{وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّـهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}

بسم الله الرحمن الرحيم

 
من السنة في ليلة العيد سنة التكبير التي ثبتت بنص القرآن الكريم في قوله تعالى في آخر آية رمضان: {يُرِيدُ اللَّـهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّـهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة:185]. وقد ذكر الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن) عند تفسيره لهذا الجزء من الآية والخاص بإكمال العدة والتكبير كلاماً جيداً أحببت أن يقرأ هذه الليلة لينتفع به، وقد تصرفت في كلامه رحمه الله.
 
قال رحمه الله في المسألة الخامسة عشرة: قوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} فيه تأويلان:
– أحدهما: إكمال عدة الأداء لمن أفطر في سفره أو مرضه.
– الثاني: عدة الهلال سواء كانت تسعا وعشرين أو ثلاثين.
 
قال جابر ابن عبد الله قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الشهر يكون تسعاً عشرين». وفي هذا رد لتأويل من تأول قوله صلى الله عليه وسلم: «شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة» أنهما لا ينقصان عن ثلاثين يومًا، أخرجه أبو داود. وتأول جمهور العلماء على معنى أنهما لا ينقصان في الأجر وتكفير الخطايا، سواء كانا من تسع وعشرين أو ثلاثين.
 
المسألة السادسة عشرة: أولًا اعتبار برؤية هلال شوال يوم الثلاثين من رمضان نهارًا بل هو لليلة التي تأتي، هذا هو الصحيح، وقد اختلف الرواة عن عمر في هذه المسألة فروى الدارقطني عن شقيق قال: جاءنا كتاب عمر ونحن بخانقين قال في كتابه: “إن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارًا فلا تفطروا حتى يشهد شاهدان أنهما رأياه بالأمس”.
 
قال أبو عمر: وروي عن علي بن أبي طالب مثل ما ذكره عبد الرزاق أيضًا، وهو قول ابن مسعود وابن عمر وأنس بن مالك، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن والليث والأوزاعي، وبه قال أحمد وإسحاق.
 
وقال سفيان الثوري وأبو يوسف: إن رئي بعد الزوال فهو لليلة التي تأتي، وإن رئي قبل الزوال فهو لليلة الماضية، وروي مثل ذلك عن عمر، ذكره عبد الرزاق عن الثوري عن مغيرة عن شباك عن إبراهيم قال: كتب عمر إلى عتبة بن فرقد “إذا رأيتم الهلال نهارًا قبل أن تزول الشمس لتمام ثلاثين فأفطروا، وإذا رأيتموه بعد ما تزول الشمس فلا تفطروا حتى تمسوا”، وروي عن علي مثله.
 
ولا يصح في هذه المسألة شيء من جهة الإسناد على علي، وروي عن سليمان بن ربيعة مثل قول الثوري، وإليه ذهب عبد الملك بن حبيب، وبه كان يفتى بقرطبة، واختلف عن عمر بن عبد العزيز في هذه المسألة، قال أبو عمر: والحديث عن عمر بمعنى ما ذهب إليه مالك والشافعي وأبو حنيفة متصل، والحديث الذي روي عنه بمذهب الثوري منقطع، والمصير إلى المتصل أولى، وقد احتج من ذهب مذهب الثوري بأن قال: حديث الأعمش مجمل لم يخص فيه قبل الزوال ولا بعده، وحديث إبراهيم مفسر، فهو أولى أن يقال به.
 
قلت: قد روي مرفوعًا معنى ما روي عن عمر متصلًا موقوًفا روته عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: “أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم صائمًا صبح ثلاثين يوماً، فرأى هلال شوال نهارًا فلم يفطر حتى أمسى”. أخرجه الدارقطني من حديث الواقدي وقال: قال الواقدي حدثنا معاذ بن محمد الأنصاري قال: سألت الزهري عن هلال شوال إذا رئي باكرًا، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: إن رئي هلال شوال بعد أن طلع الفجر إلى العصر أو إلى أن تغرب الشمس فهو من الليلة التي تجيء، قال أبو عبد الله: وهذا مجمع عليه.
 
المسألة السابعة عشرة: روى الدارقطني عن ربعي بن حراش عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: قال: اختلف الناس في آخر يوم من رمضان فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي صلى الله عليه وسلم بالله لأهلا الهلال أمس عشية، (فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن يفطروا وأن يغدوا إلى مصلاهم) قال الدارقطني: هذا إسناد حسن ثابت.
 
قال أبو عمر: لا خلاف عن مالك وأصحابه أنه لا تصلى صلاة العيد في غير يوم العيد ولا في يوم العيد بعد الزوال، وحكي عن أبي حنيفة.
 
