فكرة قديمة للتفسير الموسوعي الشامل

بسم الله الرحمن الرحيم

 
كان الملك الأشرف ملك زبيد يرغب في أن تصنف باسمه الكتب والموسوعات العلمية، فاقترح على الفيروزأبادي صاحب القاموس أن يؤلف كتاباً جامعاً في التفسير يشتمل على العلوم والمعارف السائدة في زمانه، حتى التي لم تكن من اختصاص الفيروزأبادي، على أن يستعين الفيروزأبادي فيها بأهل العلم العارفين بها، والمختصين بها. وقد سمى منها الفيروزأبادي منها أربعين علماً.
 
والملك الأَشرف هو إِسماعيل بن العباس، ولى الملك سنة 778، وكان كريماً ممدَّحًا مقبلًا على العلم والعلماء، يكرم الغرباءَ ويبالغ فى الإِحسان إِليهم، اشتغل بفنون من الفقه والنحو والأَدب والتاريخ والأَنساب والحساب وغيرها، كما فى ترجمته فى الضوءِ اللامع، ومات بزبيد سنة 803هـ.
 
غير أن الملك الأشرف توفي قبل تمام التفسير، ولم يكن ابنه الناصر الذي خلفه صاحب عناية بالعلم وأهله، فلم يعر هذا المشروع العلمي اهتماماً، كما أهمل الفيروزأبادي بعد أن كان مكرماً في زمان من قبله، فغادر الفيروأبادي زبيداً وأكمل تأليف الكتاب مقتصراً على جزء من فكرة المشروع.
 
وصنف كتابه الشهير (بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز) بعد أن اقتصر على جزء من الفكرة.
 
والقارئ لخطبة الكتاب يرى أَن المؤلِّف يقدّم كتابا جامعاً لمقاصد العلوم والمعارف فى عصره، حتى العلوم المدنية التى لم يكن للمؤلف بد فيها ولا بصر بها، كالهندسة والموسيقى والمرايا المحرِقة.
 
ويذكر فى الخطبة أَن الكتاب مرتَّب على مقدمة وستين مقصدًا. والمقاصد الستون فى علوم العصر، كل مقصد فى علم منها.

ونراه فى الخطبة يسرد عنوانات المقاصد؛ ليكون ذلك فهرساً إِجمالياً للكتاب. فالمقصد الأَول في لطائف تفسير القرآن. والثاني في علم الحديث النبوي، ويستمر هكذا فى السَّرْد، حتى يصل إلى المقصد الخامس والخمسين فى علم قوانين الكتابة. ثم نرى: “المقصد السادس والخمسون فى علم….” ولا نرى ما يضاف إليه (علم) ولا بقيّة المقاصد الستين؟ ولعله ترك ليضاف له ما يجد من مقاصد.
 
وهو يذكر أَن الذي رسم بتأْليف الكتاب على هذا النحو الجامع لسلطان الأشرف إِسماعيل بن العباس الذى دعاه إِلى حضرته بزبيد، وولاَّه القضاء ورئاسته.
 
ونراه يقول: “قصد بذلك – نصره الله – جمع أَشتات العلوم وضمَّ أَنواعها – على تباين أَصنافها – فى كتاب مفرد ؛ تسهيلاً لمن أَراد الاستمتاع برائع أَزهارها، ويانع أَثمارها الغضّ المصون، فيستغنى الحائز له، الفائز به، عن حمل الأَسفار، فى الأَسفار”.
 
وقد كان السلطان الأَشرف مضطلعاً بالعلوم، كما وصفه من عاصره. وكان يبعث العلماءَ على التصنيف.
 
وقد يضع منهج الكِتاب وخِطَّته، ويكل إِتمامه إِلى بعض العلماءِ. ويذكر السخاويّ فى الضوءِ اللامع فى ترجمته “أَنه كان يضع وضْعًا، ويحدّ حدّاً، ثم يأْمر من يتمُّه على ذلك الوضع، ويعرض عليه. فما ارتضاه أَثبته، وما شذَّ عن مقصوده حذفه، وما وجده ناقصا أَتمَّه”.
 
وبعد هذا لا يعجب من وقف على حَيَاة المجد واقتصاره على علوم الرواية، من تعرضُّه للعلوم الفلسفيَّة والمدنيَّة، ووضع منهج الكتاب على أَن يذكر مقاصدها. فإِن الواضع للخطَّة الأَشرف إِسماعيل، وقد كان واسع المعرفة.
 
ومما ذكر من العلوم التى كان يتقهنا الحساب، وقد يكون عارفاً بما هو من باب الحساب، كالهندسة والمرايا المحرقة، وما إِلى ذلك. وكان الملْك والعُمْران يقتضى هذه العلوم، بالإِضافة إِلى العلوم الدينية والعربية.
 
ولكن كيف يكل الأَشرف إِعداد هذا المنهج الواسع إِلى الفيروز ابادى قاضي الأَقضية، وهو لا يحسن تلك العلوم التى كانوا يسمُّونها علوم الأَوائل؟
الظاهر أَنه كلَّفه هذا على أَن يستعين فيما لا يعرفه من يعرفه من أَهل الاختصاص؛ وله من خبرته ومنصبه ما يعينه على ذلك، فيكون العمل جماعياً متقناً، كما صنع الملك خلف السجستاني من قبل.
 
وبعد هذا لا نرى من آثار هذا المنهج العام إِلا المقدّمة التى تتعلق بفضل العلم و تمييز العلوم، ثم المقصد الأَول، وهو لطائف التفسير الذى سمى فيما بعد: بصائر ذوى التمييز. فهذا الوضع الجامع لم يقدِّر للمجد أَن يتمَّه وحده، أو مستعينا بغيره.
 
والظاهر أَن الأَشرف مات بعد تمام المقصد الأَول، ففترت همَّة المجد فى عهد ولده الناصر؛ إِذ كان لا يلقى من البرِّ والكرم، ما كان يلقاه فى عهد صهره السلطان الأَشرف، ولم يجد من المال ما يجزى به من يشتغل فى هذا العمل الواسَع الجليل، وهذا مع أَنه قد علته كَبْرة، وأَدركه فتور الشيخوخة.
 
لا نرى هذا العنوان فى الكتاب. إِنما العنوان فى الكتاب فى الإِجمال والتفصيل: “المقصد الأَول فى لطائف تفسير القرآن العظيم”. وقد أَصبح هذا العنوان لا مكان له بعد عدول المجد عن بقية المقاصد، فكان من المستسحن أَن يكون له اسم يشعر باستقلاله، وأَنه ليس جزءًا من كتاب جامع. وكان المؤلف جعل عنوان كل بحث فى هذا المقصد: “بصيرة” فأَصبح الكتاب جملة بصائر، ومن هذا استمدَّ الاسم الجديد: “بصائر ذوى التمييز، فى لطائف الكتاب العزيز”. وتراه غيَر “العظيم” بالعزيز ليسجِّع مع العبارة التى اجتلبها.
وقد كان يحسن به أَن يعدل عن خطبة الكتاب الجامع، ويستأَنف خطبة خاصة بهذا الكتاب. وكأَنه كان يرجو أَن يقدَّر له يوما إِنجاز ما اعتزمه من المقاصد الستين، فأَبقى الخطبة على حالها الأَول.