قراءة في كتاب (فك أسرار ذي القرنين ويأجوج ومأجوج)

بسم الله الرحمن الرحيم

 
الكتاب (فك أسرار ذي القرنين ويأجوج ومأجوج) لكاتبه حمدي بن حمزة أبوزيد، وعدد صفحاته – 543- من القطع المتوسط، فإنه لم يمض كبير وقت على إصدار الطبعة الأولى لهذا الكتاب -1425هـ- حتى أطلت علينا الطبعة المنقحة والمحدثة -1428هـ- وخلاصة الكتاب أن المؤلف حفظه الله قد توصل إلى حل لغز شخصية ذي القرنين التي أحدثت عند المفسرين جدلاً حول شخصيته الحقيقية التاريخية ومسقط رأسه ومكان العمل الجبار الذي حجز خلفه قوم يأجوج ومأجوج وأعني به السد العظيم.
 
لقد أطل علينا الكاتب بهذا الكتاب وقد عرته نشوة الفوز في حل هذا اللغز الذي عجز عن حله السابقون، يقول في مقدمة الكتاب: “ولم يدر في خلدي أبداً بأني سأكون في يوم من الأيام واحداً من الباحثين في هذا الموضوع، ولكن مشيئة الله شاءت أن أسير في درب قادني إلى البحث في قصة ذي القرنين ويأجوج ومأجوج ومغرب الشمس ومطلع الشمس وما ارتبط بهذه الموضوعات من أحداث واستكشافات.. فبعون الله وتوفيقه تمكنت من فك سر يأجوج ومأجوج.. ومن خلال ذلك تكشفت لي إحدى أجمل مخرجات هذا البحث والمتمثلة في الوصول إلى أدلة قوية تثبت أن ذا القرنين ما هو إلا الملك المؤمن (أخناتون) أحد ملوك مصر.. كما توفرت أدلة قوية على أن أختاتون أي (ذو القرنين) هو ابن الفرعون (أمنحوتب) الثالث الذي تبع موسى عليه السلام حتى البحر ليمنعه من الخروج بقومه إلى صحراء سيناء فأغرقه الله هو وجنده في اليم.. وتوفرت أدلة على أن (الرجل المؤمن) الذي جاء ذكره في سورة غافر والذي كان يدافع عن موسى عليه السلام في بلاط فرعون -أمنحوتب الثالث- إنما هو أخناتون ابن ذلك الفرعون وأنه هو ذو القرنين بعينه”.
 
هذا مقتطف مما جاء في مقدمة الطبعة الأولى. وفي الطبعة الثانية يركز على تاريخ الفراعنة وعلى أخناتون بالذات، يقول: “إن هذا الكتاب في طبعته المنقحة يروي قصة ذلك الطفل أمنحوتب الرابع أخناتون ذي القرنين، كما يرجع فكرة معاصرة أربعة من الفراعنة لموسى عليه الصلاة والسلام؛ فرعون التبني وفرعون التربية في الصبا وفرعون التربية في المرحلة التالية وفرعون الدعوة والغرق”.
 
أقول: أريد أن أركز على مناقشة بعض ما ورد تاركاً كثيراً من فصول الكتاب التي لا يستقيم منهجها ففيما سأذكره فيه الغناء لبيان أخطاء هذا الكتاب آخذاً بالأهم فإذا جليتُها تهافت غيرها، وقبل البدء سأضع مقدماً صفات ذي القرنين التي وردت في القرآن:
 
• التمكين له في الأرض بالقوة والغلبة.

• مده بأسباب القوة والتمكين الروحية والمادية بمعنى منحه قوة خارقة.

• طاف الأرض من مغربها إلى مشرقها، ثم عرّج على قوم يأجوج ومأجوج.

• مؤمن يحمل رسالة، وملهم دون إلهام النبوة.

• يجازي بالحسنى من أحسن ويعاقب من كفر وأساء، مع وعيده لمن أساء بعذاب ينتظره من الله تعالى في الآخرة.

• بنى السد بقوة وهندسة خارقة من حديد أذابه بالفحم وسكب فوقه النحاس المذاب تقوية له وقيل بناه طبقات طبقة من الحديد وأخرى من النحاس إلى أن ارتفع.
 
