مدارس التفسير

بسم الله الرحمن الرحيم

 
السؤال:
 
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخوة الكرام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد:
 
ماهي مدارس التفسير؟ ومن هم روادها؟ وكم عددها؟
 
وجزاكم الله خيراً
 
الجواب:
 
هذا جواب عاجل حول (مدارس التفسير) لم أهدف من وراءه إلى تقسيم هذه المدارس في عهد الصحابة والتابعين وما يتعلق بذلك من ذكر لزعماء المدارس والتلاميذ والأسانيد الصحيحة لكل مدرسة وما يتعلق بذلك من مباحث، فهذا بحث ملحق بمباحث تفسير الصحابة وتفسير التابعين وهو مبسوط في كثير من المراجع ومنها:
 
– (مدرسة عبدالله بن عباس في التفسير) د.عبدالله سلقيني.
– (تفسير التابعين) د.محمد بن عبدالله الخضيري.
– (التفسير والمفسرون) للذهبي.
– أغلب كتب علوم القرآن المتأخرة.
 
والأمر الذي تعرضت له في هذه العجالة هو:
– متى تم تقسيم مدارس التفسير هذا التقسيم؟
– ومن هو أول من أطلق هذا المسمى عليها؟
– وهل اختلاف المدارس يستلزم تعدد المناهج واختلافها؟
 
الحديث عن مدارس التفسير حديث يطول؛ لأَنَّهُ بحث في تاريخ التفسير الذي بدأ مع نزول الوحي وحتى الآن، ويشمل بيئات مختلفة كمكة والمدينة والعراق والشام ومصر والأندلس والمغرب وغيرها من الحواضر الإسلامية، وقد كتب كثير من القدماء في ذلك، وكان لهم فيه فضل لا ينكر فقد تحدثوا عن المفسرين وقسموهم إلى طبقات، وترجَموا لهم تراجم كثيرة.
ويجد القارئ في كتب علوم القرآن وتاريخ التفسير المعاصرة عبارات مثل (مدارس التفسير) و (مذاهب التفسير) و(مدرسة مكة) و(مدرسة المدينة) و(زعيم مدرسة العراق) وغيرها من العبارات التي تشير إلى أبرز من تصدى لتفسير القرآن الكريم من الصحابة ومن أخذ عنه من التابعين ومن بعدهم.
 
أولاً: أشهر مدارس التفسير هي:
 
– مدرسة مكة وزعيمها هو الصحابي الجليل عبدالله بن عباس رضي الله عنهما وأبرز تلاميذه من التابعين هم مجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، و(عطاء بن أبي رباح)، و(طاووس بن كيسان).
– مدرسة المدينة المنورة، وزعيمها هو الصحابي الجليل أبي بن كعب رضي الله عنه، وأبرز تلاميذه هم محمد بن كعب القرظي، وأبو العالية الرياحي، وزيد بن أسلم.
– مدرسة العراق، وزعيمها هو الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه. وأبرز تلاميذه هم مسروق بن الأجدع، والحسن البصري، وقتادة بن دعامة السدوسي، ومرة الهمذاني.
 
ثانياً: تتبعت كتب التراجم والطبقات القديمة والحديثة فلم أجد أحداً من المتقدمين أشار إلى هذه التسمية مدارس التفسير، وإنما يقال في التراجم (شيخ التفسير) (أعلم الناس بالتفسير) (جلس للتفسير) وأول إشارة إلى هذا المعنى هو قول ابن تيمية في مقدمة التفسير: “أعلم الناس بالتفسير أهل مكة لأنهم أصحاب عبدالله بن عباس”. مما يشير إلى مدرسة شيخها حبر الأمة عبدالله بن عباس.
 
وقد قمت بتتبع كتب المدارس النحوية ونشأتها ومتى أطلق عليها هذا الاسم فوجدت أن اصطلاح مدارس النحو أو مدارس الفقه أو مدارس التفسير حدث حديثاً مع التوسع في تقسيم العلوم واستخدام عبارة مدرسة التي توحي بالانتظام في الدراسة عند شيخ واحد أو في فن واحد أو ما شابه ذلك. وأكثر من أشاع هذه العبارة هم المستشرقون الذين كتبوا في نشأة التفسير كنولدكه وجولد زيهر، وينبغي التأمل في أصول هذه المدارس هل تختلف أم أن إطلاق المدرسة هنا باعتبار اختلاف الأمكنة فقط وهذا ما يبدو لي والله أعلم، حيث لو كان هناك اختلاف في الأصول لظهر ذلك في أصول التفسير نفسها.
 
وشاعت تقسيمات متعددة لمجموعات من المفسرين والفقهاء والنحويين والقراء سميت كل منها مدرسة، فهناك في التفسير مدرسة أهل مكة ومدرسة أهل المدينة ومدرسة أهل العراق، وهناك في الفقه مدرسة أهل الرأي ومدرسة أهل الأثر، وهناك في النحو مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة ومدرسة من جمع أو خلط بين المذهبين، وهي المدرسة البغدادية. وغيرها من التسميات التي يفهم منها أن كلاً منها يعني مركزاً من المراكز التي عرف فيها للتفسير وتدريسه نشاط ورجال ومؤلفات. فليست المدرسة إلا أستاذاً مؤثراً وتلاميذ متأثرين وقد اجتمعوا على تحقيق غرض واحد ونهجوا للوصول إليه منهجاً واحداً.
 
