ماالفرق بين الاستفهام الإنكاري والاستفهام التقريري؟

بسم الله الرحمن الرحيم

 
السؤال:
 
1- أريد من الأخوة الأفاضل بيان الفرق بين الاستفهام الانكاري وبين الاستفهام التقريري، وأرجو التمثيل، كي يتضح الفرق بجلاء.

وكذا أود ايضاح مرجع في هذا الموضوع.
 
2- هل يوجد استفهام إنكاري من غير توبيخي والعكس توبيخي من غير إنكاري، أم أن الإنكار يشم منه رائحة التوبيخ غالباً؟
 
3- في الآية: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة من الآية:30] بأي قسم من أقسام الاستفهام تُدرج؟
 
وجزاكم الله خيرًا.
 
الجواب:
 
أخي الكريم وفقه الله
 
1- في سؤالكم عن الفرق بين الاستفهام الإنكاري والتقريري. فإن للاستفهام أنواعاً أخرى تعرف من خلال سياق الاستفهام. وقد أفاض علماء المعاني في دراستها رحمهم الله.
وعلم المعاني – كما تعلمون – هو جزء من علوم البلاغة الثلاثة (المعاني – البيان – البديع). ولا يخلو كتاب من كتب البلاغة من الكلام عن الاستفهام وأدواته. وهم يعدون الاستفهام نوعاً من أنواع الإنشاء الطلبي. ويعرِّفون الاستفهام بأنه طلب العلم بشيء لم يكن معلوماً من قبل بأداة خاصة من أدوات الاستفهام.
 
وأدوات الاستفهام كثيرة، منها : الهمزة، وهل، وما، وكم، ومَنْ، ومتى، وكيف، وأين، وغيرها.
 
ولكل أداة من أدوات الاستفهام وظيفة أو وظائف خاصة. فمثلاً الهمزة يطلب بها أحد أمرين: التصور، والتصديق. فالتصور هو إدراك المفرد وتعيينه. والتصديق هو إدراك النسبة. وهل يطلب بها التصديق فقط. وهكذا بقية الأدوات لكل أداة وظيفتها الخاصة.
 
ولكن هذا الاستفهام قد يخرج عن الاستفهام المجرد إلى معانٍ أخرى، تعرف بالقرائن، ودلالة سياق الكلام، وهذه المعاني كثيرة، منها :
النفي. مثل قوله تعالى: {مَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّـهُ} [الروم من الآية:29]. وقوله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن:60].
التعجب. مثل قوله تعالى: {مَالِ هَـٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان من الآية:7].
الإنكار. مثل قوله تعالى: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا} [الإسراء من الآية:40].
التمني. ولا يحضرني مثال من القرآن، ولكن يحضرني قول صاحب اليتيمة :

هَلْ بالطلولِ لِسائلٍ رَدُّ؟ *** أم هل لها بتكلمٍ عهدُ؟

التقرير. مثل قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح:1] وقوله: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا} [الشعراء من الآية:18].
التحقير. مثل قوله تعالى {أَهَـٰذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّـهُ رَسُولًا} [الفرقان:41] – الاستبطاء. مثل قوله تعالى: {مَتَىٰ نَصْرُ اللَّـهِ} [النصر:214].
الاستبعاد. مثل قوله تعالى: {أَنَّىٰ لَهُمُ الذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ . ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ} [الدخان:13-14].
التهكم والاستهزاء. مثل قوله تعالى: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} [هود من الآية:87] – الوعيد والتهديد. مثل قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} [الفجر:6].
التحضيض. مثل قوله تعالى: {قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ} [الذاريات:27].
– وغيرها.
وبما أن سؤالك عن الاستفهام الإنكاري والتقريري أقول :
 
الاستفهام التقريري هو أن تطلب من المخاطب أن يقر بِما يُسأَلُ عنه نفياً أو إثباتاً، لأي غرض من الأغراض التي يراد لها التقرير. كالإدانة واللوم ونحو ذلك. ومن أمثلته في القرآن الكريم ما تقدم من قوله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح:1]. يعني قد شرحنا لك صدرك يا محمد، وتقريره بذلك لكي يشكر هذه النعمة ويقدرها حق قدرها.
 
وقوله تعالى على لسان فرعون يخاطب موسى عليه السلام: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا} [الشعراء من الآية:18]. وفرعون يريد أن يقر موسى بذلك ليدينه بهذا، أي: كيف نربيك ثم تنقلب علينا؟!
 
وقوله تعالى على لسان قوم إبراهيم عليه السلام عندما حطم أصنامهم: {أَأَنتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء من الآية:62] وغرضهم من إقراره بهذا إدانته، والانتقام منه، ولكنه أجاب بطريقة أخرى.
 
