عرض لنشرات كتاب (معرفة القراء الكبار) للإمام الذهبي (ت748هـ)

بسم الله الرحمن الرحيم

 
من أهم ما يُعنى به طالب العلم الحريص الطبعة المتقنة المحققة للكتاب الذي يريد شرائه وقراءته، وقد دار بيني وبين أخي العزيز الدكتور يحيى الشهري حديث حول أجود طبعات كتاب الإمام الذهبي (معرفة القراء الكبار)، فأشار عليَّ حينها -ان ذلك في رمضان عام 1426هـ- أن أكتب ذلك في الملتقى العلمي لتعم الفائدة بذلك من يرغب في اقتناء هذا الكتاب الثمين، فاستعنت بالله وكتبت هذه المقالة التي أرجو أن ينفع الله بها من يطلع عليها، وألا يحرمنا أجر الكتابة في هذا الملتقى العلمي. علم طبقات القراء فرع من فروع علم التاريخ، يعنى بالترجمة للقراء من عصر الصحابة فمن بعدهم حتى عصور المصنفين، يذكر فيه ترجمة القارئ وشيوخه وتلاميذه ومؤلفاته ونحو ذلك مما يتعلق بترجمته، وقد صنفت فيه مصنفات جليلة، ومن أجل تلك المصنفات كتاب (معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار) للإمام الذهبي. وقد صنف الإمام الذهبي كتابه (معرفة القراء الكبار) وفرغ من الصورة الأولى لتصنيفه مبكراً عام 718هـ وهو خطيب لجامع كفر بطنا بضواحي مدينة دمشق، واستنسخه منه على صورته تلك عدد من الطلاب، ثم زاد فيه ونقح بعد ذلك، وبعد أن زاد فيه عدداً من التراجم قرأه عليه آخرون، واستنسخوه منه، وبقيت نسخته الخاصة به معه يزيد فيها، وينقح حتى آخر أيام حياته عام 747هـ، أي قبل وفاته بعام واحد، فقد كان يضيف تواريخ وفاة بعض المترجمين الذين كانت وفاتهم ذلك العام. وقد انتشرت مخطوطات الكتاب لكل مرحلة من مراحل تصنيفه لهذا الكتاب، وكلها نُسخٌ صحيحةٌ للكتاب، وبعضُها قُرئ على الذهبيِّ، غير أَنَّ آخرَهنَّ أكملُهنَّ ؛ لِما فيها من التراجم المزيدة، والاستدراكات المتممة. وكما تعددت نسخ هذا الكتاب المخطوطة بمراحلها المذكورة، فقد تعددت نشراته المطبوعة أيضاً، فقد نُشر عدة مرات، وكلُّ نشرةٍ منها اعتمدتْ على مخطوطةٍ تنتمي لمرحلةٍ من مراحل التصنيف الثلاث السابقة. وسأُفصِّلُ في هذه المقالة حالَ كل نشرة من النشرات، والمخطوطات التي اعتمدتْ عليها، وبيان قيمتها العلمية، ومزايا وعيوب كلِّ نشرةٍ من هذه النشرات، حتى يخرج القارئ وقد عرف قيمة كل نشرة من هذه النشرات، وأيها أجدر بالشراء والاعتماد في البحث.
 
* الإمام الذهبي وقيمة مصنفاته في التراجم:
هو محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز المعروف بالذهبي التركماني الأصل، المولود بدمشق عام 673هـ والمتوفى بها عام 748هـ، وهو من العلماء الذين رزقوا التوفيق والقبول في التصنيف والتأليف، وقد فتح الله عليه في التصنيف في تراجم العلماء وتواريخهم مصنفات صارت عمدةً للعلماء من القراء والمحدثين والمؤرخين بعد ذلك. وقد صنَّفَ الإمامُ الذهبي كتباً متعددة في تراجم الرجال، وكانت له عناية وتقدم في هذا الشأن، حتى عُدَّ من شيوخ المحدثين في الجرح والتعديل (انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 5/216)، وقال السخاوي فيه: “وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال” (انظر: الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الإسلام لبشار عواد 127). وقد بدأ الذهبي حياته العلمية بحفظ القرآن، والاشتغال بتعلم القراءات، وأخذها عن أهلها، حتى قرأ على شيوخ عصره بالقراءات العشر الكبرى، ورحل من أجل ذلك إلى القاهرة وغيرها من البلاد، وقد دعاه هذا إلى العناية بتراجم القراء الكبار، الذين دارت عليهم أسانيد القراءات في بلاد الإسلام، فَصَنَّفَ كتابَه الثمين (معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار).
 
