محققون تحت المجهر

بسم الله الرحمن الرحيم

رحم الله شاعر النيل عندما أرسل للناس حكمة فقال:

لا تحسبن العلم ينفع وحده *** مالم يتوج ربُهُ بخلاقِ

ونشرع مستعينين بالله، فنقول إن هناك طبقة من عظماء الرجال، جاهدوا في سبيل نشر التراث جهاداً صادقاً دؤوباً، من أهل الشام، ومن أهل مصر، ومن أهل العراق، ومن غيرهم.
ومن أنبه محققي الشام الذين كان لهم فضل الريادة في ذلك أمثال:

– محمد أمين الخانجي صاحب الدار المشهورة.
– ومحب الدين الخطيب خال علي الطنطاوي رحمهم الله.
– ومحمد منير الدمشقي.
– وحسام الدين القدسي .

وقد نزل هؤلاء مصر، واتصلوا بعلمائها، وعملوا على طباعة الكتب ونشرها، وتأثروا بتلك الروح التي سرت في مطبعة بولاق الشهيرة من نشر الأصول والأمهات من كتب التراث، مع العناية بدقة التصحيح، وأمانة الأداء، وإن كانت قد تخلصت من الشكل الطباعي القديم المتمثل في طبع الكتب بهامش الكتاب الأصلي. وأهم ما يميز منشورات هذه الطبقة الحرص على ذكر مخطوطات الكتاب، ووصفها، إلا أنها لم تعن بالفهارس الفنية لما تنشره، إلا بعض ما نشره الخانجي ومحب الدين الخطيب.

وممن يتصل بهذه الطبقة شيخان فاضلان وعالمان جليلان:

الأول: الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله. حامل لواء الدعوة السلفية في مصر، ومؤسس جماعة أنصار السنة المحمدية بمصر، وقد أنشأ مطبعة السنة المحمدية، ونشر فيها مؤلفاته وكثيراً من مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وكتب الحنابلة وطبقات رجالها.

والثاني: الشيخ النحوي محمد محيي الدين عبدالحميد رحمه الله. الذي يعد صفحة حافلة من تاريخ نشر التراث العربي، فقد قدم وحده للمكتبة العربية ما لم تقدمه هيئة علمية مدعومة بالمال والرجال. وله حديث يطول رحمه الله وجزاه خير الجزاء.

وجاءت بعد ذلك مرحلة من مراحل التحقيق هي ما يسمى بمرحلة دار الكتب المصرية، وتأثرت بمنهج المستشرقين الصارم في التصحيح والتحقيق .ومن أهم رجال هذه المرحلة:

– أحمد زكي أبو شادي.
– والشيخ الجليل أحمد الزين.
– والشيخ عبدالرحيم محمود.
– ومحمد عبدالجواد الأصمعي.
– وأحمد عبدالعليم البردوني، وغيرهم.

وهذه المرحلة مرحلة نضج فيها نشر الكتب، حيث اعتنت باصطناع الوسائل الفنية المعينة على إخراج كتب التراث إخراجاً صحيحاً، دقيقاً يقوم على جمع نسخ المخطوط، والمفاضلة بينها، ثم اتخاذ إحدى هذه النسخ أصلاً، مع العناية بالفهارس عناية كبيرة.

 

ثم جاء بعد ذلك مرحلة من أخصب مراحل النشر العلمي للكتب في كل الفنون، ومن هذه الطبقة، بل من أهم رموزها:

– العلامة أبو الأشبال أحمد محمد شاكر رحمه الله، وهو علم من أعلام التحقيق والعلم قل أن يتكرر رحمه الله.
– وأخوه شيخ العربية أبو فهر محمود بن محمد شاكر، وهو صاحب منهج فريد في التحقيق يحتاج إلى وقفات.
– والأستاذ المحقق عبدالسلام محمد هارون، الذي أخرج كتب الجاحظ، وعشرات الكتب الأمهات.
-والأستاذ المحقق السيد أحمد صقر . رحمهم الله جميعاً فقد ماتوا كلهم، وآخرهم موتاً الشيخ محمود شاكر.

وكل واحد من هؤلاء يستحق أن يفرد بحديث مستقل، يبرز جهوده في خدمة كتب العلم، مع حرصنا على الذين اعتنوا عناية فائقة بتحقيق كتب التفسير والدراسات القرآنية وما يتصل بها. مثل آل شاكر وجهدهم في تحقيق تفسير الطبري.