وقوله تعالى ممتناً على نبينا صلى الله عليه وسلم: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ} [الضحى:6] فهو استفهام تقريري، للامتنان على النبي صلى الله عليه وسلم. وغير ذلك من الأمثلة من كلام العرب شعراً ونثراً. ومن أجمل أمثلته قول جرير رحمه الله:

أَلستمْ خير من ركب المطايا؟ *** وأندى العالمين بطون راحِ؟

 
وأما الاستفهام الإنكاري: فهو يدل على أن الأمر المستفهم عنه أمر منكر، وقد يكون هذا الذي ينكره العقل أو الشرع أو العرف أو القانون أو غير ذلك.
 
وللاستفهام الإنكاري أنواع بحسب المراد بالإنكار، فقد يكون إنكاراً يراد به التوبيخ على أمر قد مضى، أو أمر قائم، أو إنكاراً للتكذيب وغير ذلك.
 
ومن أمثلته قوله تعالى على لسان موسى يخاطب أخاه هارون: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه من الآية:93].
 
وقوله تعالى: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا} [الإسراء من الآية:40]. ينكر عليهم إنكاراً فيه تكذيب لهم.
 
وقوله تعالى على لسان نوح عليه السلام عندما دعا قومه فكذبوه: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} [هود:28].
 
ويجب في الاستفهام الإنكاري أن يقع الأمر المُنْكَر بعد همزة الاستفهام كما في الأمثلة.
 
وقد يكون الأمر المنكر – بفتح الكاف – هو الفعل كما في قوله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام يخاطب أباه: {أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً} [الأنعام من الآية:74] ينكر عليه ذلك.
 
وقول إبراهيم عليه السلام لقومه: {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} [الصافات:95] ينكر عليهم فعلهم.
 
وقد يكون المنكر هو الفاعل، كقوله تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} [الزخرف من الآية:32] وقوله تعالى: {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس:99].
 
وقد يكون المنكر هو المفعول، كقوله تعالى: {أَغَيْرَ اللَّـهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا} [الأنعام:14]. وقوله تعالى: {أَغَيْرَ اللَّـهِ تَدْعُونَ} [الأنعام:40].
 
وقد يكون المنكر هو المفعول لأجله، كقوله تعالى: {أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّـهِ تُرِيدُونَ} [الصافات:86] وغير ذلك.
 
وموضوع الاستفهام موضوع شيق، وقد بحثه كما أسلفت علماء المعاني، فلو رجعت إلى أي كتاب من كتب البلاغة لوجدت دراسة حول موضوع الاستفهام، مدعمة بالأمثلة الكافية إن شاء الله. وما ذكرته لك هو ما علق بالذاكرة من أنواع هذا الفن، وأمثلته من القرآن الكريم.
 
وقد بحثه الدكتور محمد عبدالخالق عضيمة رحمه الله، في كتابه النفيس (دراسات لأسلوب القرآن الكريم) وستجده في الأجزاء الثلاثة الأولى من كتابه وهو القسم الأول من الكتاب، وقد استقصى رحمه الله الأمثلة للاستفهام بأنواعه في القرآن الكريم.
 
كما تعرض لبعضه أحمد بن فارس في كتابه (الصاحبي) عند حديثه عن بعض أدوات الاستفهام.
 

2- كلامك صحيح في التداخل بين الإنكار والتوبيخ، والتفريق تعليمي فقط.
 
3- الذي يبدو لي أن السياق الذي ورد فيه الاستفهام في قوله تعالى على لسان الملائكة الكرام: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة من الآية:30]. يجعلنا نحمل الاستفهام هنا على التعجب فقط دون التجاوز إلى تحميله معنى الإنكار؛ لمعرفتنا بالسائل وأدبه وهم الملائكة، والمسئول وعظمته سبحانه وتعالى. ومراعاة السياق في الكلام العربي أمر معروف، وقد تتخلف قواعد البلاغيين في كثير من المواطن من أجل هذا الغرض. ولعل الإخوة الكرام يزيدون هذا الأمر إيضاحاً.
 
فات علي أن أنبه إلى أن هناك كتاباً ثميناً جداً تناول موضوع الاستفهام في القرآن الكريم كله بالدراسة، ولا سيما من الناحية البلاغية. وهو كتاب (التفسير البلاغي للاستفهام في القرآن الحكيم) للأستاذ الدكتور عبدالعظيم بن إبراهيم المطعني حفظه الله. ويقع في أربع مجلدات. طبعته مكتبة وهبة بالقاهرة.
 
وقد تناول فيه بالدراسة والتحليل كل الآيات المشتملة على استفهام مرتباً لها بحسب ترتيبها في سور القرآن الكريم. وهو كتاب بديع، ومؤلفه ممن له قدم صدق في الدراسات البلاغية المتميزة للقرآن الكريم، وهو جدير بأن يفرد لجهوده في الدراسات القرآنية مقال مستقل. ولعلني أفعل ذلك إن شاء الله.