* مفهوم الطبقة عند الذهبي:
صنَّف الإمام الذهبي عدداً من كتبه على الطبقات مثل (سير أعلام النبلاء)، و(تذكرة الحفاظ)، و (معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار)، و(طبقات الشيوخ) وغيرها، ويذكر الدكتور بشار عواد منهج الذهبي في توزيعه للطبقات فيقول: “وتشير دراستُنا لهذه الكتبِ أَنَّ الذهبيَّ لم يُراع إيجادَ تقسيمٍ واحدٍ في عدد الطبقات بين هذه الكتب، ولا راعى التناسقَ في عَددِ المُترجَمين بين طبقةٍ وأُخرى في الكتاب الواحد، كما لم يلتزم بوحدةٍ زمنيَّةٍ ثابتةٍ للطبقة في جَميع كتبهِ فيما عدا (تاريخ الإسلام) الذي لا يدخلُ في هذا التنظيم”.(سير أعلام النبلاء 1/100) فقد قسَّمَ الذهبيُّ كتابَه (معرفة القراء الكبار) على سبع عشرة طبقة أولاً ثم أضاف طبقة ثامنة عشرة في آخر نسخ الكتاب وأضاف ذيلاً له بعد ذلك، وقسَّمَ (سير أعلام النبلاء) على أربعين طبقة، وقسَّمَ (تذكرة الحفاظ) على إحدى وعشرين طبقة. مع أَنَّ الكتب الثلاثة تناولت نطاقاً زمنياً واحداً يَمتدُّ من الصحابة إلى عصر الذهبي. وهناك اختلافٌ في عدد التراجم بين الطبقات، فتقلُّ التراجمُ في بعض الطبقات، وتكثر في بعض الطبقات، فالطبقة الأولى في معرفة القراء الكبار لم يذكر فيها إلا سبعةً من الصحابة. وأَمَّا الوحدةُ الزمنيةُ فلم يراع الذهبيُّ وحدةً زمنيَّةً ثابتةً في كتبه التي صنَّفَها على الطبقات، فتلاحظ تبايناً كبيراً في المدة الزمنية التي تستغرقها كلُّ طبقةٍ من الطبقات. وبِهذا “يتضحُ أَنَّ الذهبي استعمل الطبقةَ للدلالةِ على القومِ المتشابِهين من حيث اللقاءُ، أي: في الشيوخ الذين أَخذوا عنهم، ثُمَّ تقارُبُهم في السنِّ من حيثُ المولدُ والوفاةُ تقارباً لا يتناقض مع اللُّقيا، وهو أمرٌ يُتيح تفاوتاً في وفيات المُترجَمين من جهةٍ، وتفاوتاً في عدد الطبقات أيضاً”.(سير النبلاء 1/104) وعليه فإِنَّ الذهبيَّ لو أراد مثلاً أن يؤلف كتاباً في جَميع القراءِ وليس في الكبار منهم لاضطره الأمرُ إلى زيادةِ عددِ الطبقات، ولم يكفهِ جعلُ الكتابِ في سبع عشرة طبقة كما صنع في كتابه هذا. والذهبي لَمَّا باشر تصنيف (معرفة القراء الكبار) حدد الضوابط التي تحكم إيراد ترجَمةٍ لأي من القراء في كتابه.
 
ويمكن تلخيص تلك الضوابط في الآتي:
1- قراء الصحابة ومن بعدهم الذين لم تتصل قراءتهم إلى عصر الذهبي لم يترجم لهم الذهبي في كتابه هذا. قال في آخر ترجمة الطبقة الأولى من الصحابة: “فهؤلاء الذين بَلَغنا أَنَّهم حفظوا القرآنَ في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وأَخَذَ عنهم مَنْ بَعدَهُم عَرْضاً، وعليهم دارت أسانيدُ قِراءةِ الأَئمةِ العَشرةِ. وقد جَمعَ القرآنَ غيرُهُم من الصحابة كمعاذِ بن جبلٍ، وأَبي زيدٍ، وسالم مولى أبي حذيفة، وعبدالله بن عمر، وعتبة بن عامر، ولكنْ لم تتصل بنا قراءتُهم، فلهذا اقتصرتُ على هؤلاء السبعة رضي الله عنهم”. وهؤلاء السبعة الذين ذكرهم هم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وعبدالله بن مسعود، وزيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري، وأبو موسى الأشعري، وأبو الدرداء عويمر بن زيد الأنصاري رضي الله عنهم أجمعين.
 
2- ضم تراجم المقرئين الذين قرأوا على القراء المشهورين بقراءات شهيرة، وقرأ عليهم القراء في زمانهم، واستمر الإسناد والروايات تلك حتى عصر الذهبي. حيث أشار في آخر الطبقة الخامسة، فقال: “وفي هذه الطبقة جماعةٌ كثيرةٌ من المقرئين ليسوا في الاشتهار كمن ذكرتُ، ولا اتصلت بنا طرقهم، وإنما العناية بمن تصدى للرواية”.
 
3- ترجم للمشهورين بأسانيدهم، وكثر الأخذ عنهم. قال في آخر الطبقة الثانية: “فهؤلاء الذين دارت عليهم أسانيد القراءات المشهورة ورواياتهم”. وقال في آخر الطبقة الثالثة: “فهؤلاء الأئمة الثمانية عشر قطرة من بحر بالنسبة إلى حملة القرآن في زمانهم، اقتصرتُ على هؤلاء لدوران الأسانيد في القراءات عليهم”.
 
4- لم يترجم الذهبي للقراء المشهورين الذين لم يعرف أساتذتهم، أومن قرأوا عليهم. قال في ترجمة حسين بن عبدالواحد الحذاء: “قلتُ: هذا وشبهه ليس من شرط كتابي؛ لعدم علمنا بمن أقرأه” (1/581 طبعة خان). وهو يشير أحياناً إلى هؤلاء مع مخالفتهم لشرطه لعلة رآها، كقوله في ترجمة المفضل بن سلمة: “قلتُ: ما ذا من شرط كتابنا، ولكن ذكرته للتمييز بينه وبين المفضل الضبي). وقال في ترجمة عيسى بن سعيد الكلبي: “وانقطعت رواياته، وإنما أوردته أسوة أمثاله، وإن كنت لم أستوعب هذا الضرب، فلو استوعبت تراجم من تلا بالروايات أو ببعضها، ولم ينقل إلينا طرقه لبلغ كتابي عدة مجلدات”. (انظر طبعة خان 2/579)
 
