هل ثمّ نظمًا في علوم القرآن بالمعنى المدون؟

بسم الله الرحمن الرحيم

 
السؤال:
 
السلام عليكم و رحمة الله تعالى وبركاته، أما بعد فمشايخي الكرام، إن من منهجي في الطلب أنني أحفظ متنًا منظومًا في كل فن، و علوم القرآن -بالمعنى المدون المصطلح عليه- لم أسمع عن أي منظومة له، فهو الفن الوحيد الذي أدرسه دراسة منثورة بالكلية، فهل ثمّ نظمًا في علوم القرآن بالمعنى المدوّن؟
 
كيف حالك شيخنا الشهري، أقسم بالله تعالى أنني أحبكم في الله.
 
الجواب:
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
حياكم الله أخي الكريم، وأحبك الله الذي أحببتنا فيه، ونحن نبادلكم الشعور وفقكم الله لما نلمسه فيكم من صدق اللهجة وخلوص الرغبة في العلم. وأعتذر إليك بسبب الانقطاع وعدم التفاعل مع الأسئلة التي تتفضلون بها كما ينبغي، وذلك بسبب أعباء علمية ضاق وقتها، كانت من الواجبات الموسعة ثم ضاقت حتى لم يبق إلا وقت الأداء. أقول هذا عن نفسي وزملائي المشرفين وفقهم الله فمعذرة. فإنما هي سحابة صيف سريعة الانقشاع إن شاء الله.
 
وأما سؤالكم عن متن منظوم في علوم القرآن كالمتون المنظومة في النحو والأصول والمصطلح وغيرها، فلا شك أنه وجد محاولات لنظم علوم القرآن قديماً وحديثاً. ولكن ليست بشهرة المنظومات في علوم الآلة المشهورة التي سارت بها الركبان، وتناولها العلماء بالشرح والتصحيح والمدارسة، وحظيت بالقبول عند الجميع كألفية ابن مالك في النحو مثلاً.
 
ولذلك تجد في علوم القرآن المنظومات على قسمين :
 
1- قسم على هيئة ألفيات في غريب القرآن وتفسير ألفاظه على حسب ترتيب حروف -الكلمات الغريبة وما يقرب منها. ومثال هذا القسم ألفية الحافظ أبي زرعة العراقي في (غريب القرآن) التي ابتدأها بقوله :
 

الحمد لله أتم الحمد * على أياد عظمت عن عدِّ
وبعد: فالعبد نوى أن ينظما * غريب ألفاظ القرآن عظما
جمع أبي حيان وهو رتبه * ترتيب أخحرف الهجا وهذبه

 
فهو قد نظم كتاب أبي حيان في الغريب، وأذكر أن أحد الإخوة قد قام بوضع هذه الألفية في ملتقى أهل الحديث، لعله الأخ الكريم أبا الجود.
 
ومثالها كذلك المنظومة التي نظمها عبد العزيز الدميري الديريني (ت697هـ) في التفسير والتي تقع في ثلاثة آلاف بيت وخمسمائة تقريباً. وقد طبعت قريباً. وأولها :
 

يا رب أنت المستعان الكافي * الواحد الفرد الرحيم الشافي

 
إلى أن قال:
 

وبعدُ: فالتفسير أقوى سببِ * إلى العلوم وابتغاء الأرب
وكل علم فمن القرآن * وفيه أصل سائر المعاني
وعلم تفسير الكتاب أعلى * ما يعتني المرء به وأجلى
لأنه فهم كتاب المولى * فكان أوفى مطلب وأولى

 
ويسير في نظمه على هذه الطريقة السهلة، ثم تعرض لتفسير غريب القرآن حتى أتى عليها كلها فطالت المنظومة جداً حتى بلغت أكثر من ثلاثة آلاف. يقول في آخرها:
 

نظمته في أربعين يوما * ميقات إتمام الكليم الصوما
وكنت أرجو أن يكون ألفا * فزاد ضعفاً ثم زاد ضعفا
وزاد حتى خفت أن أكثرا * فصرت أطوي نشره مقصِّرا
وما شفى لي نظمه غليلا * لأنني رأيته قليلا
لكن رجوت أن يكون بابا * موصلا يستفتح الأبوابا

 
الخ.
ومن أجملها وأخصرها منظومة للشيخ عبد العزيز الزمزمي رحمه الله. نظم فيها ما يتعلق بعلوم القرآن من كتاب (النقاية للسيوطي). يقول في أولها :
 

تبارك المنزل للفرقان * على النبي عطر الأردان
محمد عليه صلى الله * مع سلام دائماً يغشاه
وآله وصحبه وبعدُ * فهذه مثل الجمان عقدُ
 
ضمنتها علماً هو التفسيرُ * بداية لمن به يحيرُ
أفردتها نظماً من النقاية * مهذباً ألفاظه في غاية
واللهَ أستهدي وأستعين * لأنه الهادي ومن يعينُ

 
حد علم التفسير
 

علم به يبحث عن أحوال * كتابنا من جهة الإنزال
ونحوه بالخمس والخمسينا * قد حصرت أنواعه يقينا
وقد حوتها ستة عقود * وبعدها خاتمة تعود
وقبلها لا بد من مقدمة * ببعض ما خصص فيه معلمه
فذاك ما على محمد نزل * ومنه الاعجاز بسورة حصل
 
والسورة الطائفة المترجمة * ثلاث آي لأقلها سمه
والآية الطائفة المفصوله * من كلمات منه والمفضوله
منه على القول به كتبَّتِ * والفاضل الذ منه فيه أتتِ
بغير لفظ عربي تحرمُ * قراءة وأن به يترجم
كذاك بالمعنى وأن يفسرا * بالرأي لا تأويله فحررا

 
ثم يواصل النظم لأبواب علوم القرآن فيتعرض للمكي والمدني وأسباب النزول وأنواع نزول القرآن والنسخ والمبهمات وغيرها. والمنظومة تقل عن 200 بيت فيما أقدر والله أعلم. وقد شرحها الشيخ محمد يحيى بن الشيخ أمان من علماء مكة المكرمة شرحاً مختصراً اعتمد فيه على شرح السيوطي نفسه لكتاب النقاية الذي سماه (إتمام الدراية لقراء النقاية) وكتابه الآخر الإتقان في علوم القرآن.
 
كما شرحها الشيخ السيد المساوي شرحاً مختصراً جيداً كذلك كالشرح السابق، وكتب السيد علوي عباس المالكي حاشية حافلة على هذا الشرح سماه (فيض الخبير وخلاصة التقرير على نهج التيسير شرح منظومة التفسير). وكلاهما مطبوعان ولله الحمد. وأحسب أن هذه المنظومة على وجازتها من أفضل ما اطلعت عليه من منظومات في هذا الفن.
 
2- والقسم الثاني عبارة عن نظم لعلوم متفرقة من علوم القرآن كالناسخ والمنسوخ، والمكي والمدني ونحوها. وتجد مثل ذلك في (الإتقان) للسيوطي رحمه الله.
 
والله الموفق للصواب. ومعذرة على الاختصار المخل في الجواب.