وقفة مع: لقاء الدكتور محمد رجب البيومي مع الدكتور محمد حسين الذهبي (اللقاء الثاني)

بسم الله الرحمن الرحيم

تتميماً للحديث، هذا هو اللقاء الثاني الذي جمع الدكتور محمد حسين الذهبي رحمه الله، والدكتور محمد رجب البيومي وفقه الله وبارك فيه.

اللقاء الثاني:
 
بعد ظهور كتابي (خطوات التفسير البياني) قابلني أخي الأستاذ الدكتور الحسيني هاشم رحمه الله، وقال لي: “إن أستاذنا الدكتور محمد حسين الذهبي يبحث عنك، وقد طلب مني أن أخبرك بضرورة لقائه، فلا تتأخر”.
 
وكنت مشوقاً للقاء الرجل، ولكني أخذت أسائل نفسي عن رغبة الأستاذ وباعثها. فقلت: ربما يكون قد تفضل بقراءة الكتاب، وفيه نقد صادق لبعض آرائه، فأراد أن يناقشني فيما كتبت، وسعيتُ إلى استيعاب ما نقدت به الأستاذ، وفحواه أن المؤلف أفرد فصلاً خاصاً عما سماه (التفسير الإلحادي) يدور حول آراء في التفسير لأستاذين كبيرين من علماء الأزهر، هما الشيخ حامد محيسن شيخ كلية اللغة العربية الأسبق، وعضو هيئة كبار العلماء، والشيخ عبدالمتعال الصعيدي، من كبار علماء الأزهر، وأساتذة كلية اللغة العربية.
 

وقد بدأ حديثه بقوله: “يمنى الإسلام من زمن بعيد بأناس يكيدون له، ويعملون على هدمه، بكل ما يستطيعون من وسائل الكيد، وطرق الهدم… مني الإسلام بهذا في أيامه الأولى، ومني بمثيله في أحدث عصوره، فظهر في هذا العصر أشخاص يتأولون القرآن على غير تأويله، ويلوونه إلى ما يوافق شهواتهم، ويقضي حاجات نفوسهم، فأدخلوا في تفسير القرآن آراء سخيفة، ومزاعم منبوذة”.

 

وقد استهولتُ أن يقال هذا الكلام في عالمين كبيرين لهما وزنهما في الدوائر الأزهرية، وإن كتبا ما يخالف التفسير المتعارف، فالأستاذ حامد محيسن قد اشتط في تأويل آيات الرجم بالكواكب، وفي تأويل قصة أيوب اشتطاطاً ظاهر التعسف، والرد عليه لا يكون بجعله بين من يكيدون للإسلام ويعملون على هدمه، والأستاذ الصعيدي قد اشتط حين وقف أمام آيات الأحكام في الزنا والسرقة، فقال الأمر في الفعل ليس للوجوب الدائم، بل يرجع إلى الحاكم، تارة يراه واجباً، وتارة يراه مندوباً ينتقل منه إلى عقاب آخر، هذان العالمان مجتهدان، وقد أضلا طريق الصواب فيما انتحياه فكان الأوفق بالدكتور الذهبي ألا يجعلهما ملحدين، وهذا ما عارضت به الأستاذ الذهبي حين قلت (في ص 328 من كتاب خطوات التفسير البياني):

 

“وليت شعري إذا جاز لبعض المستشرقين ومن يتعاطون التفسير من غير أبناء الإسلام أن يوصموا بالكيد للإسلام، والعمل على هدمه، شفاء لإحنهم المريضة، أيجوز أن يكون شيخ كلية اللغة العربية، ومدير التفتيش بالأزهر، وعضو جماعة كبار العلماء أحد هؤلاء! والرجل لم يزد على أن اجتهد، أخطأ أم أصاب، لو صح ما قاله الأستاذ الذهبي ما وجد الأستاذ مكاناً جهيراً له في أعرق جامعات الإسلام، بل ما وجد كبرى المجلات الإسلامية توسع له من صفحاتها أفسح مكان، إن فضيلة الأستاذ الذهبي رجل غيور بدون شك، ولكنه اشتط فاندفع، فضاع من يده الزمام”.