ومعرفةُ طبقةِ المُترْجَمِ له في كتب الذهبي تختلفُ من كتابٍ إلى آخر، فلا تستطيعُ القولَ بأَنَّ الراوي الفلانيَّ من أهل الطبقة الفلانية عند الذهبي، وإِنَّما يُمكنك القول: إنه من الطبقة الفلانية في الكتاب الفلاني عند الذهبي. فلا تَجدُ تقسيماً موحداً للطبقات عند المؤلفين المسلمين، فمكحول مثلاً في الطبقة الثالثة من أهل الشام عند ابن سعد، في حين هو من أهل الطبقة الثانية عند خليفة بن خياط، وفي الطبقة الرابعة عند الذهبي في (تذكرة الحفاظ)، ومن أهل الطبقة الخامسة عند ابن حجر في (تقريب التهذيب). وتقسيمُ الرواةِ على الطبقاتِ جاء لخدمة دراسة الحديث النبوي، ومعرفة إسناد الحديث ونقده، فهو الذي يؤدي إلى معرفة فيما إذا كان الإسناد متصلاً، أو ما في السند من إرسال أو انقطاع أو نحو ذلك. وكان نظامُ الطبقات على غايةٍ من الأهميَّة في العصور الأولى التي لم يعتن المؤلفون فيها بضبط مواليدِ الرواة ووفياتِهم، إِنَّما كانت تُحدَّدُ طبقاتهم بمعرفة شيوخهم والرواة عنهم. على أنَّ من أكبر عيوب التقسيم على الطبقات صعوبةُ العُثورِ على الترجَمةِ لغير المتمرسين بهذا الفنِّ تَمرُّساً جيداً. وفائدةُ التنظيم على الطبقاتِ إِنَّما تظهر في العصور الإسلامية الأولى، وكلما مضى الزمن بالكتابِ صرنا لا نشعرُ بوجود الطبقةِ شُعوراً واضحاً، حتى إن ابن الجزري(ت833هـ) لم يرتب كتابه غاية النهاية على الطبقات، وإنما رتبهم على حروف الهجاء.
 
المؤلفات في تراجم القراء وطبقاتهم:
صُنِّفتْ كتبٌ في تراجم القراء وطبقاتهم قديماً وحديثاً، وقل كتابٌ من كتب القراءات المتقدمة كجامع البيان للداني وغيره، إلا ويتعرض لطبقات القراء المشهورين أصحاب القراءات والروايات فيترجم لهم، ويذكر أسانيده إليهم، غير أني أريد في هذه القائمة أن أشير إلى الكتب التي خصصت لتراجم القراء فحسب بحسب ما اطلعتُ عليه، ومن أهمها:
1- طبقات القراء لأبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران (ت381هـ)، وهو مفقود (انظر: غاية النهاية لابن الجزري 1/49).
 
2- طبقات القراء والمقرئين لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني الأندلسي (ت444هـ). وسماه ابن خير الإشبيلي في فهرسته (ص72) باسم (كتاب تاريخ طبقات القراء والمقرئين من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين، إلى عصر مؤلفه وجامعه، على حروف المعجم). وقال عنه ابن الجزري في غاية النهاية 1/505: “كتاب طبقات القراء في أربعة أسفار، عظيمٌ في بابه، لعلي أظفر بجميعه”. قال الدكتور غانم قدوري الحمد عن هذا الكتاب: “ويبدو أن نسخ هذا الكتاب كانت نادرةً في عصر ابن الجزري المتوفى سنة 833هـ، الذي سافر في معظم بلدان المشرق الإسلامي، أما بلاد المغرب فيكفي أن نعرف أنّ المَقَّري مؤلف كتاب (نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب) تلقى رسالة من المغرب من صديقه محمد بن يوسف المراكشي التاملي، مؤرخة في عاشورا المحرم فاتح سنة ثمان وثلاثين وألف، والمقري مقيم يومئذٍ في بلاد الشام، جاء فيها: “ثم المأمول من سيدنا ومولانا أن يتفضل علينا بكتاب طبقات القراء للإمام الحافظ الداني، إذ ليس عندنا منه نسخة” (انظر: نفح الطيب 2/474)، ولم أقف على ذكر لنسخة مخطوطة من الكتاب في عصرنا” (انظر: فهرست تصانيف الإمام أبي عمرو الداني بتحقيق د. غانم قدوري الحمد ص15 حاشية رقم 1) وقد ضَمَّن الإمام الذهبيُّ كتابَ أبي عمرو الداني في كتابه (معرفة القراء الكبار) والحمد لله وهذه من مزايا كتاب الذهبي، والظاهر أن كتاب الداني لم يكن بالكبير لتقدم وفاة مؤلفه.
 
3- تذكير الحافظ لتراجم القراء والنظائر منها لأبي عمرو الداني أيضاً، وهو مفقود، إلا أن يكون مستلاً من مقدمة كتابه الآخر (جامع البيان في القراءات). انظر: فهرست مصنفات أبي عمرو الداني ص18، ومقدمة تحقيق أحاسن الأخبار للمزي ص7.
 
4- طبقات القراء لعلي بن سعيد بن حزم الأندلسي (ت456هـ) وهو كسابقه، أظن أن الذهبي لم يترك منه شيئاً. (انظر: معرفة القراء الكبار 1/239 قولاج).
 
5- طبقات القراء لأبي بكر أحمد بن الفضل الباطرقاني (ت460هـ).
 
6- طبقات القراء لأبي معشر عبدالكريم بن عبدالصمد الطبري (ت478هـ).
 
7- الانتصار في معرفة قراء المدن والأمصار لأبي العلاء الحسن بن أحمد الهمذاني العطَّار (ت569هـ). قال ابن الجزري في ترجمته عند ذكر هذا الكتاب: “وألف كتاب الانتصار في معرفة قراء المدن والأمصار… وألف لي فيما حكي لي عنه كتاب طبقات القراء، وهو كتاب الانتصار الذي قدمت ذكره في مؤلفاته، وأنا أتلهف للوقوف عليه أو على شيء منه من زمن كثير، فما حصل منه ولا ورقة، ولا رأيت من ذكر أنه رآه، والظاهر أنه عدم مع ما عدم في الوقعات الجنكزخانية، والله أعلم” (انظر: غاية النهاية 1/204).
 
8- معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار للإمام الذهبي وهذه المقالة عنه.
 
9- أحاسن الأخبار في محاسن السبعة الأخيار أئمة الخمسة الأمصار، الذين انتشرت قراءاتهم في سائر الأقطار، لمقرئ العادلية عبدالوهاب بن وهبان المزي الحنفي (ت768هـ)، وقد حققه الدكتور أحمد بن فارس السلوم وفقه الله في رسالته للدكتوراه، ونشر عام 1425هـ عن دار ابن حزم في مجلد واحد. وهو كتابُ مختص بتراجم القراء السبعة، وقد اشتمل على أخبار فريدة في تراجمهم، ونقل كثيراً من كتاب طبقات القراء للداني الذي كان أهم مصادره، ولم يطلع -بِحَسبِ استظهار مُحقق الكتاب- على كتاب الذهبي (معرفة القراء الكبار) الذي توفي قبله بعشرين عاماً.
 
10- نِهاية الدرايات في أسماء رجال القراءات، للعلامة محمد بن الجزري، وهو مفقود.
 
11- غاية النهاية في طبقات القراء. وهو مطبوع طبعة قديمة للمستشرق برجشتراسر، وهو في أمس الحاجة إلى إعادة تحقيقه، وقد حدثني أخي الكريم الدكتور محمد بن فوزان العمر أن الدكتور عماد بن أمين الددو يقوم الآن بتحقيقه على خمس نسخ خطية، نسأل الله أن يعينه على إكمال تحقيقه ونشره، فهو من أهم كتب تراجم القراء وأوسعها.
 
12- الدُّرُّ المدني في طبقات القراء بعد ابن الجزري، للشيخ المقرئ محمد طاهر الرحيمي أحد علماء المدينة المنورة المقيمين بها، وهو يشتمل على طبقات القراء بعد ابن الجزري رحمه الله. وقد زاد عدد تراجِمه -كما بلغني- على ثلاثة آلا ف ترجمة. ولعله يرى النور قريباً.
 
13- مِنَّةُ الرحمن في تراجم أهل القرآن للدكتور إبراهيم الجرمي، وقد صدر حديثاً.
 
14- الحلقات المضيئات من سلسلة أسانيد القراءات، للسيد أحمد عبد الرحيم، وهو كتاب معاصر عني بالترجمة لرجال أسانيد القراءات من العصر الحاضر حتى عصر الصحابة. هذا ما وصلتُ إليه، ولعله فاتني الكثير منها.
 
قيمة كتاب الذهبي (معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار):
تَميَّز الذهبي كما تقدم في فن التراجم، وكتبَ فيها عشراتِ الكتب، وصنَّف كتابه العظيم (تاريخ الإسلام) الذي اشتمل على أربعين ألف ترجمة، وصنَّف )سير أعلام النبلاء( الذي يُعدُّ من أفضل كتب التراجم ؛ لما اشتمل عليه من النظرات النقديَّةِ البارعةِ المنصفة من الذهبيِّ، فقلَّ أن تقرأ في فنِّ التراجم لِمثلِ الذهبي، بلاغةً وصياغةً وإنصافاً، وحُسنَ بَصَرٍ بالفنِّ. وقد كان الصفديُّ وهو من تلاميذه يُعجبُه في شيخه وقفاتِه النقديَّةَ للمترجمين وللروايات الحديثية، فيُبينُ ما فيها من ضعفٍ ونحو ذلك. وتجد ذلك ظاهراً في كتابه هذا (معرفة القراء الكبار) فإنَّك لا تكادُ تَمرُّ بترجمةٍ من التراجم إلا وتجد فيها للذهبي وقفةً أو وقفات نقديةً لا تخلو من فائدة. وقد توسَّعَ في كتابه هذا في تراجم القُرَّاءِ الكبارِ، وأَفاض في تراجِمهم، وأَحالَ على تراجِمهم في كتابه هذا إذا جاء ذِكرُهُم في كتبه الأخرى. ففي ترجمة أبي عمرو بن العلاء في معرفة القراء الكبار توسَّعَ في ترجمته، ولَمَّا ذكره في(سير أعلام النبلاء) اختصر ترجمته، وقال: “استوفينا مِن أخبارهِ في طبقاتِ القُرَّاء” (السير 6/407)، أضف إلى ذلك أَنَّه قد استوعب ما في كتاب (طبقات القراء) لأبي عمرو الداني رَحِمه الله، وما في كتاب (طبقات القراء) لأبي مُحمدِ بن حزمٍ رحمه الله حيث قال في ترجمةِ عطية بن قيس: “وقال أبو محمد بن حزمٍ في طبقاتِ القُرَّاءِ له” (معرفة القراء الكبار 1/239 قولاج) وكلاهما مفقودٌ حتى الآن.
 
أهمُّ طبعات كتاب (معرفة القراء الكبار):
1- طُبع هذا الكتاب أول مرة عام 1388هـ الموافق لعام 1968م بالقاهرة.
2- طبع طبعة أخرى في مؤسسة الرسالة في بيروت عام 1404هـ بتحقيق الدكتور بشار عواد، وشعيب الأرناؤط، وصالح مهدي عباس.
3- طبع عام 1416هـ في تركيا بتحقيق الدكتور طيار آلتي قولاج، وقد اطلع على النشرتين السابقتين.
4- طبع عام 1417هـ في لبنان، وصدر عن دار الكتب العلمية بتحقيق طالب العلم أبي عبدالله محمد بن حسن بن إسماعيل الشافعي.
5- طبع في مركز الملك فيصل للدراسات الإسلامية بالرياض بتحقيق الدكتور أحمد خان عام 1418هـ، ويعد الآن لطبعة ثانية.
وهذا تفصيل الحديث عن كل نشرة من هذه النشرات.
 
