قصيدة أبي الحسين الملطي الرائية في التجويد التي عارض بها قصيدة الخاقاني

بسم الله الرحمن الرحيم

 
قصيدة أبي مزاحم الخاقاني المتوفى سنة 325هـ في التجويد تعد من أقدم المصنفات في التجويد بحسب ما ظهر للباحثين، وقصيدة أبي الحسين الملطي المتوفى سنة 377هـ الرائية عارض بها قصيدة أبي مزاحم الخاقاني لاستحسانه لها، وإعجابه بها.
 
وإفادة للإخوة القراء الذين يعنون بمثل هذه الموضوعات رأيت أن أنشرها. وقد نقلتها من تحقيق الأستاذ عزير شمس وفقه الله في كتابه (روائع التراث) من ص108 حتى ص 112
 

وقد نقلتها كما هي مع خفاء كلمتين في قافيتي البيتين 38 و 52، وقد وضعت بين قوسين [ ] ما رأيته أولى في ثنايا كلام أبي عمرو الداني رحمه الله. وها هي القصيدة ومعها تقديم أبي عمرو الداني بين يديها وختمه لها.
 

بسم الله الرحمن الرحيم

قال عثمان بن سعيد(1): لما بلغ أبا الحسين محمد بن أحمد بن عبدالرحمن الملطي المقرئ قول أبي مزاحم في الإقراء وحسن الأداء عارضه بقصيدة عملها في هذا المعنى على عروض تلك وقافيتها، ومعانيها، وزاد عليه أشياء أغفلها، وأصولاً أضرب عنها، غير أن فضل قصيدة أبي مزاحم في الإتقان والجودة وتهذيب الألفاظ وتقريب المعاني لا تخفى على من تأمل القصيدتين، وأنشد الشعرين ممن له أدنى فهم، وأقل تمييز، فضلاً على من خص من ذلك بحظٍّ وافرٍ، ومن عليه منه بنصيب كامل.
 
وقد رأينا أن نكتب في آخر كتابنا هذا قصيدة أبي الحسين، ونختمه بها لغرابتها، وقلة وجودها عند من يشار إليه بالتصدير، ويعرف بالإقراء، مع محل قائلها من الدين، وموضعه من العلم، رحمة الله عليه ورضوانه.
 
ذكر قصيدة أبي الحسين الملطي ومن أنشدناها عنه
أنشدنا أبو مروان عبيدالله بن سلمة بن حزم المكتب لفظاً من كتابه، وأبو محمد إسماعيل بن رجاء بن سعيد العسقلاني من حفظه، قال: أنشدنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن عبدالرحمن الملطي بعسقلان لنفسه في القراء، وهي هذه:
 

أقولُ لأهلِ اللُّبِّ والفضلِ والحِجْرِ *** مقالَ مُريدٍ للثَّوابِ وللأجْرِ
وأَسألُ ربي عَونَهُ وعَطاءَهُ *** وصَرْفَ دواعي العُجْبِ عَنِّىَ والكِبْرِ
وأَدْعُوهُ خَوفاً راغِباً بِتَذَلُّلٍ *** لِيَغْفِرَ لَيْ ما كانَ مِنْ سَيّئِ الذِّكْرِ
وأَسأَلُهُ عَوناً كما هُو أَهْلُهُ *** أَعُوذُ بهِ مِنْ آَفةِ القولِ والفَخْرِ
إِلَهي بِذاكَ العِزِّ والجُودِ والبَها *** أَجِرْني من الآفاتِ والقُبْحِ والشَّرِّ
 
وأَطْلِقْ لِساني بالصَّوابِ فإِنَّهُ *** كَلِيلٌ، فإِنْ أَطْلَقْتَهُ فُزْتُ بالغَفْرِ
وهَبْ ليْ خُشُوعاً في التَّمَنِّي وخَشيَةً *** ونُطْقاً فَصِيحاً بالتَّواضُعِ والفِكْرِ
فإِنَّ الذي يتلو الكتابَ يُقِيمُهُ *** على لَحْنِهِ يَحْظى بفائدةِ الأَجْرِ
فيا قَارئَ القرآنِ فاطْلُبْ ثَوابَهُ *** وكُنْ طائِعاً للهِ في السِّرِّ والجَهْرِ
وإِيَّاكَ أَنْ تَبْغِي بِهِ غَيْرَ أَجْرِهِ *** وأَحْكِمْ أَدَاهُ، واجْتَهِدْ تَحْظَ بالقَدْرِ
 
