الشيخ الدكتور عبد الرحمن الشهري

من غرائب التأويل عند العامة

من غرائب التأويل عند العامة

الباطنية يفسرون القرآن الكريم على وجهٍ لا علاقةَ لَهُ بلغةِ القرآنِ ولا سياقهِ، ولهم تأويلات غريبة، تَصِلُ بكَ إلى الضحكِ، وصنيعهم هذا قديم، وقد كان السَّلفُ يردونَ عليهم هذه التأويلات ويُبْطِلونَها، ومن طرائف التأويل وإن لم يكن تأويلًا للقرآن، إِلاَّ أَنَّهُ شبيهٌ به،     قال عامر الشعبي: ما أَشبهَ تأويلِ الرافضةِ للقرآنِ بتأويلِ رجلٍ مضعوفٍ مِن بَني مَخزوم مِن أهلِ مكةَ، وجَدتُهُ قاعدًا بفناءِ الكعبةِ، فقال للشعبيِّ: ما عندك في تأويلِ هذا البيت؟ فإِنَّ بَني تَميم يَغلطونَ فيه، فيزعُمونَ أَنَّهُ مِمَّا قيلَ في رَجلٍ منهم، وهو قولُ الشاعرِ:

بيتٌ زُرَارَةٌ مُحْتَبٍ بِفِنائِهِ         ومُجاشِعٌ وأَبو الفَوارسِ نَهْشَلُ

فقلتُ له: فما تقولُ أنتَ؟ قال: البيتُ هو هذا البيتُ، وأشار بيده إلى الكعبة! وزُرارة: الحِجْرُ، زُرِّرَ حول الكعبة!

فقلتُ له: فمُجاشع؟ قال: زَمزمُ، جشعت بالماء!

قلت: فأبو الفوارس؟ قال: هو أبو قُبَيسٍ، جَبَلٌ بِمكةَ!

قلت: فنَهْشلُ؟ ففكَّر فيه طويلًا، ثُمَّ قال: أصبتُهُ، هو مصباحُ الكعبةِ، طويلٌ أسودُ، وهو النَّهشَلُ([1])!

والبيت المذكور أحد أبيات قصيدة مشهورة للفرزدق يناقض بها قصيدة لجرير، ومن أبيات قصيدة الفرزدق:

إِنَّ الَّذي ســَمــَكَ الســَمــاءَ بـَنـى لَنـا
بـــَيــــتـــًا بــَنــــاهُ لَنــــا المــَليــــكُ وَمــــا بــَنــى
بــــَيــــتــــًا زُرارَةُ مــــُحــــــــتــــَبٍ بــــِفــــــــِنــــائــــــِهِ
يـَلِجـونَ بـَيـت مـُجـاشـِعٍ وَإِذا احـتَبوا
لا يـــَحــتــَبــي بــِفــِنــاءِ بــَيــتــِكَ مــِثــلُهــُم
ضَرَبَت عَلَيكَ العَنكَبوتَ بِنَسجِها
  بــــَيــــتــــًا دَعــــائـــِمـــُهُ أَعـــَزُّ وَأَطـــوَلُ
حــَكــَمُ الســَمــاءِ فــَإِنـَّهُ لا يـُنـقـَلُ
وَمــُجاشِعٌ وَأَبـو الفـَوارِسِ نَهشـَلُ
بــــَرَزوا كــــَأَنــــَّهــــــُمُ الجـــِبالُ المــــــُثـــَّلُ
أَبـــَدًا إِذا عـــُدَّ الفـــَعــالُ الأَفــضــَلُ
وَقَضى عَلَيكَ بِهِ الكِتابُ المُنزَلُ

وهي قصيدة من جياد قصائد الفرزدق.

والبيت الذي أخطأ المخزومي في شرحِهِ قد شرحَهُ أبو عبيدة في «شرح النقائض» فقال: قوله: زُرارة، يعني زرارة بن عُدُس بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك. ومُجاشع بن دارم. ونَهشل بن دارم.

قال أبو عبد الله: سمعت بعض ولدِ عُطارد بن حاجب بن زرارة يقول: ليس في العرب إلا عُدَس بفتح الدال إلا في تميم فإنه عُدُس بضمها[2].

 

[1] انظر: العقد الفريد لابن عبد ربه (1/269)، عيون الأخبار لابن قتيبة (2/146).

[2] شرح النقائض (1/292).