النشرة الأولى:
نشر هذا الكتاب أول مرة عام 1389هـ الموافق لعام 1969م بالقاهرة في مجلدين، 698 صفحة، وأصدرته دار الكتب الحديثة، بتحقيق السيد محمد سيد جاد الحق. غير أن هذه النشرة -وإن كان لها فضل السبق في التعريف بالكتاب ونشره- لم تكن على منهجٍ علميٍّ يليق بالكتاب ومؤلفه. ويُمكنُ إِجمالُ عيوبِ هذه النشرة في الآتي:
1-عدم اعتماد نسخة جيدةٍ موثقةٍ للكتاب.
2- سقوطُ تراجم كاملة من أصل الكتاب.
3- تداخلُ بعض التراجم ببعضها، بحيث جعل الترجمتين في ترجمةٍ واحدةٍ.
4- وجود تراجم في غير أماكنها.
5- كثرة التصحيف والتحريف.
6- أخطاء في تسلسل ترقيم التراجم. وقد تتبع أخطاءَ هذه النشرة الدكتورُ بشارُ عواد، والشيخُ شعيبُ الأرناؤوط، وصالح مهدي عباس في نشرتهما للكتاب، حيث رمزوا لهذه النشرة بحرف (م)، وأشاروا إليها بقولهم: “سبق أن طُبع هذا الكتاب بالقاهرة سنة 1967م، وقد تولَّى نشره مَنْ ليس له حَظٌّ في التحقيق العلميِّ، فكانت طبعةً رديئةً سقيمةً أساءت إساءةً بالغةً إلى الكتابِ ومؤلفهِ، بِحيثُ تعذَّر فيها الإحالةُ على سببٍ من الأسباب، فكانت مَثلاً واضحاً بَيِّناً على امتهانِ التراث العربيِّ الإسلاميِّ، وفقدانِ الأمانة العلمية، وتوسيدِ الأمر إلى غير أهله، وكأَنَّ الديارَ الإسلاميَّةَ قد خَلَتْ من مُراجعٍ حصيفٍ، أو متابعٍ خِرِّيتٍ يقفُ على كل هذه المهانةِ التي يُمتهنُ فيها التراثُ الأصيلُ على مرأىً ومسمعٍ من أهله الغُيُرِ على سلامتهِ من عَبَثِ الجاهلين، وتَعالُمِ المتطفلين” (1/14-15). وقد انتُقدت هذه النشرةُ من كلِّ مَن نَشَرَ الكتابَ بعد ذلكَ، بل إن الدكتور صلاح الدين المنجد قد كتب عنها مقالةً في مجلةِ المجمع العلمي الدمشقي (المجلد التاسع والأربعون ذي الحجة 1393هـ 133-147). وهذه النشرةُ قد نفدت من الأسواق منذ زمنٍ بعيدٍ، ولا يكاد يجدُها الباحثُ إلا في المكتباتِ العامَّةِ، وبعض المكتبات الخاصة، وكتب نوادر المطبوعات، فلا نطيل الوقوف عندها، ومن أراد الوقوف على أوجه القصور فيها، فعليه بمقالة الدكتور صلاح المنجد الآنفة.
 
النشرة الثانية:
نُشِر الكتابُ نشرةً أُخرى في مؤسسة الرسالة في بيروت عام 1404هـ بتحقيق الدكتور المُحقق بشار عواد معروف، والمحدث الشيخ شعيب الأرناؤط، وصالح مهدي عباس. وصدرت هذه الطبعة في مجلدين. وقد اعتمد المحققون في نشرتهم هذه على نسخة خزائنية وصفوها بالنفيسة، وهي نسخة محفوظة في الخزانة العامة بالرباط تحت رقم 119ق، وقد كتبت هذه النسخة عن نسخة المؤلف، وقُرئت عليه قراءةً مُحرَّرةً مُحبَّرةً متقنةً، وأثبت المؤلفُ خطه في آخرها. وقد كتبت هذه النسخة قبل عام 726هـ (وقع خطأ في المطبوع فكتب 626 وهذا بعيدٌ جداً، وقد نبه على ذلك د.طيار قولاج في تحقيقه). وقال المحققون: “وبين هذا التاريخ وبين وفاة المؤلف -748هـ- مدة طويلة لا بد أنه عاود النظر فيها فنقَّحَ شيئاً مما جاء فيها، وزاد زيادات يسيرة تبيناها من النسخة المحفوظة بدار الكتب المصرية والتي رمزنا لها بالحرف (د)، ومما نقله ابن الجزري في كتابه (غاية النهاية) الذي اعتمد نسخة المؤلف المكتوبة بخطه كما صرح بذلك في إحدى التراجم من كتابه (غاية النهاية)، مِمَّا حدا بنا إلى إثبات هذه الزيادات والتنقيحات في مواضعها من هذا الكتاب، والإشارة إليها، بعد أن اتخذنا نسخة الرباط أصلاً للتحقيق” (1/17). وقد ظن الأستاذ صلاح الدين المنجد أن نسخة دار الكتب المصرية، هي نفسها نسخة مكتبة كوبريلي، ونفى ذلك الدكتور طيار آلتي قولاج، لاطلاعه على نسخة كوبريلي. (تحقيق قولاج 1/77-78)
 
