قراءة حمزة.. لماذا كره القراءة بها بعض أهل العلم؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

 
السؤال:
 
قراءة حمزة.. لماذا كره القراءة بها بعض أهل العلم؟!
 
الجواب:
 
أخي الكريم سلمه الله وحفظه
 
إن الإمام أبا بكر بن مجاهد (324هـ) قد برأ حمزة مما حكي عنه من الأوجه المستبشعة، وأنه كان ينهى عن الإفراط ويأمر بالتوسط في القراءة. وكان يكره التكلف الذي عاب بعضهم قراءته به مما أشرتم إليه في حديثكم.
 
وقد عزا ابن الجزري رحمه الله الأوجه المستبشعة التي نقلت عن حمزة إلى الرواة الذين أخذوا عنه، وهو رحمه الله كان ينهاهم عن ذلك. وقد قال عبدالله بن صالح العجلي: “قرأ أخ لي أكبر مني على حمزة، فجعل يمد- أي يبالغ فيه”، فقال له حمزة: “لا تفعل، أما علمت أن ما كان فوق الجعودة فهو قَطَط، وما كان فوق البياض فهو برص، وما كان فوق القراءة فليس بقراءة؟!”.
 
يقول ابن الجزري في ترجمة حمزة من غاية النهاية 1/261: “وأما ما ذكره عن عبدالله بن إدريس وأحمد بن حنبل من كراهة قراءة حمزة، فإن ذلك محمول على قراءة من سمعا منه ناقلاً عن حمزة، وما آفة الأخبار إلا رواتها! وقد كان حمزة يكره هذا التكلف والإفراط، وينهى عنه”.
 
وقد ذكر تلميذ الإمام حمزة وهو محمد بن الهيثم النخعي الكوفي رحمه الله أنه صلى خلف شيخه حمزة صلاة جهرية فكان لا يمد في الصلاة ذلك المد الشديد، ولا يهمز الهمز الشديد. تجد ذلك في ترجمته في غاية النهاية لابن الجزري 2/274 فهذا يدلك أن تلميذه كان يعرف ما ينقل عن حمزة من أنه يبالغ في المد والهمز، فأراد أن يبرأه من هذه المقولة.
 
وتتميماً للفائدة إن شاء الله حول هذه المسألة. أحببت أن أذكر رأي ابن قتيبة رحمه الله في قراءة حمزة. وأرجو أن يكون مفتاحاً لحوار هادئ، ونقاش نافع، وألا يتخذه بعض من يحبون الإثارة والشغب نافذة للخروج عن جادة الحديث في هذه المسألة العلمية.

وهذا الرأي مشهور عن ابن قتيبة رحمه الله (276هـ) قاله في كتابه النفيس (تأويل مشكل القرآن) ص58-61 بعد أن تعرض للحن اللاحنين من القراء المتأخرين، وأن لحنهم في القراءة ليس بمستغرب لأنه قل أن يسلم أحد من اللحن والخطأ، غير أن لحنهم وخطأهم لا يكون حجة على كتاب الله: “ثم خلف قوم من بعد من أهل الأمصار وأبناء العجم ليس لهم طبع اللغة، ولا علم التكلف، فهفوا في كثير من الحروف وزلوا وقرأوا بالشاذ وأخلّوا.
منهم رجلٌ -يعني حمزة الزيات المقرئ رحمه الله- ستر الله عليه عند العوام بالصلاح، وقربه من القلوب الدينُ.
 
لم أر فيمن تتبعت وجوه قراءته أكثر تخليطاً، ولا أشد اضطراباً منه، لأنه يستعمل في الحرف ما يدعه في نظيره، ثم يؤصل أصلاً ويخالف إلى غيره لغير ما عِلَّةٍ. ويختار في كثير من الحروف ما لامخرج له إلا على طلب الحيلة الضعيفة.
 
هذا إلى نبذه في قراءته مذاهب العرب وأهل الحجاز، بإفراطه في المد والهمز والإشباع، وإفحاشه في الإضجاع والإدغام، وحمله المتعلمين على المركب الصعب، وتعسيره على الأمة ما يسره الله، وتضييقه ما فسحه.
 
ومن العجب أنه يُقرئ الناس بهذه المذاهب، ويكره الصلاة بها! ففي أي موضع تستعمل هذه القراءة إن كانت الصلاة لا تجوز بها؟!
 
وكان ابن عيينة يرى لمن قرأ في صلاته بحرفه، أو ائتم بقراءته أن يعيد، ووافقه على ذلك كثير من خيار المسلمين منهم بشر بن الحارث وأحمد بن حنبل.
 
وقد شغف بقراءته عوام الناس وسوقهم، وليس ذلك إلا لما يرونه من مشقتها وصعوبتها، وطول اختلاف المتعلم إلى المقرئ فيها، فإذا رأوه قد اختلف في أم الكتاب عشراً، وفي مائة آية شهراً، وفي السبع الطوال حولاً، ورأوه عند قراءته مائل الشدقين، دارَّ الوريدين، راشح الجبينين توهموا أن ذلك لفضيلة في القراءة وحذق بها.
 