درس المؤلف تاريخ الفراعنة فوقر في قلبه أن الأسرة الثامنة عشرة هي التي خرج منها ذو القرنين واختار من هذه الأسرة أخناتون، فاضطر لأن يقول إن موسى عليه الصلاة والسلام عاصر أربعة من الفراعنة لأنه لم يجد لواحد منهم في التاريخ مدة حكم تساوي مدة حياة موسى عليه الصلاة والسلام في مصر فاضطر لأن يقول: فرعون الميلاد وفرعون المعيشة علماً بأن فرعون موسى هو نفسه من الولادة وحتى الغرق لينال جزاء ما فعل من ذبح الأطفال إلى الكفر والتنكيل وادعاء الألوهية وكذلك لتتحقق رؤياه من مولود بني إسرائيل الذي سيدمر ملكه على يديه وهو موسى عليه الصلاة والسلام.. ثم وصل المؤلف إلى أمنحوتب الثالث والد أخناتون الذي سماه فرعون الغرق ثم خلفه أمنحوتب الرابع وهو أخناتون الذي هو ذو القرنين وهيأ له أسباب الإيمان فهو مؤمن آل فرعون وهو الذي غير نمط العبادة في مصر وأمر بالتوحيد مخالفاً الكهنة ثم يستشهد له بأناشيد قال إنها الأصل لمزامير دواد فيما بعد.
 
أقول: إن المسائل في مثل هذه الأمور لا تبنى على الظن -فهناك من قال إن فرعون موسى من الأسرة التاسعة عشرة وهو رمسيس الثاني- أما جمعه الناس على إله واحد فلا يعني أنه أصبح مسلماً، لقد أحب الشمس فجمعهم على عبادة الشمس وما الفرق بينه وبين بلقيس (وجدتها تسجد للشمس من دون الله) ثم تعدى ذلك إلى أن جعله نبياً، وأما شواهد مزاميره على التوحيد فإن أدنى طالب علم عندما يقرؤها سيتبين أنه يناجي الشمس ويعدها الإله والمؤلف أورد نموذجاً منها، يقول:
“أنت تطلع ببهاء في أفق السماء” (مناجاة للإله الذي هو الشمس)
 
“عندما تبزغ في الأفق الشرقي تملأ البلاد بجمالك” (من الذي يطلع؟ إنها الشمس)
 
“أنت جميل عظيم متلألئ وعال فوق كل بلد وتحيط أشعتك بالأراضي كلها التي خلقتها لأنك أنت رع فإنك تصل إلى نهايتها وتخضعها لأنك المحبوب.
 
وعندما تغرب في الأفق الغربي، تسودُّ الأرض كما لو كان حل بها الموت.
 
ويلف الظلام كل شيء ويعم الأرض السكون.
 
ويرفعون أذرعتهم ابتهالاً عند ظهورك (هؤلاء عبّاد الشمس) لذلك منع الإسلام الصلاة عند شروق الشمس منعاً للتشبه بهؤلاء”.
 
فهل هذا كلام موحد أو نبي؟ والكلام طويل وكله من هذه الهرطقات التي تنسب كل شيء للشمس الذي هو الإله باعتقاده.
 
يقول المؤلف: “يبدو من مجمل الأحداث التي مر بها أخناتون في آخر عهده أنه لم يستطع إقناع قومه بعقيدة التوحيد التي بعثه الله لإبلاغها لهم.. فقرر الهجرة من بلده إلى أرض الله بحثاً عن مغرب الشمس ومطلع الشمس”.

أقول: إن الذي فشل في بلده من نشر الدعوة -كما يزعم المؤلف- وهو ملك محاط بالجند وقد رحل من عاصمة بلاده وبنى مدينة أختاتون وأقام فيها التماثيل والرسومات فكيف عجز عن مقاومة الكهنة ثم يريد أن يخرج بحفنة من الأتباع للطواف حول الأرض وإصلاح الناس -ونذكر هنا بصفات ذي القرنين- فهل يمكن لهذا الضعيف أن يصلح الناس كما فعل ذو القرنين الحقيقي؟ ثم من الذي كلفه بالبحث عن مغرب الشمس ومشرقها؟ إنه من خلال الطواف بالعالم وصل ذو القنرنين إلى أقصى الغرب بحيث لم يعد هناك معمورة وكذلك بالنسبة لأقصى الشرق، أما أن يكون قد كُلف للوصول إلى مكان اسمه مشرق الشمس وآخر اسمه مغرب الشمس فهذا ضعف في تأويل الآيات، حيث لا يوجد مكان على سطح الأرض اسمه مشرق الشمس أو مغربها، وكما نقول اليوم عن الدول الأوروبية وأمريكا دول الغرب وعن الصين واليابان دول الشرق، تجاوزاً فالأرض كروية وأي بلد على هذه الأرض لها مشرقها ولها مغربها، والمؤلف يرى أن مطلع الشمس هو غير الشروق وأنها منطقة محددة عند خط الاستواء وبعد البحث وجدها جزيرة كيريباتي في المحيط الهادي، يقول إن الشمس تطلع عليها أولاً دون غيرها، ولا أدري كيف هذا والأرض كروية دوارة، حيث تطلع الشمس عليها كما تطلع أولاً على من كان شرقيها ثم تالياً على من كان غربيها وهكذا، والحقيقة أن أخناتون لم يغادر مصر وعدم وجود جثته أو آثارها ليس دليلاً على هجرته من مصر فكثير من مخبآت الفراعنة لم تكتشف حتى الآن، وربما من تولى بعده نبش قبره وأخرج جثته بغضاً وانتقاماً.
 