من مزايا هذه النشرة:
1- تحقيق عنوان الكتاب، حيث ذكروا أن الاسم الذي سماه به الذهبي هو:(معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار). كما جاء في طرة النسخ المخطوطة التي وصلت إلينا منه، وقول تلميذه صلاح الدين الصفدي عند ذكره مؤلفات الذهبي: “وطبقات القراء، وسماه: معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، تناولته منه، وأجازني في روايته”. (معرفة القراء الكبار 1/11) وذكروا أن تسمية الذهبي له في كتبه الأخرى بطبقات القراء من باب التجوز وعدم الالتزام بالعنوان الحقيقي للكتاب، وأنه كثيراً ما يفعل ذلك بكتبه الأخرى عند الإشارة إليها.
2- إزالة وهم علمي عند بعض الباحثين، وهو أن معظم مؤلفات الذهبي في التراجم قد استلها من كتابه الكبير (تاريخ الإسلام)، وهذا وهمٌ مَحضٌ، فقد أبانت دراسة الدكتور بشار عواد لسير أعلام النبلاء ضعف هذا الرأي، وأنه لا يثبت على نقدٍ. كما أن دراسة كتاب (معرفة القراء الكبار) أبانت عن وجود تراجم كثيرة لم يرد لها ذكر في (تاريخ الإسلام). بل إن الذهبي قد رفد كتابه (تاريخ الإسلام) بكثير من التراجم التي لم تكن موجودة فيه عند تأليفه أول مرة، أخذها من هذا الكتاب، فألحقها بخطه في حواشي الصفحات من نسخته الخطية، أو كتبها في وريقات طيارة أدرجها في مواضعها من الكتاب. (1/13).
3- قيام ثلاثة من المحققين الثقات على هذه النشرة، ولا سيما الدكتور بشار عواد المختص بكتب الذهبي، حيث كتب عنه رسالته النفيسة (منهج الذهبي في كتابه تاريخ الإسلام) التي تعد من أفضل الكتب التي كتبت عن الإمام الذهبي ومنهجه في التاريخ، ثم حقق التاريخ بعد ذلك ونشره في دار الغرب الإسلامي.
4- ذكر موارد ترجمة القارئ في الحاشية التي أمكنهم التوصل إليها، كما صنع محققوا سير أعلام النبلاء بعد ذلك.
5- يؤخذ على هذه النشرة أنها اعتمدت على نسخةٍ مخطوطةٍ واحدةٍ، تُمثِّلُ مرحلةً متوسطةً تقريباً من مراحل تصنيف الذهبي لكتابه، ولم يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن نسخ الكتاب الأخرى، ولذلك فات هذه النشرة أكثر من خمسمائة ترجمة.
 
النشرة الثالثة:
نشر الكتاب نشرة ثالثة عام 1416هـ (1995م) في تركيا، عن طريق مركز البحوث الإسلامية التابع لوقف الديانة التركي بإستانبول، وطبع بالأوفست بمطابع مديرية النشر والطباعة والتجارة التابعة لوقف الديانة التركي بأنقرة، وقد حققه الدكتور التركي الفاضل طيار آلتي قولاج، وهو الذي حقق كتاب (المرشد الوجيز) لأبي شامة في علوم القرآن، وهو كتاب نفيسٌ بحاجة إلى إعادة تحقيق ودراسة. وقد كان مشروع تحقيق الكتاب يراود المحقق منذ عثوره على نسختين مخطوطتين للكتاب قبل ذلك بخمسة وعشرين سنة، أي قبل عام 1388هـ (1968م)، في مكتبات إستانبول. وكانت فهارس المخطوطات قد أشارت إلى إحدى هاتين النسختين وهي نسخة مكتبة كوبرلي، وأغفلت النسخة الثانية التي عثر عليها الدكتور طيار قولاج في مكتبة مِلَّتْ نظراً لضياع الورقة الأولى منها، فضاع العنوان، مع إنها نسخة ممتازة، فيها إضافات كثيرة بخط الذهبي نفسه. وقد قام المحقق بالبحث عن النسخ المخطوطة الأخرى للكتاب لدراستها، فوجد نسختين إحداهما في باريس، والأخرى في برلين، وحصل عليهما، ثم عثر بعد ذلك على نسخة خامسة للكتاب في مكتبة بايزيد بإستانبول، وهي تُماثِلُ نسخةَ باريس، غير أَنَّها لم تعد صالحةً للتحقيق لتلف معظمها، وإن استفيد منها في الهيكل العام للكتاب، وتصحيح بعض المواضع. وفي أثناء عمل الدكتور طيار في الموازنة والتحقيق، معتمداً على المخطوطات التي بين يديه، ومتخذاً نسخة مكتبة مِلَّتْ أصلاً، صدرت الطبعة الأولى للكتاب التي أشرنا إليها في القاهرة، فتوقف عن العمل، حتى يرى النسخة المحققة. قال: “غير أَنَّني فوجئتُ في هذه الأثناء بنشر الكتاب في القاهرة (1969م) بعنوان (معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار) ولكنني لم أنزعج من ذلك، رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها في هذا المجال ؛ لأن مثل هذا الأمر كثيراً ما يحدث للمؤلفين والمحققين، بل بالعكس من ذلك فرحت به كثيراً: لأن كتاباً عظيماً مثل هذا الأثر الفريد قد رأى النور أخيراً، إلا أن ما كان يهمني من هذا الموضوع، هو معرفة النسخة التي اعتمد عليها المحقق في تدقيقه وتحقيقه للكتاب. ومرت سنوات قبل أن أتمكن من الحصول على النسخة المطبوعة من الكتاب المذكور، وبعد دراسته هالني عدمُ الشعور بالمسئولية الأدبيةِ لدى المُحقِّق، إذ جاء تحقيقه لهذا الكتاب العظيم سقيماً وغيرَ وافٍ بالغرض، ومليئاً بمواضع عدم الدقة والوضوح، بحيثُ لا يُمكن إطلاقُ تسميةِ التحقيق على هذا العمل الهَجينِ الذي أزعجني صدوره بهذا الشكل كثيراً، فندمتُ على نفض يدي من تحقيق الكتاب، لا سيما وإن المهام التي توليتها في مناصب الدولة العليا قد حالت دون ذلك. وفي هذه الأثناء علمتُ بقيام ثلاثة أشخاص بتحقيق هذا الأثر النفيس -من جديد- ونشره (بيروت 1404هـ / 1984م)، فسعيت للحصول على نسخة منه، وبعد الاطلاع عليه وجدته ثمرة يانعة من ثمرات البحث العلمي، غير أن المحققين المحترمين، الذين قدموا تحقيقات قيمة إلى دينا العلم والمعرفة، لم يشاهدوا نسخ الكتاب الكامنة في مكتبات إستانبول وباريس. وكان ذلك، يعني أن الطبعة الجديدة لهذا الأثر القيم، قد جاءت ناقصة وغير كاملة، من الناحية العلمية ؛ لأنها تفتقر إلى الإضافات والتعديلات التي أجراها المؤلف الذهبي على الكتاب في سنوات عمره الأخيرة، وبالتالي فإنها تخلو من حوالي 500 سيرة ذاتية جديدة، أضافها المؤلف الذهبي إلى نسخة مكتبة ملت في صيغتها الأخيرة” (1/8-9).
 
