منظومة (كشف العمى) في رسم المصحف

بسم الله الرحمن الرحيم

 
في عام 1408هـ وقع في يدي كتاب (الخط العربي) للخطاط محمد طاهر الكردي المكي رحمه الله، وهو من أجود الكتب التي تحدثت عن الخط العربي وتاريخه وأنواعه، وكان يكثر من النقل عن نظم سماه (كشف العمى) لمحمد العاقب، ولا سيما عند كلامه عن رسم المصحف وخصوصيته، ومن الأبيات التي حفظتها وبقيت في ذهني من تلك المنظومة قوله وهو يتحدث عن جمع المصحف في عهد أبي بكر وعثمان رضي الله عنهم:
 

لم يُجمعِ القرآنُ في مُجلَّدِ *** على الصحيح في حياة أحمدِ
للأمن فيه من خلاف ينشأُ *** وخيفة النسخ بوحي يطرأُ
وكان يُكتب على الأكتافِ *** وقطع الأدم واللخافِ
وبعد إغماض النبي فالأحق *** أن أبا بكر بجمعه سبقْ

 

جمعه غير مرتب السور *** بعد إشارة إليه من عمرْ
ثم تولى الجمع ذو النورين *** فضمه ما بين دفتينِ
مرتب السور والآيات *** مخرجاً بأفصح اللغاتِ
وجاء في عد المصاحف اللوا *** فرقن في القرى خلاف من روى
هل خمسةٌ أو سبعةٌ أو أربعة *** والقولة الأولى هي المتبعة

 
وقوله وهو يتحدث ويؤيد القول بإعجاز الرسم العثماني :
 

رسمُ القرآنِ سنةٌ متبعةْ *** كما نحا أهلُ المناحي الأربعة
لأنه إِمَّا بأمر المصطفى *** أو باجتماع الراشدين الخُلفا
وكلُّ من بَدَّلَ منه حرفا *** باءَ بنارٍ أو عليها أَشْفى
والخطُّ فيه معجزٌ للناسِ *** وحائدٌ عن مقتضى القياسِ
لا تهتدي لسره الفحولُ *** ولا تحومُ حولَهُ العقولُ
قد خصهُ الله بتلك المنزلةْ *** دون جميع الكتب المنزَّلة
ليظهر الإعجازُ في المرسومِ *** منه كما في لفظه المنظومِ

 
وهو نظم سلس بديع كما تلاحظون، يحفظه سامعه من أول مرة لعذوبته، وقد تطلبتُ هذا النظم من ذلك الوقت، وسألتُ عنه من أظنه يدلني عليه، ولكن لم أوفق في الحصول على هذا النظم، ومع كثرة مراسلتي وسؤالي عرفتُ أن أحد الشيوخ الفضلاء المعنيين برسم المصحف في موريتانيا يقوم على تحقيقه ونشره من مدة.
 
ثم صدر -ولله الحمد- هذا الشرح في هذا العام 1427هـ محققاً عن دار إيلاف الدولية للنشر والتوزيع بالكويت.

 

وقد حققه الدكتور محمد بن سيدي محمد مولاي الأستاذ بالمعهد العالي للدراسات والبحوث بنواكشوط، والباحث حالياً بالموسوعة الفقهية بوزارة الأوقاف الكويتية.
ويقع الكتاب في مجلد عدد صفحاته 366 صفحة من القطع العادي.
وقد قدم المحقق للكتاب بمقدمات عرف فيها بالناظم وشرحه على نظمه، وتحدث عن جهود أهل شنقيط في التأليف في رسم المصحف وضبطه، ثم تكلم عن منهج المؤلف فينظمه وشرحه.
 
وقد أوجز المحقق وصفه للكتاب فقال :
“وكتاب (رشف اللمى على كشف العمى) كتاب في رسم القرآن وضبطه حسب قراءة الإمام نافع من روايتي قالون وورش، فهو كتاب جيد في بابه، يغني عن الكتب المطولة في هذا الفن، ولا يغني عنه غيره. أبان فيه المؤلف عن قدرة فائقة على الجمع والاختصار والنظم، وقد ضمنه علوماً شتى مثل: نزول القرآن إلى سماء الدنيا، ثم نزوله على محمد صلى الله عليه وسلم، والكلام على ترتيب السور والآيات، وجمع القرآن وتدوينه، وعدد المصاحف التي بعث بها سيدنا عثمان بعد أن جمع الناس على مصحف واحد، كما أنه تعرض لوجوب اتباع الرسم، ولعدد السور والآيات…
هذا مع الشمول والدقة في موضوعه الأساسي، أعني الرسم والضبط، فقد عرض القواعد عرضاً علمياً دقيقاً واضحاً، وتعرض لكل أمر قد يخفى على الصغار والكبار، كما يحوي نكتاً بلاغية، وقواعد منطقية، وحكايات طريفة، وتوجيهات موفقة، وأحكاماً مدققة، ومعلومات ضافية، فهو كتاب نفيس يحتاج طالب العلم إليه، ولا يغني عنه غيره” ص 44-45.
 

ويقع هذا النظم في 417 بيتاً من بحر الرجز، ونظمه سهل بديع مليء بالأمثال والحكم. يقول في مطلعه :
 

حمداً لِمَنْ عَلَّمَ بالأقلامِ *** وجَمَعَ القرآنَ في الإمامِ
وللعلومِ جعلَ الكتابهْ *** قيداً وأحرزَ بها كتابَه
صلَّى على الهادي النبي الأُمِّيْ *** ما دارتِ النجومُ حولَ الأمِّ
هذا وقد أُلقيَ في رِباطي *** صوغُ نظامٍ محكمِ الرِّباطِ
يُبينُ فحواهُ لأهلِ الخَطِّ *** رسمَ الصحابةِ وشكلَ الضَّبْطِ
مما اقتضاهُ مقرأ الإمامِ *** أبي رؤيم نافعِ الهُمامِ
وقد نحاهُ فارسُ الميدانِ *** غواص بحر درر المعاني
فصاغ ما يطوق الرقابا *** فيه وأبدى العجب العجابا
فجئتُ إذ ذاك بنظمٍ شافِ *** يبدي اللئالئ من الأصدافِ
خالٍ من التضمين والإقواءِ *** ووصمة السناد والإيطاءِ
سميته كشف العمى والرينِ *** عن ناظري مصحف ذي النورينِ

 
نبذة عن مؤلف النظم وشرحه :
هو العلامة الشيخ محمد العاقب بن سيدي عبدالله بن مايابي اليوسفي الجكني، اشتهر والده سيدي عبدالله بالعلم والصلاح، وجده سيد أحمد اشتهر بالسخاء، ولذا غلب عليه هذا اللقب مايابي لكثرة عطائه.
 
ولهذا العالم منزلة عظيمة ونبوغ في جل الفنون كالفقه والأصول والعربية، وكان يلقب بحريري زمانه لجودة نظمه ونثره. وله مؤلفات وأنظام منها :
1- نظم في 112 بيتاً سماه (نشر الطرف عما طوى الجهل من أحكام الشرف) وهو في علم الأنساب ولا سيما نسب آل البيت، وقد حقق هذا النظم سنة 1416هـ.
2- نظم التزامات الخطاب وشرحه.
3- نظم نوازل سيدي عبدالله بن الحاج إبراهيم.
4- مجمع البحرين في سيرة الشيخ ماء العينين.
5- رشف اللمى على كشف العمى في الرسم والضبط.
 
وقد هاجر إلى مدينة فاس المغربية بعد احتلال الفرنسيين لموريتانيا، وتوفي بفاس عام 1312هـ رحمه الله وغفر له.