير التي سبقته كالطبري وابن عطية والقرطبي وغيرها. وهذه إضافة علمية مهمة تحسب لابن كثير رحمه الله، كما تميز كذلك بعنايته بتفسير القرآن بالسنة النبوية، وحشد الأحاديث والروايات حشداً في بيان معاني الآيات، وهذه أيضاً تفرد بها بشكل ظاهر، ولو لم يكن فيه إلا هاتين المزيتين لكفتاه لكي يحظى بهذه المكانة العالية عند العلماء، وهو يعتبر أشهر كتب التفسير على الإطلاق اليوم، وعدد طبعاته كثيرة جداً، ومختصراته كثيرة جداً، وقد عرضت بعضها في الموضوع السابق. وهذا التفسير ينبغي على طالب العلم المتخصص أن يقرأه كاملاً عدة مرات، ويتفقه فيه تفقهاً تاماً، ويكرر قراءته ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. فهو من أوثق كتب التفسير وأوفاها وأحسنها. وقد كثرت طبعاته جداً، ومن أحسن الطبعات المتوفرة اليوم طبعة مكتبة أولاد الشيخ بالقاهرة التي طبعتها أيضاً دار عالم الكتب بالرياض، وهي متوفرة في المكتبات، ومتوفرة على هيئة إلكترونية أيضاً ولله الحمد. كما طبع بتحقيق د. حكمت بشير ياسين في دار ابن الجوزي وهي طبعة قيمة ولم أقرأها كلها ولكن الجزء الذي قرأته منها جيد وفيه جهد مشكور، وقد كتبت عنه دراسات كثيرة في منهجه في التفسير وفي جوانب كثيرة من جوانبه العلمية.
 
6- البحر المحيط في التفسير لأبي حيان الغرناطي (ت745هـ)
هذا التفسير مرجع علمي لمن أراد التدقيق في النحو في القرآن الكريم والإعراب والقراءات، فهو بحر محيط كما سماه مؤلفه، وهو قيد التحقق الآن في قسم التفسير في الجامعة الإسلامية وسيخرج مطبوعًا بعد فراغ الباحثين من تحقيقه، وهو معلمة علمية رائعة في التفسير التحليلي مع التميز والتفرد في جوانب اللغة والنحو خصوصاً، وكذلك القراءات وبيان معانيها. وهو في جانب تفسير آيات الأحكام مميز كذلك، غير أنه غلب عليه الجانب النحوي واشتهر به. وطبعاته المتداولة غير جيدة للأسف. ويمكن أن يستغني الباحث عنه بكتاب تلميذه السمين الحلبي (الدر المصون في علوم الكتاب المكنون) بتحقيق الدكتور أحمد الخراط، ولعلي أتوقف عنده عند ذكر كتب إعراب القرآن في موضوع قادم إن شاء الله تعالى.
 
7- الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (ت911هـ)
وهذا التفسير مهم جداً لمن يرغب في معرفة ما ورد في تفسير الآيات من الآثار عن السلف، وقد حاول السيوطي الاستيعاب وأجاد إلى حد بعيد، ولكنه لم يستوعب لقصور الجهد الفردي، ولذلك يقوم الإخوة في معهد الإمام الشاطبي الآن بصناعة مستدرك واسع على الدر المنثور يجمع كل ما لم يذكره السيوطي من الآثار والأحاديث في تفسير الآيات وأرجو أن نراه قريباً. وأجود طبعات الدر المنثور للسيوطي هي طبعة الدكتور عبدالله عبدالمحسن التركي في 17 مجلداً جزاه الله خيراً.

 

8- نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي.
وهذا الكتاب من أجود كتب التفسير التي عنيت ببيان المناسبات في السور بكل وجوهها، التناسب بين السور فيما بينها، والتناسب بين المقاطع في السورة الواحدة، وفيما بين الآيات، وقد بذل فيه مؤلفه جهداً رائعا بديعاً، وهو اجتهاد منه يشكر عليه، قد يوافق عليه وقد يختلف معه، ولكنه جهد كبير جدًا لا ينكره منصف. وللأسف أن طبعاته المتوفرة لا تليق بمكانته العلمية. فقد طبع قديمًا في حيدر أباد الدكن، وطبع مؤخرًا في دار الكتب العلمية ببيروت وهي الطبعة المتداولة.