المخطوطات المعتمدة في التحقيق:
نسخةُ علي أَميري بِمكتبةِ مِلَّتْ في إستانبول، برقم 2500، وتشتمل على 1228 ترجمة بخط الذهبي، وأضاف إليها عفيف الدين عبدالله بن محمد المطري ذيلاً سَمَّاه فوائد، تضمن 13 ترجمة جديدة، وبذلك ارتفع مجموع عدد التراجم في هذه النسخة إلى 1241 ترجمة. وهذه النسخة كما قال المحقق: “تعد أوفى تلك النسخ، وأكثرها احتواءً للمعلومات المضافة”. وقد ذكر المحقق مصدر هذه النسخة النفيسة فقال: “ولا بد لنا في الختام أن نشير إلى مصدر هذه النسخة، نظراً لأهمية ذلك بالنسبة إلى تحقيقنا، حيث وردت العبارات التالية قبل الذيل، وبعد انتهاء المؤلف من كتابة عبارة فراغه منها: “هذا لفظه بحروفه، ومن خطه نقلت رحمه الله تعالى، نقل ذلك سيدي والدي الإمام العلامة الحافظ تقي الدين أبو الفضل محمد بن محمد بن أبي الخير محمد بن فهد الهاشمي المكي، ومن خطه -أبقاه الله تعالى- نقلتُ ذلك، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل”. ثم يدرج الناسخ العبارات التالية: “قال كاتبه الفقير إلى الله تعالى السيد علي المالكي: وهكذا في النسخة التي نقلنا منها، وهي نسخة سقيمة جداً بخط المذكور أعلاه، وهي لها من يوم كتبت إلى وقت الفراغ نحو من ثلاثمائة سنة وسبع سنين، ثم يليه الذيل بخط المذكور أيضاً، نفع الله بذلك، آمين”. تؤكد هذه النقول أن ابن فهد المكي استنسخ الكتاب من خط الذهبي، ثم نقل من هذه النسخة ابنه، ثم قام علي المالكي بدوره باستنساخها، وهي النسخة المحفوظة بمكتبة ملت التي اعتمد عليها المحقق.
 
مزايا هذه النشرة وعيوبها:
1- اعتمادها على نسخٍ مخطوطة تامة موثوقة للكتاب.
2- تلافيها الأخطاء التي وقعت في النشرات السابقة بقدر الاستطاعة، مع تعذر الكمال، حيث فاته تخريج كثير من التراجم مع وجودها في غاية النهاية لابن الجزري.
3- ترقيم التراجم.
4- تخريج التراجم، وذكر مصادرها، وقد استفاد من عمل محققي طبعة بيروت في هذا الجانب.
5- صنع عشرة فهارس وافية للكتاب، وقد استغرقت المجلد الرابع كاملاً.
6- تخريجه للأشعار، والآيات في الكتاب، مع بعض الأخطاء في قراءة الشعار الواردة في الكتاب.
 
النشرة الرابعة:
هذه النشرة ضعيفة غيرمحررة، أكتفي بالإشارة إليها فحسب حتى لا يقال: أغفلتَها، ولا أنصح بها للباحث.
 
