ما المقيد وما المحرم من الدم

بسم الله الرحمن الرحيم

 
السؤال:
 
قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة من الآية:3].
وقال تعالى: {إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا} [الأنعام من الآية:145].
هل تحري الدم في النصين السابقين من باب حمل المقيد على المطلق أم حمل المطلق على المقيد؟ مع التوضيح ما المطلق وما المقيد وما المحرم من الدم.
 
وجزاكم الله خيراً
 
الجواب:
 
المطلق في اللغة معناه المرسل، غير المقيد بقيد.
وفي اصطلاح الأصوليين هو ما تناول واحداً لا بعينه باعتبار حقيقة شاملة لجنسه.
ومثاله قوله تعالى في كفارة الظهار: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المجادلة من الآية:3]. فلفظ (رقبة) قد تناول فرداً غير معين من جنس الرقاب.
 
فمعنى المطلق أن يقتصر على مسمى اللفظة المفردة، دون أي زيادة على مدلولها، كرقبةٍ، وإنسانٍ، وطالبٍ، ورجلٍ، ودمٍ، وكل نكرة في سياق الإثبات فهي من المطلق، فإذت زيد على مدلول اللفظة مدلولاً آخر كوصفٍ، صارت مقيدةً.
 
وبهذا – أخي الكريم – يتضح الفرق بين العام والمطلق، فالعام يستغرق أفراده، والمطلق يراد به فرد غير معين، فهو لا يستغرق أفراده إلا على سبيل البدل، لا على سبيل الشمول.
 
وأما المقيد فهو يقابل المطلق في اللغة، ومنه تقييد البعير بالحبل أي شد الحبل في يديه لتقييد حركته.
وفي الاصطلاح هو اللفظ المتناول لموصوف زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه. ومعناه أن اللفظ المقيد يدل على فرد من أفراد الحقيقة، ولكن اقترن به أمر زائد يدل على تقييده، وتقليل شيوعه.
 
كقولك مثلاً: أكرم طالباً مجتهداً. فلا يصدق الإكرام على غير المجتهد، لأنه قيد بالوصف. ومنه قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النساء من الآية:92]. فلا تصدق الرقبة هنا على الرقبة الكافرة؛ لأن الله تعالى قيدها بوصف الإيمان.

وكذلك قوله تعالى: {إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا} [الأنعام من الآية:145]. ففيه تقييد الدم المُحرَّم على المسلم أكلهُ بالمسفوح.
 
فإذا ورد في الشرع مطلق ومقيد، وذلك بأن يرد اللفظ مطلقاً كما في قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة من الآية:3]. ويرد هذا اللفظ بعينه مقيداً في نص آخر فله ثلاث حالات، وقبل ذكرها أشير إلى أنه لا خلاف بين العلماء في أن المطلق يجب العمل به على إطلاقه إلا بدليل يدل على تقييده، وأن المقيد يعمل به بقيده، ولا يخرج المسلم المكلف من العهدة إلا بذلك، لأن العمل بنصوص الكتاب والسنة واجب على ما تقتضيه دلالتها، حتى يقوم دليل على خلاف ذلك. وأعود إلى حالات المطلق مع المقيد الثلاث وهي:
 
الأولى: أن يتحد الحكم والسبب.
الثانية: أن يختلف السبب ويتحد الحكم.
الثالثة: أن يختلف الحكم ويتحد السبب.
 
ووجه الحصر في هذه الحالات أنه إذا ورد لفظان: مطلق ومقيد، فإما أن يتحد حكمهما، أو يختلف. فإن اتحد الحكم، فإما أن يتحد سببهما أو يختلف.
 
الأولى: أن يتحد الحكم والسبب. ومعنى ذلك أن يكون حكمهما واحداً، وسببهما واحداً.
مثال ذلك قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ } [المائدة من الآية:3]. فكلمة (الدم) هنا مطلق، جاء تقييده بالمسفوح في آية الأنعام: {أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا} [الأنعام من الآية:145]. والحكم واحد وهو التحريم، والسبب الذي بني عليه الحكم واحد، وهو كونه دماً، فيكون الدم الباقي في اللحم حلالاً، ولا يحرم إلا الدم المسفوح، أي المصبوب الجاري، وغير المسفوح معفو عنه، كالدم الباقي في العروق بعد الذبح، ومنه الكبد، والطحال، وما يتلطخ به اللحم من الدم، وقد حكى القرطبي الإجماع على ذلك.
 
وهذا فيه الجواب على سؤالك أخي الكريم، ويبقى الحالة الثانية والثالثة، إن أردت إكمالها فعلتُ.
وفقك الله لما يحب ويرضى.