وقد عرف أحمد مكي الأنصاري المدرسة بأنها: “اتجاه له خصائص مميزة ينادي بها فرد أو جماعة من الناس ثم يعتنقها آخرون” (أبو زكريا الفراء 352).
 
وعرفها غيره بقوله: “هي الاشتراك في وجهة النظر الذي يؤلف الجبهة العلمية ويربط العلماء بعضهم ببعض على رأي واحد”. (مقدمة الإنصاف ترجمة عبدالحليم النجار للمستشرق جوتولد فايل).
 
فالمدرسة عند هؤلاء تؤدي المعنى الذي تؤديه كلمة مذهب المعروفة في الدراسات الإسلامية وتحمل معناها المعروف في لغة العرب، فالمذهب في اللغة المعتقد الذي يذهب إليه والطريقة والأصل [القاموس المحيط (ذهب)]. فنحن عندما نقول مذهب مالك أو مذهب الشافعي أو غيرهما رحمهم الله فإنما نعني مجموعة الأحكام والآراء الفقهية التي قال بها كل منهما وتابعه عليها مجموعة من الناس والتزموا بها وطبقوها.
 
وهنا سؤال: هل هناك مدارس تفسير فعلاً؟ بمعنى هل هناك أصول تميزت بها كل مدرسة من مدارس التفسير الثلاث في مكة والمدينة والعراق؟ أم أنها مدرسة واحدة ولكن تعدد الأساتذة فقط والتلاميذ؟
 
الملاحظ أن التقسيمات تمت في أصلها بناء على الأماكن فما دام ابن عباس قد جلس للتدريس والتعليم في مكة فنسمي مدرسته مدرسة مكة وهكذا أبي بن كعب في المدينة وابن مسعود في الكوفة. وتبعاً لذلك تم تتبع مروياتهم واستخراج أصول هذا المدراس من خلال تلك المرويات.
 
أم أنه وجد هناك اختلاف فعلي في الأصول التي قامت عليها هذه المدارس ومن ثم كان تقسيمها.
 
إنه ليس من مستلزمات تعدد مدارس التفسير اختلاف المناهج والأصول التي تقوم عليها. ولذلك نجد التقدير المتبادل بين زعماء هذه المدارس لبعضهم. فمدرسة البصرة تقر لمدرسة مكة بالتقديم. فقد روى الداوودي عن قرة بن خالد قال: “كان الحسن البصري إذا قدم عكرمةُ البصرةَ أمسك عن التفسير والفتيا ما دام عكرمة بالبصرة”.
 
ونجد التابعين يأخذون من الجميع فتلاميذ ابن عباس يأخذون من أبي بن كعب وعلي بن أبي طالب وغيرهما من الصحابة وكذلك تلاميذ ابن مسعود وهكذا.
 
يتبين مما تقدم أن الباحثين الأوائل كانوا ينسبون التفسير إلى البلد الذي عرف به واشتهر، فيقولون من أهل مكة، أو من تلاميذ ابن عباس، أو عالم مكة، أو عالم الكوفة، وأول ما وجدت كلمة مذهب عند الفقهاء للدلالة على المذاهب الفقهية فيقولون في التراجم فقيه على مذهب أبي حنيفة، أو يذهب مذهب الشافعي في الفقه.
 
ومن هذا يبدو أن القدماء اعتمدوا في تقسيم المفسرين والتمييز بينهم النسبة إلى البلد أو المدينة، ولم يجمعوهم عند الترجمة لهم تحت مدرسة أو مذهب.
 
ومن المعلوم أن أشهر المدارس هي مدرسة أهل مكة لسعة علم شيخها عبدالله بن عباس للأسباب المعروفة، وطول جلوسه للناس، وكثرة الواردين على هذه المدرسة من جميع الأقطار. فيصح لنا أن نقول إن جميع المدارس الأخرى متأثرة بمدرسة أهل مكة في التفسير.
 
وعلى هذا فإن تسميتنا لهذه المجموعات أو البيئات التفسيرية مدرسة مكة أو مدرسة المدينة أو مدرسة العراق لن تغير من المفهوم الذي شاع وعرف عن خصائص تفسير كل بيئة منها. ولن يغير استعمالنا لكلمة مدرسة من الواقع شيئاً، ولن يحتم علينا استعمالها وجود مناهج مختلفة كل الاختلاف للتفسير في كل بلد، وذلك لأنه مهما تعددت التسميات ومهما اختلفت المناهج فلن يظن ظان أنها تكون مناهج متباعدة مستقلة لا رابط بينها ولا تشابه ولا مشاركة، ما دامت مادة التفسير هو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وما دامت اللغة التي يستقى منها هذا الدرس هي اللغة العربية، وشعرها الفصيح، ولغة أعرابها السليمة الفصيحة النقية، فلن يختلف التفسير كثيراً، ولن تختلف الظواهر، وإن اختلفت المدارس، أو اختلف أتباع هذه المدارس في بعض نواحي تكوينهم العلمي.