واختلف قول الشافعي في هذه المسألة، فمرة قال بقول مالك، واختاره المزني وقال: إذا لم يجز أن تصلى في يوم العيد بعد الزوال فاليوم الثاني أبعد من وقتها وأحرى ألا تصلى فيه، وعن الشافعي رواية أخرى أنها تصلى في اليوم الثاني ضحى، وقال البويطي: لا تصلى إلا أن يثبت في ذلك حديث.
 
قال أبو عمر: لو قضيت صلاة العيد بعد خروج وقتها لأشبهت الفرائض، وقد أجمعوا في سائر السنن أنها لا تقضى، فهذه مثلها.
 
وقال الثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل: يخرجون من الغد، وقال أبو يوسف في الإملاء، وقال الحسن بن صالح بن حي: لا يخرجون في الفطر ويخرجون في الأضحى. قال أبو يوسف: وأما في الأضحى فيصليها بهم في اليوم الثالث. قال أبو عمر: لأن الأضحى أيام عيد وهي صلاة عيد، وليس الفطر يوم عيد إلا يوم واحد، فإذا لم تصل فيه لم تقض في غيره ; لأنها ليست بفريضة فتقضى، وقال الليث بن سعد: يخرجون في الفطر والأضحى من الغد.
 
قلت: والقول بالخروج إن شاء الله أصح، للسنة الثابتة في ذلك، ولا يمتنع أن يستثني الشارع من السنن ما شاء فيأمر بقضائه بعد خروج وقته، وقد روى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما بعد ما تطلع الشمس». صححه أبو محمد. قال الترمذي: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وابن المبارك، وروي عن عمر أنه فعله.
 
قلت: وقد قال علماؤنا: من ضاق عليه الوقت وصلى الصبح وترك ركعتي الفجر فإنه يصليهما بعد طلوع الشمس إن شاء، وقيل: لا يصليهما حينئذ، ثم إذا قلنا: يصليهما فهل ما يفعله قضاء، أو ركعتان ينوب له ثوابهما عن ثواب ركعتي الفجر. قال الشيخ أبو بكر: وهذا الجاري على أصل المذهب، وذكر القضاء تجوز.
 
قلت: ولا يبعد أن يكون حكم صلاة الفطر في اليوم الثاني على هذا الأصل، لا سيما مع كونها مرة واحدة في السنة مع ما ثبت من السنة. روى النسائي قال: أخبرني عمرو بن علي قال حدثنا يحيى قال حدثنا شعبة قال حدثني أبو بشر عن أبي عمير بن أنس عن عمومة له: أن قوما رأوا الهلال فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن يفطروا بعد ما ارتفع النهار وأن يخرجوا إلى العيد من الغد. في رواية: ويخرجوا لمصلاهم من الغد.
 
المسألة الثامنة عشرة: قرأ أبو بكر عن عاصم وأبو عمرو – في بعض ما روي عنه – والحسن وقتادة والأعرج {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} بالتشديد. والباقون بالتخفيف، واختار الكسائي التخفيف، كقوله عز وجل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة:3]. قال النحاس: وهما لغتان بمعنى واحد، كما قال عز وجل: {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} [الطارق:17].
 
ولا يجوز {وَلِتُكْمِلُوا} بإسكان اللام، والفرق بين هذا وبين ما تقدم أن التقدير: ويريد لأن تكملوا، ولا يجوز حذف أن والكسرة، هذا قول البصريين، ونحوه قول كثير أبو صخر:
أريدُ لأنسى ذكرها
 
أي لأن أنسى، وهذه اللام هي الداخلة على المفعول، كالتي في قولك: ضربت لزيد، المعنى ويريد إكمال العدة، وقيل: هي متعلقة بفعل مضمر بعد، تقديره: ولأن تكملوا العدة رخص لكم هذه الرخصة، وهذا قول الكوفيين وحكاه النحاس عن الفراء. قال النحاس: وهذا قول حسن، ومثله: {وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام:75] أي وليكون من الموقنين فعلنا ذلك.
وقيل: الواو مقحمة، وقيل: يحتمل أن تكون هذه اللام لام الأمر والواو عاطفة جملة كلام على جملة كلام، وقال أبو إسحاق إبراهيم بن السري: هو محمول على المعنى، والتقدير: فعل الله ذلك ليسهل عليكم ولتكملوا العدة، قال: ومثله ما أنشده سيبويه:

بادت وغير آيهن مع البلى *** إلا رواكد جمرهن هباءُ
ومشجج أما سواء قذاله *** فبدا وغيب ساره المعزاءُ

 
شاده يشيده شيدا جصصه؛ لأن معناه بادت إلا رواكد بها رواكد، فكأنه قال: وبها مشجج أو ثم مشجج.
 
