قصة المقرئ القرشي وخطأه في النحو ورجوعه للحق

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ذكر الإمام إبراهيم بن موسى الشاطبي رحمه الله في كتابه القيم الاعتصام (3/454) قصة طريفة وقع فيها أحد القراء في خطأ نحوي ثم رجع إلى الصواب عندما اتضح له الحق. قال الشاطبي: “حكي عن يوسف بن عبدالله بن مغيث أنه قال: أدركت بقرطبة مقرئاً يعرف بالقرشي، وكان لا يحسن النحو، فقرأ عليه قارئ يوماً: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق: 19] فرد عليه القرشي (تحيدٌ) بالتنوين! فراجعه القارئ -وكان يحسن النحو- فلج عليه المقرئ، وثبت على التنوين، فانتشر الخبر إلى أن بلغ يحيى بن مجاهد الألبيري الزاهد، وكان صديقاً لهذا المقرئ، فنهض إليه، فلما سلَّم عليه وسأله عن حاله قال له ابن مجاهد: إنه بَعُدَ عهدي بقراءة القرآن على مقرئ، فأردت تجديد ذلك عليك،فأجابه إليه. فقال: أريد أن أبتدئ بالمفصَّل، فهو الذي يتردد في الصلوات. فقال له المقرئ: ما شئت..
 
فقرأ عليه من أول المفصل، فلما بلغ الآية المذكورة، ردها عليه المقرئ بالتنوين، فقال له ابن مجاهد: لا تفعل، ما هي إلا غير منونة بلا شكٍّ، فلج المقرئ، فلما رأى ابن مجاهد تصميمَه، قال له: يا أخي! إنه لم يحملني على القراءة عليك إلا لتراجع الحق في لطف، وهذه عظيمةٌ أوقعك فيها قلة علمك بالنحو، فإن الأفعال لا يدخلها التنوين. فتحير المقرئ، إلا أنه لم يقنع بهذا !
فقال له ابن مجاهد: بيني وبينك المصاحف. فأحضر منها جملةً، فوجدها مشكولةً بغير تنوين، فرجع المقرئ إلى الحق. انتهت الحكاية” أ.هـ الشاطبي.

 
وقفات مع هذه القصة الطريفة:

1- أهمية عناية المقرئ للقرآن بعلم النحو عناية كبيرة، وهذا أمرٌ متفق عليه وكثيراً ما يقع التقصير في هذا من أصحاب العناية بالإقراء وتعليم التجويد والقراءة.
2- أسلوب النصح المؤدب الذي اتبعه ابن مجاهد الألبيري رحمه الله مع صديقه القرشي رحمه الله، وهو موضعُ قدوةٍ ينبغي علينا التأدب به وهو حسن التأتي في نصح الآخرين حتى يُقبلَ النصحُ من الناصح، ويجعل المنصوح يُقبلُ على الحق وينقاد له.
3- عناية العلماء بضبط قراءة المفصل لكثرة ترداده في الصلوات في مختلف العصور وأنه يبدأ من سورة ق.