ثم يقول المؤلف: “إن في هذا الكتاب محاولة لتصحيح بعض المفاهيم.. ويضرب أمثلة منها: القول بأن آسيا بنت مزاحم هي امرأة فرعون التي ضرب الله بإيمانها مثلاً.. هو قول غير صحيح ويتنافى مع كل حقائق التاريخ المدون.. فتلك المرأة هي الملكة (تي) زوجة الفرعون أمنحوتب الثالث والدة أخناتون فهي أم ذي القرنين”.
 
أقول: لقد وردت أحاديث صحيحة بشأنها فهل تلغي هذه الأحاديث لأن التاريخ الظني قد ذكر خلاف ذلك، فعند البخاري عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» وكذلك أخرجه مسلم، وأخرج الترمذي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حسبك من نساء العالمين مريم ابنة عمران، خديجة بن خويلد، وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون» والحديث صحيح، وفي مسند أحمد عن ابن عباس قال: خط النبي صلى الله عليه وسلم أربعة خطوط قال: «أتدرون ما هذا؟» فقالوا: “الله ورسوله أعلم”، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون ومريم ابنة عمران».
 
ويخطئ الكاتب حين يقول عن سد ذي القرنين بأنه سد، بل هو ردم.
 
أقول ورد في القاموس المحيط أن الردم بمعنى السد بل هو أعظم، لأن القوم لما طلبوا من ذي القرنين أن يقيم سداً يمنع عنهم يأجوج ومأجوج قال: {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} [الكهف:95] ثم طلب منهم المساعدة في تحضير ما يلزم من الحديد والنحاس المذاب.. وليس في صفات سور الصين الذي رشحه المؤلف ما يطابق صفات ردم ذي القرنين.
 
وأخيراً لا أريد الإطالة فالكتاب جهد شخصي وعمل فردي لا يمكن الوثوق بمعلوماته ولو كان رسالة دكتوراه لكان هناك لجان تقويمية له، ولذلك أود لو شكلت لجنة من المتخصصين في هذا المجال من هيئة رسمية وجامعية للنظر في هذه المعلومات الواردة في هذا الكتاب الذي خرج عن الصواب، خصوصاً أن مؤلفه يعده فتحاً وإنجازاً لم يُسبق إليه ويطلب تصحيح كثير من المفاهيم السابقة وفق ما يرى مخطئاً من سبه في هذه الدراسة، قديمهم وحديثهم، وأنه قد وصل إلى حقيقة لا لبس فيها مع كثير من الثقة المفرطة بما أعد، وأقول لو كان ما وصل إليه هو الصحيح حتماً وكان قد قرر مثل هذا في الطبعة الأولى فلم غيّر وبدّل في الطبعة المزيدة والمنقحة حتى أصاب هذا التغيير اسمه، ففي الطبعة الأولى (حمدي بن حمزة أبوزيد) وفي الطبعة المنقحة (حمدي بن حمزة الصريصري الجهني) وعليه فإن الأمر مهما بلغ من الدقة في البحث فلن يكون في مثل هذه الأمور يقينياً، فالتاريخ موغل في القدم والجزم فيه ضرب من المبالغة التي لا تؤصل للمعرفة، إن الحماسة في مثل هذه الأمور عمل غير محمود، فالذي ينبغي أن يقال في مثل هذه البحوث أن يقول المؤلف: حسبي أني بذلت جهدي فإن كان صواباً فلله الحمد والمنة على توفيقه لي وإن كان غير ذلك فهو تقصير مني وعذري أني عملت واجتهدت.