المسألة التاسعة عشرة: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ}.
عطف عليه، ومعناه الحض على التكبير في آخر رمضان في قول جمهور أهل التأويل. واختلف الناس في حده:
 
– فقال الشافعي: روي عن سعيد ابن المسيب وعروة وأبي سلمة أنهم كانوا يكبرون ليلة الفطر ويحمدون، قال: وتشبه ليلة النحر بها.
 
– وقال ابن عباس: حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا وروي عنه: يكبر المرء من رؤية الهلال إلى انقضاء الخطبة، ويمسك وقت خروج الإمام ويكبر بتكبيره.
 
– وقال قوم: يكبر من رؤية الهلال إلى خروج الإمام للصلاة.
 
– وقال سفيان: هو التكبير يوم الفطر.
 
– زيد بن أسلم: يكبرون إذا خرجوا إلى المصلى فإذا انقضت الصلاة انقضى العيد، وهذا مذهب مالك.
 
– قال مالك: هو من حين يخرج من داره إلى أن يخرج الإمام.
 
– وروى ابن القاسم وعلي بن زياد: أنه إن خرج قبل طلوع الشمس فلا يكبر في طريقه ولا جلوسه حتى تطلع الشمس، وإن غدا بعد الطلوع فليكبر في طريقه إلى المصلى وإذا جلس حتى يخرج الإمام، والفطر والأضحى في ذلك سواء عند مالك، وبه قال الشافعي.
 
– وقال أبو حنيفة: يكبر في الأضحى ولا يكبر في الفطر، والدليل عليه قوله تعالى: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّـهَ}، ولأن هذا يوم عيد لا يتكرر في العام فسن التكبير في الخروج إليه كالأضحى.
 
وروى الدارقطني عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: كانوا في التكبير في الفطر أشد منهم في الأضحى، وروي عن ابن عمر: “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر يوم الفطر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى”.
 
وروي عن ابن عمر: أنه كان إذا غدا يوم الأضحى ويوم الفطر يجهر بالتكبير حتى يأتي ثم يكبر حتى يأتي الإمام، وأكثر أهل العلم على التكبير في عيد الفطر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم فيما ذكر ابن المنذر قال: وحكى ذلك الأوزاعي عن إلياس.
 
وكان الشافعي يقول إذا رأى هلال شوال: أحببت أن يكبر الناس جماعة وفرادى، ولا يزالون يكبرون ويظهرون التكبير حتى يغدوا إلى المصلى وحين يخرج الإمام إلى الصلاة، وكذلك أحب ليلة الأضحى لمن لم يحج.
 
صيغة التكبير:
ولفظ التكبير عند مالك وجماعة من العلماء:
الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ثلاثاً.
 
وروي عن جابر بن عبد الله، ومن العلماء من يكبر ويهلل ويسبح أثناء التكبير.
منهم من يقول: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا.
 
وكان ابن المبارك يقول إذا خرج من يوم الفطر: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا.
 
قال ابن المنذر: وكان مالك لا يحد فيه حدا، وقال أحمد: هو واسع. قال ابن العربي: “واختار علماؤنا التكبير المطلق، وهو ظاهر القرآن وإليه أميل “.
 
قيل: لما ضل فيه النصارى من تبديل صيامهم. وقيل: بدلا عما كانت الجاهلية تفعله من التفاخر بالآباء والتظاهر بالأحساب وتعديد المناقب، وقيل: لتعظموه على ما أرشدكم إليه من الشرائع، فهو عام.
 
{وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
كي تشكروا عفو الله عنكم وقد تقدم معنى لعل وأما الشكر فهو في اللغة الظهور من قول دابة شكور إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من العلف وحقيقته الثناء على الإنسان بمعروف يوليكه.
 
قال الجوهري الشكر الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف يقال شكرته وشكرت له وباللام أفصح والشكران خلاف الكفران وتشكرت له مثل شكرت له.
 
وروى الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا يشكر الله من لا يشكر الناس».
 
قال الخطابي هذا الكلام يتأول على معنيين:
– أحدهما: أن من كان من طبعه كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم كان من عادته كفران نعمة الله عز وجل وترك الشكر له.
– والوجه الآخر أن الله سبحانه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس إليه ويكفر معروفهم لاتصال أحد الأمرين بالآخر.
 
نسأل الله أن يتقبل من جميع المسلمين الصيام، وأن يجعلنا من العتقاء من النار. اللهم آمين.