 

هذا ما قلته عن الدكتور الذهبي في كتاب طبعه مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، وتداوله الطلاب والأساتذة، وجاء خبره للأستاذ الذهبي، فقرأ ما سطرته، ولا بد أنه يريد أن يناقشني فيما كتبت، ففكرت فيما يجب أن أقوله إذا دار النقاش حول هذه القضية، وسارعت إلى لقاء الشيخ الكبير، فرأيته ينهض واقفاً حين وقع نظره علي، ويبتسم ماداً يده الكريمة ويقول في مودة: “اجلس يا رجب، لقد علمتني، لقد علمتني!”
قلت: “معاذ الله يا سيدي، فنحن جميعاً تلاميذك”.
قال: “قرأت كتابك من ألفه إلى يائه، لأنه تحدث عن ناحية في التفسير لم تكن موضع اهتمامي الأول، وحين وصلت إلى ما قلته عن التفسير الإلحادي عرفت أني أخطأت، لقد كنت مندفعاً في عهد الشباب يا أخي، ولكن ألا تعلم أن معنى الإلحاد هو الميل؟ وإذن فقد وصفتُ الرجلين بأنهما مالا ولم يعتدلا”.
قلت في عجلة: “معنى الإلحاد لغوياً هو الميل، ومعناه اصطلاحاً المروق والكفر”.
قال: “أعلم هذا، ولكني أردت أن أخفف عن نفسي، فأعترف أن الحق معك! وربت على كتفي في مودة، فكان مجلسه مضرب المثل في صدق الاعتراف، وفي الإقرار بالحق بدون ملاحاة” انتهى كلام البيومي.

 
وفي هذا الموقف فوائد جليلة لطالب العلم:
 

الأولى: أدب الدكتور محمد البيومي، وذهابه استجابة لرغبة الشيخ الذهبي للقائه، مع إنه قد حصل على الدكتوراه حينها، ولكنه ذهب وكأنه تلميذ صغير يسعى إلى لقاء أستاذه، وهذا من صور التواضع المشكورة، والذي لا يعرف الدكتور محمد رجب البيومي، فليقرأ كتبه، ليرى أنه أشهر، وأقدر على الكتابة من الدكتور الذهبي، ومؤلفاتهما لا تقارن، فللدكتور البيومي أكثر من ثلاثين كتاباً كلها نفيس وثمين، ولكنه الأدب والتواضع.

 
الثانية: حرص الذهبي رحمه الله على العلم، واستغراقه في قراءة الكتاب بعد صدوره مباشرة، وهو في سن متقدمة، وفي هذا درس للكثير منا، الذين لا يحرصون على متابعة الجديد النافع، ويقفون حيث وقفت بهم الدكتوراه وما حولها. وما بعد ذلك فلا متابعة ولا سؤال.
 
الثالثة: فضيلة الرجوع للحق، وأنها تبقى مذكورة في سجل المآثر والشمائل، وانظر إلى هذا الموقف الذي كان في غرفة منزوية عن الناس، فأظهرها الله لنا حتى نتعظ ونتدبر، وبعض الناس يأبى طبعه وخلقه عليه أن يعترف بالخطأ، ويذهب في الجدال كل مذهب، والحق قريب، والأمر واسع، والرجوع إلى الحق أسلم للصدر، وأدعى للقبول عند الله وعند الناس.

وإنني لأقف مع الطلاب دائماً مع موقفين وأحثهم على التدبر فيهما:

الموقف الأول: موقف الإمام مالك مع السائل الأندلسي، حينما اعتذر له عن بعض الأسئلة وقال: “لا أدري!”

والموقف الثاني: موقف ذلك الرجل الذي سأله تلاميذه سؤالاً يعلمون أنه لا جواب له، فادعى علمه وأجاب للتو، فسمي بالخنفشاري! نسبة إلى الكلمة التي سألوه عنها، والتي عقد لها بيتاً من الشعر في مجلسه.

وأقول للطلاب: تأملوا في هذين الموقفين، الإمام مالك صدق مع نفسه، ومع السائل، فذكرت تلك الحادثة في الشمائل والفضائل.

والثاني خاف من أن يتهم بالجهل، فتعالم، فأصبح مضرب المثل في الجهل والتعالم !

 
الرابعة: أن الحق كبير، لا يقلل من شأنه أن يأتي به الصغير في السن أو في القدر أو في العلم، فالذهبي رحمه الله، لم يجادل البيومي، ولم يتمحل الأعذار لنفسه، بل سلم وانتهى الأمر.
 
الخامسة: أنه ينبغي ذكر مثل هذه الحادثة عند دراسة كتاب الذهبي، حيث قد رجع عن تلك الأوصاف التي أطلقها على هذين العالمين، ولو خالفهما في الرأي الذي ذهبا إليه.
 

وهذا من فوائد قراءة التراجم والسير للعلماء، حيث تجد فيها كثيراً من مثل تلك المواقف العلمية، والمجادلات والمحاورات النافعة.

 

رحم الله الذهبي، وجزى الله الدكتور البيومي خيراً. وللحديث بقية إن شاء الله.