وما نَزَلَتْ (كلاّ) بيثربَ فاعلَمَنْ … وقفة مع هذا البيت

بسم الله الرحمن الرحيم

أورد الزركشي في (البرهان)، والسيوطي في (الإتقان) بيتاً من الشعر للديريني يدل على أن (كلا) لم تنزل في المدينة المنورة، ولم ترد في النصف الأول أو الأعلى من القرآن الكريم، وإنما وردت في النصف الثاني منه من سورة مريم (1)، وهذا البيت هو:

وما نَزَلَتْ (كَلاّ) بيثربَ فاعْلَمَنْ *** وما وَردَتْ في الذِّكْرِ في نِصْفهِ الأَعلى

وهذا البيتُ المُفرَدُ، من بحر الطويلِ، وعَروضهُ:
(فَعُولُنْ مَفاعِيْلُن فَعُولُنْ مَفاعِيْلُنْ) مكررة

وقد أشار بعض الباحثين إلى هذا البيت، وأشار بعده إلى أرجوزة عبدالعزيز الديريني (ت694هـ) (التيسير في علم التفسير) وهي منظومة طويلة في التفسير، تقع في ثلاثة آلاف بيت وخمسمائة تقريباً. وأولها:

يا رب أنت المستعان الكافي *** الواحد الفرد الرحيم الشافي

إلى أن قال:

وبعدُ: فالتفسير أقوى سببِ *** إلى العلوم وابتغاء الأرب
وكل علم فمن القرآن *** وفيه أصل سائر المعاني
وعلم تفسير الكتاب أعلى ما *** يعتني المرء به وأجلى
لأنه فهم كتاب المولى فكان *** أوفى مطلب وأولى

ثم تعرض لتفسير غريب القرآن حتى أتى عليها كلها فطالت المنظومة جداً. يقول في آخرها:

نظمته في أربعين يومًا *** ميقات إتمام الكليم الصوما
وكنت أرجو أن يكون ألفاً *** فزاد ضعفاً ثم زاد ضعفا
وزاد حتى خفت أن أكثرا *** فصرت أطوي نشره مقصِّرا
وما شفى لي نظمه غليلاً *** لأنني رأيت قليلا
لكن رجوت أن يكون باباً *** موصلاً يستفتح الأبوابا

الخ.

وهذا البيت المفرد ليس أحد أبيات هذه الأرجوزة لاختلاف البحر.
وقد تعرض الديريني في هذه الأرجوزة الطويلة لموضوع كلا، فقال:

كلا لها وجهانِ، معنى الزَّجْرِ *** والرَّدعِ، فالوقفُ عليها يَجري
والابتدا بها بمعنى حَقَّا *** أثبت بها ما بعدها تُلقَّا
وهي ثلاثٌ وثلاثونَ استمعْ *** والكُلُّ في النِّصفِ الأخيرِ فاتَّبِعْ
وكلُّها في السُّورِ المكيَّةْ *** وقسمةُ القَيسيْ هيَ المَرْضِيَّةْ

 

والقيسي هو مكي بن أبي طالب القيسي رحمه الله، وتقسيمه هذا ذكره في كتابه (كلا وبلى ونعم والوقف على كل واحدة منهن في كتاب الله عز وجل) الذي طبعته دار المأمون بتحقيق الدكتور أحمد حسن فرحات، وقد لخص الزركشي محتواه في (البرهان) 1/522-524.

والبيت الأخير في المطبوعة في مكتبة الباز (1/151) هو:

وكلُّها في السُّورِ المكيَّةْ *** وقسمةُ الفَرَّا هيَ المَرْضِيَّةْ

ولعل كلام الفراء في معاني القرآن له، ولم أراجعه بعد.

والذي يظهر لي أن البيت الذي نقله الزركشي وتبعه غيره في نقله(2)، لا يخلو من احتمالين:

الأول: أن يكون بيتاً مفرداً، من الأبيات التي ينظمها العلماء لضبط بعض المسائل العلمية، ولا زال العلماء حتى الآن يفعلون ذلك، وأمثلته كثيرة في الفنون المختلفة.
الثاني: أن يكون هذا البيت أحد أبيات قصيدته أو منظومته في وجوه (كلا) في القرآن الكريم (3). غير أنه يشكل على هذا أن هذه المنظومة تذكر في كتب الفهارس باسم (أرجوزة في وجوه (كلا) في القرآن)، مما يعني أنها على بحر الرجز، وليس الطويل. وقد يكون هذا تساهلاً في إطلاق مسمى أرجوزة على القصيدة من المفهرسين. وأستبعد أن تكون هذه المنظومة في المكي والمدني كما ذكر بعض الباحثين (4).

ولا يقطع الاحتمالَ إلا الاطلاعُ على هذه المنظومة كاملةً، فلعل أحد الإخوة الباحثين الذين اطلعوا على هذه المنظومة أن يفيدنا بذلك مشكوراً، خدمة للعلم وطلابه.

(1) البرهان للزركشي 1/520، الإتقان 1/48.
(2) البرهان للزركشي 1/520، الإتقان للسيوطي 1/48،الكليات للكفوي 1/754، التبيان في مباحث تتعق بالقرآن لطاهر الجزائري 36، مناهل العرفان للزرقاني 1/190، تهذيب وترتيب الإتقان لعمر بازمول 106 .
(3) محفوظة بدار الكتب بمدينة المنصورة بمصر، كما في فهرس عبدالرحمن عبدالتواب (م.م.خ 4/2 (1958م) 2/32، فهرس مجمع آل البيت بالأردن الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط (علوم القرآن – مخطوطات التجويد)ص13.
(4) انظر: المحرر في علوم القرآن للدكتور مساعد الطيار 74.