وقفات مع وفاة الدكتور نصر حامد أبو زيد

بسم الله الرحمن الرحيم

 
ارتبط في ذهني اسم الدكتور نصر حامد أبو زيد بالشبهات التي تُثار ضد القرآن وفهمه، وبَرز اسْمهُ ضمنَ عددٍ من الباحثين الذين خرجوا من المدارس في البلاد الإسلامية فأصبحوا حرباً على مناهجها، وعضداً للأعداء المناوئين للإسلام وأهله.
 
وقد كتب الدكتور نصر حامد أبو زيد كتباً كثيرةً ملأها بالطعن في القرآن وفي علومه وفي منهج الاستدلال المستنبط منه، وشنَّ حملة شعواء على المفسرين والعلماء الذين كانوا معالمَ في تاريخ الفهم الصحيح للقرآن الكريم من أمثال ابن جرير الطبري والإمام الشافعي من قبله وغيرهم من علماء الأمة الراسخين. وقد ابتغى من وراء ذلك الفتنةَ، وتشويهَ التاريخ الإسلامي، وسعى في هذا المضمارِ أشواطاً بعيدةً، ولم يَدَعْ في قوس المناهضةِ للحق مَنزعاً، حتى أصبح نقمةً على الأمة أنْ كان أحد أبناءها العَقَقة، وخرج من مصر – وهو المصري – مُيمِّماً وجههُ شطرَ أوروبا طالباً للحريَّة الفكرية والسياسية على حد قوله بعد أن ضاقت عليه أرضُ الإسلام لما نشره من الكفر والمنكر، فاحتفى به أعداء الإسلام أَيَّما احتفاء، وصدروه في وسائل إعلامهم، ومكَّنوه من مواطن التوجيه في الجامعات، وأصبح يُصدَّرُ للناس على أَنَّه المفكر الإسلامي الكبير المُجدِّد. واستقر به المقام في هولندا منذ عام 1995م، حيث اتخذها منبراً للهجوم على الإسلام والقرآن الكريم.
 
وقد ألَّف الدكتور نصر حامد أبو زيد كتباً مليئةً بالشبهات ضد القرآن وعلومه ومنهج الاستدلال المستمد منه ومنها :
 
– الاتجاه العقلي في التفسير: دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة1982م.
– مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن 1993م.
– فلسفة التأويل.
– نقد الخطاب الديني 1992م.
– الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية 1992م “.
– التفكير في زمن التكفير 1995م.
 
وعندما قدم أبو زيد أبحاثه للحصول على درجة أستاذ تكوّنت لجنة من أساتذة جامعة القاهرة بينهم د.عبد الصبور شاهين الذي اتّهم في تقريره أبو زيد بالكفر، وقد ثارت قضيةُ الحكم على الدكتور نصر حامد أبو زيد بالرِّدَّةِ، والمطالبة بالتفريق بينه وبين زوجته المسلمة من عدد من العلماء في مصر، وكان للدكتور عبدالصبور شاهين الحظ الأوفر من تلك القصة فقد تصدَّى للدكتور نصر حامد أبو زيد، والقصة مشهورة، ولذلك فقد أصدرت محكمة النقض بالقاهرة عام 1416هـ حكمها النهائي بالتفريق بين الدكتور نصر حامد أبو زيد وزوجته بناءً على دعوى الحسبة التي رفعها المستشار صميدة عبد الصمد بسبب ما تضمنته كتبه وأبحاثه من قضايا تُثبتُ ردته عن الإسلام ولم يتراجع عنها.
 
ويوم الإثنين القريب الموافق 23/7/1431هـ (5/7/2010م) توفي الدكتور نصر حامد أبو زيد، بعد عمرٍ طويلٍ (67 عاماً) قضاه في المنافحة عن الماركسية ومنهجها، والطعن في القرآن وعلومه، وها هي مؤلفاته تنتشر بين أيدي كثير من شباب المسلمين يقرؤنها ويقبلون عليها.
 