وحتى لا يذهب بنا الحديث أريد في هذه المشاركة أن أقصر الحديث على أحد رجالات هذه الطبقة، وهو من المحققين المتميزين الذين أثروا المكتبة بتحقيقاتهم الماتعة:

 

وهو الأستاذ السيد أحمد صقر رحمه الله. واسمه اسم مركب (السيد أحمد)، وقد تخرج في/من كلية اللغة العربية عام 1944م. وقد بدأ بالاشتغال بالتحقيق والنشر من صدر شبابه منذ عام 1353هـ =1935م. وكان حينها طالباً بالقسم الثانوي بالأزهر، وهو أديب مجيد، لكنه انصرف إلى تحقيق التراث، متجهاً إلى تحقيق الأصول، ثم كانت عنايته أخيراً بعلوم الحديث ومصنفاته، بعد أن توفي العلامة أحمد شاكر رحمه الله.

وهذا المحقق، من أقدر الناس على تقديم كتاب، وتقويم نص، وتوثيق نقل، وتخريج شاهد، واستقصاء خبر، ثم إن له من وراء ذلك علماً جامعاً بالمكتبة العربية، وإدراكاً للعلائق بين الكتب.
والحديث عنه يطول، وهو من طبقة المحققين المتقنين الذين حققوا عدداً كبيراً من كتب السلف وكثير منها في الدراسات القرآنية واللغوية والأدبية.

الكتب التي حققها أو شارك في تحقيقها:

1- (تأويل مشكل القرآن) لأبي محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري المتوفى سنة 276هـ رحمه الله. وقد نشره قبل سنة 1378هـ، وله طبعات كثيرة، وهذه النشرة أجود نشرات الكتاب، ومن قرأ تقديمه للكتاب عرف قدر الرجل وتحقيقه.

2- (غريب القرآن) لابن قتيبة أيضاً، وقد نشره سنة 1378هـ وله طبعات كثيرة كذلك.

3- (إعجاز القرآن) لأبي بكر الباقلاني المتوفى سنة 403هـ. وقد نشره سنة 1374هـ، وطبعته دار المعارف ضمن سلسلة ذخائر العرب (12). وقد قدم له بدراسة شاملة للكتاب والمؤلف والمؤلفات في إعجاز القرآن عول عليها كثيراً من كتب بعده رحمه الله.

4- (أسباب النزول) للإمام الواحدي رحمه الله، المتوفى سنة 468هـ. وهذه النشرة هي أجود نشرات الكتاب على كثرتها. ولها قصة طريفة ذكرها الدكتور محمود الطناحي في كتابه القيم (مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي) ص102.

5- (الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها) للعلامة أحمد بن فارس الرازي رحمه الله، وتحقيقه لهذا الكتاب أفضل التحقيقات مع أن له تحقيقاً جيداً أيضاً للدكتور مصطفى الشويمي في بيروت صدر سنة 1963م.

6- نقد لنشرة الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله رحمة واسعة لكتاب ابن قتيبة (الشعر والشعراء)، وقد طبعها الشيخ أحمد شاكر في مقدمة الطبعة الثانية للكتاب.

7- نقد لنشرة الشيخ محمود محمد شاكر لكتاب محمد بن سلام الجمحي (طبقات فحول الشعراء)، وقد أجاب على ذلك الشيخ محمود شاكر في مقدمة برنامجه للكتاب، وداعبه مداعبة لطيفة رحمهم الله.

8- (الإلماع في علم الرواية والسماع) للقاضي عياض اليحصبي رحمه الله، وهو كتاب في مصطلح الحديث، وتحقيقه له أجود التحقيقات.

9- (الهوامل والشوامل) لأبي حيان التوحيدي، حققه بالاشتراك مع أحمد أمين.

10- حقق كتاب (مقاتل الطالبيين) للأصفهاني .

11- حقق كتاب (الموازنة بين أبي تمام والبحتري) للآمدي. لم يكتمل.

12- حقق جزء من (دلائل النبوة) للبيهقي.

13- حقق جزءاً من (معرفة السنن والآثار) للبيهقي.

14- حقق ديوان علقمة بن عبدة عام 1353هـ .

وأعد نصوصاً كثيرة للنشر تعب في تحصيلها تعباً شديداً، ولكنه أراد أن يقرأها على مكث، ويعطيها حظها من الإتقان والإحسان، فتباطأ في إخراجها، فسبقته إليها أيدٍ كثيرة.

ومن هذه الكتب:

1- المصنف لابن أبي شيبة.
2- أمثال الحديث، والمحدث الفاصل بين الراوي والواعي لأبي محمد الرامهرمزي.
3- أعلام السنن للخطابي.
4- المصطفى المختار في الأدعية والأذكار لمجد الدين بن الأثير.
5- والجليس والأنيس للمعافى بن زكريا النهرواني الجريري.

رحمه الله وغفر له، ومن أراد الاستزادة في هذا التاريخ فعليه بكتاب الدكتور الجليل محمود الطناحي (مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي) فهو من أجود من كتب في هذا الباب، وله علاقات حميمة مع الأستاذ السيد أحمد صقر.