عليكَ بِقَصْدِ المُقْرئيْنَ أُوليْ النُّهَى *** فَخُذْ عنهمُ لَفْظاً يَزِيْنُكَ إِذْ تَدْري
وكُنْ طالِباً تَبْغِي إِقامَةَ سُنَّةٍ *** فَقُلِّدْتَها عنْ سادةٍ مِنْ ذَوي السِّتْرِ
وأَقْرانِها عَنْ سَبعةٍ ذِي فَصاحةٍ *** ولُبٍّ ودِيْنٍ، ذلكَ الصادقُ المُقْرِيْ
وإِيَّاكَ والتقليدَ مَنْ لَيس يَتَّقِيْ *** ولا عِنْدَهُ خُبْرٌ مِن النَّصْبِ والجَرِّ
لأَنَّ الذي لا يَعْرِفُ اللَّحْنَ أَشْكَلَتْ *** عليهِ حُرُوفٌ في التِّلاوةِ بِالنُّكْرِ
 
فَدَعْهُ وكُنْ ما شِئْتَ تَبْغِي زِيادَةً *** ولو نِلْتَ ما نالَ الفَصيحُ من اليُسْرِ
فَذُو الحِلْمِ لا يَنْفَكُّ عَنْ حَزْمِ رَأْيِهِ *** وذو الجهلِ لا يَنْفَكُّ مِنْ شِدَّةِ الغِرِّ
وفي حَرْفِ عبدِاللهِ إِنْ شِئْتَ قُدْوَةٌ *** ونافعُ مُقْراهُ يُزِيلُ أَذَى الصَّدْرِ
فهذانِ مِنْ أَهلِ الحِجازِ كِلاهُما *** وبَعدَهُما البَصْرِيُّ ذاك أَبُو عَمرِو
وشيخُ النُّهى والعِلْمِ والحِجْرِ والتُّقَى *** وذُو خِبْرَةٍ بالنَّحْوِ واللَّفظِ والشِّعْرِ
 
ومِنْ بَعدهِ الشاميُّ ذاك ابنُ عامرٍ *** وبالكوفةِ القُرَّاءُ منهمْ أَبو بَكْرِ
ومِنْ بَعدِه الزيَّاتُ حَمزةُ ذو التُّقى *** وأَيضاً عليٌّ بَعْدَهُ مِنْ ذَوي البِرِّ
فهُمْ سَبعةٌ كانوا المصابيحَ رَتَّلُوا *** تِلاوتَهُمْ بالحِذْقِ فيها وفي الحَدْرِ
وما هَذْرَمُوها بَلْ نَوَوا عَنْ فَسادِها *** وما مَطَّطُوها يا أَخيْ فُزْتَ بالبِكْرِ
وكُنْ إِنْ تَلوتَ الذِّكْرَ غَيْرَ مُهَذْرِمٍ *** فَجَوِّدْ عَلى رِسْلٍ بِلا سَرَفِ العُذْرِ
 
وأَتْقِنْ كتابَ اللهِ واعْرِفْ بَيانَهُ *** لِتَرْكَبَ نَهْجَ الصَّادِقينَ ذَوي الحِجْرِ
وكنْ حاذقاً ذا فِطنةٍ وتدبرٍ *** لِتحذرَ لَحْفاً في الخفاءِ وفي السرِّ
وكنْ عارفاً للدرسِ في كل حالةٍ *** ليُصرَفَ عند الله جائحةُ الوِزْرِ
وما لكَ إِن لم تَعرفِ اللحنَ حُجةٌ *** وما لكَ إِن لم تعرفِ اللحنَ مِنْ عُذْرِ
وحُكمُكَ أَنْ تقرأْ بِوزنٍ وخِبْرةٍ *** ورِقَّةِ ألفاظٍ ودَرْسٍ على قَدْرِ
 
وإِنْ أنتَ أَقرأَتَ أمرءاً بِتحقُّقٍ *** فلا تَزِدَنْهُ إِنْ أَخَذْتَ على عَشْرِ
وعَرِّفْهُ ما يأَتيهِ حتى يُقِيمَهُ *** على حَدِّهِ باللفظِ منكَ وبالصَّبْرِ
ولا تَضْجَرَنْ كيما تَحوزَ مَثُوبَةً *** من اللهِ في يومِ التغابُنِ والحشرِ
وحَذِّرْهُ مِنْ جَورِ القراءةِ عامداً *** وبَيِّنْ لهُ الإدغامَ والجَزْمَ في الأَمْرِ
وعَرِّفْهُ نَصْباً بعدَ رَفْعٍ تُبينُهُ *** وخَفْضاً أَبِنْهُ بالإِشارةِ للكَسْرِ
 
ولا تَشْدُدِ النُّونَ التي يُظهِرونَها *** إذا ما عَدَتْ شَيئاً من الأَحْرُفِ الزُّهْرِ
هي العيْنُ والغَيْنُ اللتانِ كلاهُما *** تَبِينانِ عندَ النونِ في كلِّ ما تَجْري
وبَعدَهُما حاءٌ وخاءٌ وهَمزةٌ *** فتَبْيينُها لديهُنَّ واسْتَجِرْ(2)
ولا تُظْهِرَنْها عندَ غَيْرِ حُرُوفِها *** وعَوِّضْ بإِدْغامٍ لَدَى سِتَّةٍ غَيْرِ
بِراءٍ ولامٍ ثُمَّ ميمٍ وبعدَها *** ثلاثٌ وهُنَّ: الواوُ والياءُ في الإِثْرِ
 