وليس هكذا كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا خيار السلف ولا التابعين، ولا القراء العالمين، بل كانت قراءتهم سهلة رَسْلةً، وهكذا نختار لقراء القرآن في أورادهم ومحاريبهم، فأما الغلام الريض والمستأنف للتعلم، فنختار له أن يؤخذ بالتحقيق عليه، من غير إفحاش في مد أو همز أو إدغام، لأن في ذلك تذليلاً للسان، وإطلاقاً من الحبسة، وحلاً للعقدة”.
 
ثم أخذ في سرد أمثلة كثيرة لما وقع فيه بعض القراء من الغلط والوهم.
 
وفيما نقلته آنفاً عن ابن قتيبة رحمه الله مسائل:
الأولى: أنني لم أورد ما أوردته موافقة لرأي ابن قتيبة، أو مخالفة له، وإنما أوردته من باب اكتمال صورة المسألة لدى طالب العلم عند علماء السلف. ورغبة في الاستفادة من علم أهل الشأن ممن يشاركنا في هذا الملتقى العلمي الكريم كمشايخنا الفضلاء الدكتور محمد الشايع والدكتور إبراهيم الدوسري والدكتور مساعد الطيار والشيخ الفاضل وليد السلمي والدكتور أمين الشنقيطي وغيرهم من أهل الفضل والعلم.
 
الثانية: أن ابن قتيبة ذكر أن حمزة كان يكره الصلاة بقراءته التي يعلمها الناس، ولست أدري مدى صحة هذا مع ثقتي بنقل ابن قتيبة وصدقه، وربما يستأنس لنقل ابن قتيبة هذا بما تقدم في المشاركة السابقة من قول تلميذ الإمام حمزة وهو محمد بن الهيثم النخعي الكوفي رحمه الله أنه صلى خلف شيخه حمزة صلاة جهرية فكان لا يمد في الصلاة ذلك المد الشديد، ولا يهمز الهمز الشديد. فلعل هذا يؤيد ما ذكره ابن قتيبة مع تحفظي عليه! لأن سفيان الثوري شهد لحمزة بأنه ما قرأ حرفاً إلا بأثر. وقد ذكر الذهبي رحمه الله في ميزان الاعتدال أن الإجماع قد انعقد بأخرة على تلقي قراءة حمزة بالقبول، والإنكار على من تكلم فيها، فقد كان من بعض السلف في الصدر الأول فيها مقال. وقد استغرب السيد أحمد صقر رحمه الله من دعوى الإجماع التي ذكرها الذهبي، ومن قول الثوري في تزكية قراءة حمزة، واستغرب سكوت الذهبي عما قاله فيه السلف كيزيد بن هارون وعبدالرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وعبدالله بن إدريس الأودي وأبو بكر بن عياش، وابن دريد، وحماد بن زيد، والأزدي والساجي.
 
الثالثة: أن ابن مطرف الكناني في كتابه (القرطين) الذي جمع فيه بين كتابي ابن قتيبة (تأويل مشكل القرآن) و(غريب القرآن) قد تصرف وحذف ما ذكره ابن قتيبة عن حمزة إلى آخر الباب، وقال أنه حذفه (لما فيه من الطعن على حمزة، وكان أورع أهل زمانه، مع خلو باقي الباب من الفائدة). وقد علق عليه السيد أحمد صقر فقال:(وهو قول يدل على عصبية مضلة، وغفلة عن قيمة الحقائق العلمية…الخ).
 
الرابعة: أنني لم أر ابن الجزري رحمه الله قد تعرض للمؤاخذات التي ذكرها ابن قتيبة ولا الذهبي على قراءة حمزة رحمه الله، حيث علق الذهبي على قول أبي بكر بن عياش إن قراءة حمزة بدعة بقوله: “يريد ما فيها من المد المفرط، والسكت، وتغيير الهمز في الوقف والإمالة وغير ذلك” واكتفى ابن الجزري بعزوه كراهية بعض الناس لقراءة حمزة إلى الرواة الذين نقلوا عنه بعض الأوجه المستبشعة، وحمزة رحمه الله كان ينهاهم عن ذلك. فما أدري ما تعليق العلماء الكرام المتخصصين معنا في ملتقى أهل التفسير في هذا الرأي الذي ذهب إليه ابن قتيبة والذي ذهب إليه ابن الجزري حول قراءة حمزة؟
 
آمل أن أقرأ نقاشاً جاداً نافعاً لما تم نقله عن ابن قتيبة، مع التجاوز عن بعض عباراته في وصف ما يعانيه من يتعلم قراءة حمزة ونحوها من العبارات الخارجة عن محل الحديث. وفقكم الله لما يحب ويرضى.