 
9- التحرير والتنوير للعلامة محمد الطاهر بن عاشور (ت1393هـ).
هذا التفسير مع تأخر زمن مؤلفه موسوعة علمية في التفسير تضاهي تفاسير المتقدمين غزارة وعلماً وتحقيقاً وسعة، ومؤلفه عالم مدقق ذكي بارع، توجه لتأليفه بعد أن استكمل أدوات التفسير فجاء تفسيره مرآةً لعلمه الواسع، وذكائه الحاد. وقد استطاع أن يهضم تفسير الكشاف وما كتب حوله من الحواشي والتقارير ثم أودعه في كتابه هذا بعبارة صافية، وشرح وافٍ، وأودعه من مصطلحات البلاغة والبيان مع لا يقدر على فهمه إلا من أتقن تلك المصطلحات وفهمها. غير أنه يجد فيه قارئه تدقيقًا وتحليلًا وأجوبة لكثير من الأسئلة التي يتجاوزها غيره من المفسرين القدامى والمعاصرين. ولا سيما في جوانب البلاغة والبين، وإن لم يقصر في غيرها من الجوانب المتصلة بالآيات. وقد حظي الكتاب بعناية الباحثين المعاصرين، فكتبوا عنه الكثير من الدراسات والبحوث. وله طبعة وحيدة في الدار التونسية للنشر بتونس، وهي المتداولة بين الباحثين في 15 مجلداً. وهو متوفر ولله الحمد بهيئة إلكترونية PDF. وينبغي لكل باحث متخصص في القرآن وعلومه أن يخوض غمار هذا السفر العظيم، وأن يختمه قراءة وفهماً ولو مرتين حتى يتضلع من علوم هذا الإمام الكبير رحمه الله، وهذا من أبسط حقوق هذا العالم الذي تعب في تصنيف هذا الكتاب.
 
10- أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن للعلامة محمد الأمين الشنقيطي (ت1393هـ)
وهذا الكتاب من أنفس كتب التفسير وأجودها في تفسير القرآن بالقرآن خصوصاً، ولا نظير له في المكتبة القرآنية إلآ ما مر معنا في تميز تفسير ابن كثير في جانب تفسير القرآن بالقرآن، لكن تفسير الشنقيطي تخصص في هذا تخصصًا بارعاً، وأتقن عرض أنواع بيان القرآن للقرآن إتقاناً لم يسبقه فيه أحد من المؤلفين. ولذلك يجد فيه الباحث في هذا الجانب ما لا يجده في غيره. وهو مطبوع في دار عالم الفوائد، وقد وقف فيه مؤلفه عند آخر سورة المجادلة، وحاول تلميذه عطية محمد سالم أن يكمله على نفس منهجه جزاه الله خيراً.
 
تلك عشرة كاملة، وهذه أبرز التفاسير التي يمكن الإشارة إليها لغير المتخصص من الراغبين في التعمق في التفسير، وتركت الكثير من الكتب المميزة في التفسير، التي يمكن للقارئ المتقدم أن ينتفع بها رغبة في الاختصار وعدم تشتيت القارئ، وإلا فالمكتبة التفسيرية ضخمة جداً، والمطبوع كثير والمخطوط كثير. ومن التفاسير المميزة التي لم أذكرها:
 
– تفسير شيخ الإسلام ابن تيمية المجموع مؤخراً في مكتبة ابن الجوزي في سبعة مجلدات.
– تفسير ابن القيم المجموع باسم الصبح المنير، وهناك جهود لجمع تفسيره لم تطبع بعد قد تكون أوفى منه.
– البسيط للإمام الواحدي، وهو متميز في جانب النحو واللغة وتوجيه القراءات، وهو أوسع كتب الواحدي في التفسير.
– تفسير الفخر الرازي (التفسير الكبير) وقد أعرضت عنه مع أهميته للمتخصص حتى لا أرهق غير المتخصص بعلم الكلام والفلسفة التي ملأ بها كتابه.
– الهداية لمكي بن أبي طالب.
– تفسير القاسمي (محاسن التأويل).
– إرشاد العقل السليم لأبي السعود العمادي.
– تفسير المنار لمحمد عبده ومحمد رشيد رضا.
– في ظلال القرآن لسيد قطب.
– روح المعاني للألوسي.
 
وغيرها كثير من الحواشي على تفسير البيضاوي والجلالين وغيرها من الكتب الثمينة المميزة. ولعل الزملاء يضيفون ما قد أكون غفلت عنه لهذه المشاركة.
 
السبت 9 رمضان 1433هـ