النشرة الخامسة:
نشر الكتاب نشرة رابعةً في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وصدرت طبعته الأولى عام 1418هـ بتحقيق الدكتور أحمد خان. وصدرت هذه الطبعة في ثلاثة مجلدات. وقد اعتمد المحقق في نشرته هذه على مخطوطة أصلية وحيدة وجدها في مكتبة مدرسة محمد علي المكمدي في إحدى مدن باكستان، وقد كتبت هذه النسخة في مكة المكرمة بخط العلامة محمد بن محمد بن فهد الهاشمي المكي (787-871هـ)، ناقلاً لها من نسخة المؤلف الذهبي في ثلاثة عشر يوماً آخرها الرابع عشر من جمادى الآخرة عام 817هـ، وقابلها بأصلها وصححها. وقد فقدت أوراق قليلة جداً من هذه المخطوطة، منها ورقة العنوان. ولذلك اختار المحقق عنوان (طبقات القراء) للكتاب، وذكر سبب اختياره للعنوان في تحقيقه (1/أب – أد)، غير أن العنوان المكتوب على النسخ المخطوطة الأخرى هو كما تقدم “معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار”، ويشار له اختصاراً في كتب التراجم بـ (طبقات القراء) والأمر في هذا قريب والحمد لله. وهذه النشرة للكتاب كانت بعد نشرة بيروت (عام 1984م)، وقد اطلع المُحقق عليها، واعتمد عليها وعلى ما فيها من تعقبات على الطبعة الأولى للكتاب، ولم يطلع على نشرة الدكتور طيار آلتي قولاج. ولم يراجع الدكتور أحمد خان نسخاً مخطوطة أخرى غير نسخته الباكستانية الأصلية. وقد ذكر الفروق بين نسخته المخطوطة، والنسخة التي اعتمد عليها محققو الطبعة البيروتية في جدول تفصيلي بحسب الطبقات. وخلاصته أن نسخته تزيد بخمسمائة وخمسة وثلاثين ترجمة (535)، حيث اشتمل الكتاب في طبعة بيروت على سبعمائة وأربعة وثلاثين ترجمة (734)، في حين اشتمل في نسخته المخطوطة على ألف ومائتين وستة وستين ترجمة (1266). وهذه الفروق من حيث العدد، أما الكيف فقد زاد الذهبي في بعض التراجم، ونقح بعض التراجم، وأعاد كتابة بعض التراجم من جديد.
 
مزايا وعيوب هذه الطبعة:
1- تعد هذه النسخة التي اعتمد عليها الدكتور أحمد خان أوفى نسخة للكتاب، وهي أصلٌ لنسخة مكتبة ملت التركية التي اعتمد عليها محقق الطبعة التركية، حيث إن النسخة التركية منقولة عن نسخة منقولة عن نسخة ابن فهد المكي هذه.
2- من عيوبها الاقتصار على المخطوطة الباكستانية مع جودتها، والطبعة البيروتية وهي ناقصة، دون البحث عن نسخ أخرى للكتاب مع توفرها في مكتبات تركيا وفرنسا كما تقدم في الحديث عن طبعة الدكتور طيار آلتي قولاج.
3- وضعه لحواشي كل جزءٍ في آخره، وليس في أسفل الصفحات، وفي هذا مشقة كبيرة على القارئ، ولعله يستدرك هذا في الطبعة الثانية.
4- تصرفه في عنوان الكتاب، مع وجود العنوان الصحيح على النسخ المخطوطة الأخرى للكتاب.
 
خلاصة حول مخطوطات كتاب (معرفة القراء الكبار):
1- نسخة كوبريلي رقم.
2- نسخة مكتبة مِلَّتْ بإستانبول رقم 2500. وقد اعتمد عليها الدكتور طيار آلتي قولاج في نشرته، وهي منقولة من نسخة منقولة من نسخة ابن فهد المكي الهاشمي، مع مخطوطة مكتبة كوبريلي، ومخطوطة باريس، ومخطوطة برلين.
3- مخطوطة باريس.
4- مخطوطة برلين.
5-مخطوطة بايزيد.
6-مخطوطة الرباط وقد اعتمد عليها محققو طبعة بيروت.
7- مخطوطة باكستان، وقد اعتمد عليها الدكتور أحمد خان، وهي بخط ابن فهد المكي وهي أجود النسخ المخطوطة للكتاب. وقد رجعت لقاعدة البيانات الالكترونية (خزانة التراث) التي أصدرها مركز الملك فيصل فلم أجد للكتاب إلا نسخة مخطوطة واحدة محفوظة بالمركز برقم (2084-فب). مع إغفال بقية المخطوطات للكتاب. ولا أدري ماهو أصل هذه المخطوطة المحفوظة بالمركز. وهذا جدول صنعته للموازنة بين عدد التراجم في كل طبقة في نشرات الكتب المحققة الأربع المعتمدة، وقد اعتمدت على عد الدكتور أحمد خان لتراجم طبعة بيروت وطبعة مركز الملك فيصل، وقمت بعدِّ طبعتي القاهرة وتركيا.
وأما الفروق بين الطبعات في محتوى التراجم فهو كبير أيضاً، وتزيد طبعتي تركيا ومركز الملك فيصل كثيراً على الطبعات السابقة، ولم أشأ نقل أمثلة لهذه الفروق لأن هذا ليس من أغراض هذه المقالة، ولعله يكون ذلك في بحثٍ أوسع يستوفي هذه الفروق.
 
وختاماً..
فإن كتاب (معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار) للإمام الذهبي رحمه الله من أجلِّ الكتب التي صنفت في تراجم قراء القرآن المشهورين منذ عصر الصحابة حتى عصر المؤلف رحمه الله الذي توفي سنة 748هـ، وأوفى الطبعات لهذا الكتاب هما طبعةُ الدكتور طيار آلتي قولاج التركية التي طبعت في أربعة مجلدات واشتملت على (1244) ترجمة مع ذيول الكتاب لابن مكتوم وعفيف الدين المطري، وطبعة الدكتور أحمد خان التي نشرها مركز الملك فيصل في ثلاثة مجلدات، حيث اشتملت على (1269) ترجمة مع ذيوله أيضاً، مع الأخذ في الاعتبار أن هناك تراجم مكررة في طبعة خان. وهاتان الطبعتان لا يستغني الباحث عنهما، وإذا أعاد الدكتور أحمد خان النظر في الكتاب في طبعته الثانية، وتلافى القصور في طبعته بالاطلاع على نشرة الدكتور قولاج فستكون طبعته بإذن الله أوفى الطبعات لهذا الكتاب والله الموفق سبحانه وتعالى.