ونُونٌ وَتُخْفَى عندَ خَمسٍ وعَشْرَةٍ *** إذا ما أتى في المُحْكماتِ لذي الذِّكرِ
فهذا بيانٌ واضحٌ إِنْ عَرَفتهُ *** فَخُذهُ بفهمِ الحاضرينَ لهُ وادْرِ
ومَيِّزْ لدَى التَّمْكينِ في كلِّ موضعٍ *** وقاربْ إذا ما جِئْتَ بالمدِّ والقَصْرِ
ومَدُّكَ فاعلَمْ في ثلاثةِ أَحْرُفٍ *** وهُنَّ حُروفُ اللِّيْنِ عندَ ذَوي الخُبْرِ
فواحدةٌ معروفةٌ بِسُكونِها *** وياءٌ وواوٌ يَسْكُنانِ على يُسْرِ
 
ونَبْرُكَ لا تَتْرُكْ بِسَدِّ خُروجِهِ *** ولا تَكُ ذا جَورٍ إذا جئتَ بالنَّبْرِ
ومَكِّنْ إذا حرفٌ أتاكَ مُضاعَفٌ *** وأَنْعِمْ بيانَ العينِ والهاءِ كالدُّرِّ
وإِمَّا أَتتْ راءٌ ولامٌ رَقيقةٌ *** فخَلِّصْهما، والنُّطقُ يأتي على خبري
عليكَ لإِتْمامِ الكلامِ مُوَافِقاً *** فلا تَدَعَنْها ما حَيِيتَ من العُمْرِ
وإِنْ جِئتَ قبلَ الواوِ بالضمِّ فاجْرِهِ *** عَلى واضحِ التِّبيانِ في الدَّرْجِ والمَرِّ
 
وإنْ جاءَ حرفُ اللِّيْنِ مِنْ قَبْلِ مُدْغَمٍ *** فبالمدِّ والتمكينِ يُنْثَى مع الدَّهْرِ
وإنْ جاءَ حرفُ الوصلِ فاسْمع بنطقهِ *** وسَكِّنْ ذَوي التَّسكينِ غَرِّد زفر(3)
ولا تُدْغِماً مِيماً إذا كانَ بعدَها *** سِواها، وكُنْ في ذاكَ مُعتَدِلَ الأَمْرِ
وخُذْ بوصَاتِي أَيُّهَا المرءُ تَنْتَفِعْ *** فقد بُحْتُ بالمكنونِ والعُرفِ مِنْ سِرِّ
تدبر مقالاً فيه علمٌ وحكمةٌ *** وتلقيح أذهان أبحتك من بر
 
فلا تَدَعَنْهُ رَغْبةً وتَهَاوناً *** ولا تكُ تَأتي بالخِلافِ على أَمْرِ
فقدْ وَجَبَتْ لِيْ في ذِمَامِكَ حَاجةٌ *** وتَعْصِي إذا قَصَّرْتَ عنها وعنْ شُكْرِ
ونَظْمي لهَا خَمسونَ بيتاً وتسعةٌ *** قَريضاً فَخَيِّرْ مَنْ يُعَظِّمْهُ واسْتَشْرِ
ولا تُخْلِيَنِّي مِنْ دُعائِكَ، إِنَّنِي *** لكَ اللهَ دَاعٍ بالسَّلامةِ والنَّصْرِ

 

قال عثمان بن سعيد: للنون الساكنة والتنوين أربعة أحكام على ما بيناه قبل، فذكر أبو مزاحم منها الحكم الواحد، وهو ما بيناه عنده، وذكر أبو الحسين ثلاثة أحكام: ما بينا عنه [لعله عنده] وما تدغمان وما تخفيان. وبقي الحكم الرابع وهو ما نقلناه عنده [لعله تقلبان عنده]، فقلت أنا فيه بيتاً وأدرجته مع قول أبي الحسين لتكمل بذلك أحكام النون والتنوين، وهو قولي:

وتُبدلُ عند الباء ميماً لأنهَّا مؤاخيةٌ *** في الصوتِ في السِّرِّ والجهرِ

فذكرتُ البدل والعلة فيه.
ــــــــــــ

(1) هو أبو عمرو الداني، المقرئ الشهير المتوفى سنة 444هـ، قاله في خاتمة كتابه شرح القصيدة الخاقانية.
(2) كذا في الأصل.
(3) كذا في الأصل.

الرياض في 9/2/1428هـ