لطائف قرآنية من قصة موسى في سورة القصص

بسم الله الرحمن الرحيم

 
قوله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:4].
 
1- في قوله تعالى: {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ} إشارة إلى أن هناك من لم يقع عليه الاستضعاف، ولم ينله تأثير هذا الإرهاب الذي مارسه فرعون على بني إسرائيل، إما لقوة يقينهم وصبرهم، وإما لأسباب أخرى، وهؤلاء هم الذين يحفظ الله بهم توازن المجتمع من الانهيار، والهزيمة النفسية. وهذا من رحمة الله بالمؤمنين، وحفظه لهم، فلو تمكن العدو والظالم من هزيمة الجميع نفسياً لما كان هناك بقية للقيام والنهوض والمقاومة، ولله الحكمة البالغة، ولعل تربية موسى عليه الصلاة والسلام في بيت فرعون قد أبعدت عنه ذلك الشعور بالضعف والهزيمة النفسية، مما مهد لقيامه بأمر الله سبحانه وتعالى بعد ذلك.
 

2- في قوله تعالى: {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ} دلالة على أن نصر الله للمؤمنين، ومكره بالكافرين، لا يمنعه ما يدعيه الأعداء من اتخاذ التدابير اللازمة لردع العدوان، والحذر الشديد، وسد كل الثغرات التي قد ينفذ منها المؤمنون. فهم يتوقعون ويحذرون ويدرسون ويضعون الخطط المستقبلية لمنع وقوع أي اختراقات لصفوفهم، ولكن الله يريهم فوق هذا كله من أوليائه المؤمنين ما كانوا يحذرونه منهم، ويظنون أنهم لا يصلون إليه، وقد وقع بالفعل ما كان يحذره فرعون، فهلك ومن معه على يد من كانوا يتوقعون منه ذلك وهم بنو إسرائيل، ونصر الله موسى ومن معه، وكذلك ينصر الله أوليائه في كل زمان ومكان.
 

3- في قوله تعالى: {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا} دلالة على أن الظالم الطاغية لا يصنع شيئاً بمفرده، وأنه لا يصل إلى ظلم الناس، والتسلط عليهم إلا بمعونة ومظاهرة من بطانة تعينه على الظلم، وتزين له الباطل، كما فعل هامان وزيره، وجنوده الذين يستجيبون له في ظلم الناس وقهرهم، والتسلط عليهم. وهذا حال الطغاة في كل زمان ومكان، فلو وجد الظالم من يمتنع عن الاستجابة لأمره بالباطل، ومن ينصحه ويرده للصواب، لما وصل لكثير مما يحصل له. وقديماً قالت العامة في أمثالها: قيل لفرعون: ما الذي فرعنك؟ قال: لم أجد من يردعني!
 
4- في قوله تعالى: {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ} إشارة إلى أن من الإهانة للطاغية الظالم وأعوانه، أن يبقيهم الله حتى يروا بأعينهم نهايتهم وذلهم، وتمكن أهل الحق من الأمر، واستخلافهم في الأرض. وهذا أبلغ في إهانتهم وعذابهم من إهلاكهم قبل تمكين جنود الله من زمام الأمور، وليس الخَبَرُ كالمعاينة.