وكان أبو زيد قد عاد إلى مصر منذ أسبوعين من الخارج بعد إصابته بفيروس غريب أصابه أثناء زيارته لأندونيسا مؤخراً وفشل الأطباء في تحديد طريقة علاجه، حيث دخل في غيبوبة استمرت عدة أيام حتى وافته المنية صباح الإثنين الماضي 23/7/1431هـ.
ونصر أبو زيد ولد في إحدى قرى طنطا في 10 يوليو 1943م، ونشأ في أسرة ريفية بسيطة، في البداية لم يحصل على شهادة الثانوية العامة التوجيهية ليستطيع استكمال دراسته الجامعية؛ لأنّ أسرته لم تكن لتستطيع أن تنفق عليه في الجامعة، لهذا اكتفى في البداية بالحصول على دبلوم المدارس الثانوية الصناعية قسم اللاسلكي عام 1960م.
 
ثُمّ حصل عام 1972م على الليسانس من قسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب جامعة القاهرة بتقدير ممتاز، ثم ماجستير من نفس القسم والكلية في الدراسات الإسلامية عام 1976م، ثم دكتوراه من نفس القسم والكلية في الدراسات الإسلامية عام 1979م بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى.
 
وآخر المواقف التي أُثِيرت فيها مجددًا قضية “ارتداد” نصر حامد أبو زيد كانت في الكويت، حيث منع من دخوله البلاد، التي كان مدعوًا لإلقاء محاضرة فيها، بعد احتجاجات من عدد كبير من علماء المسلمين بالكويت على دخوله البلاد.
 
قد كثرت مقابلات الراحل مع وسائل الإعلام التي تتصيد أمثاله لمناوئة الإسلام والمسلمين، وخاصة مع الهجمات على الإسلام ورسوله وكتابه وشعائره في الغرب اليوم، فتجده يتنقل من قناة إلى قناة ينشر الشبهات، ويعين على المنكر، ويستحل الكذب على الله ودينه، ويطأ مواطئاً تغيظ المؤمنين الصادقين.
 
إنَّ في وفاته لعبرةً لأولي الإلباب، ويظلُّ تساقطُ رموز العلمانية والماركسية وأضرابهم واحداً تلو الآخر مذكراً للمؤمنين الصادقين الثابتين على المنهج الصحيح بضرورة المحافظة على ثوابتهم، وحراستها بالدفاع عنها والانتصار للقرآن الكريم والمنهج الصحيح بكل وسيلة مشروعة.
 
ويظلُّ تساقطُ فِكرِ هؤلاء المنظِّرين للمُنكرِ الفكريِّ والعلميِّ والعَقَديِّ دليلاً على رُسوخِ هذا الحق، ثُمَّ يأتي تساقطُ أرواحهم بِمثابة مناسبةٍ لتذكير الأجيال المسلمة بهذه النماذج التي باعت الحق واشترت الباطل، وأعرضت عن الحق إعراض العارف له المبغض له ولأهله، وهي مرحلةٌ من مراحلِ الصِّراعِ بين الحق والباطل، {وقُلْ جاءَ الحقُّ وَزَهَقَ الباطلُ إِنَّ الباطلَ كان زَهُوقاً}.
 
وقفات :
1- ضرورة الانتصار للقرآن والدفاع عنه فإن العاقبة للحق، ولكن بالدليل والعدل لا بالتعدي والجور، وبالأدب والمنطق لا باتابع أساليب الطاعنين في الشتم والسباب.
 
2- ضرورة استغلال مثل هذه المناسبات للتذكير بمعالم المنهج الصحيح فإن الأجيال الجديدة ربما لا تعرف الحقيقة، وكثير من الصحفيين اليوم يتحدثون عن د. نصر حامد أبو زيد على أنه من المجددين في الفكر الإسلامي، فلا بد من التوضيح للحقيقة والاحتساب في هذا السبيل فإنه من الانتصار للحق وللحقيقة.
 
3- دعوة للباحثين المتخصصين في الدراسات القرآنية إلى الاطلاع على كتبه والكتب التي ناقشت أفكاره وردَّتْ عليها، حتى يكونوا على بينة وعلم بحقيقته.
 
4- دعوة لعدد كبير من المعجبين والمروجين لفكر نصر حامد أبو زيد من أبناء المسلمين المنخدعين أن يتوبوا إلى الله ويعودوا إلى رشدهم ويعتبروا بهذا الرجل وأمثاله ممن سبقه في هذا الميدان.
 

الرياض في 25/7/1431هـ