الشيخ الدكتور عبد الرحمن الشهري

تَجرِبةٌ قَديِمَةٌ للتفسير الموسوعيِّ الجماعي

تَجرِبةٌ قَديِمَةٌ للتفسير الموسوعيِّ الجماعي

تفسير خَلَفِ السجستاني (ت399هـ)

حَفَلت الحضارةُ الإسلاميةُ على امتدادها طولًا وعرضًا على مساحات واسعة من الأرض والتاريخ بصنوف أعاجيب الهمم العالية، والتصانيف المدهشة، وقد انصرفت عناية العلماء والأمراء إلى القرآن وخدمته انصرافًا ظاهرًا في عهود الإسلام الزاهرة.

ومنذ زمنٍ قرأتُ في ترجمة أحد ملوك سجستان، وهو خَلَفُ بنُ أَحْمد بن مُحمَّد بن الليث السِّجستاني، المولود سنة (326هـ)، والمتوفى مسجونًا سنة (399هـ)، أنه قد جَمَعَ عددًا من العلماء والباحثين في دارٍ للبحث العلمي يشرف هو بنفسه عليها لتصنيف تفسير موسوعي شامل للقرآن الكريم.

وقد وصفه أهل التراجم بالعلم ومحبته ومحبة أهله، فقال ابن الأثير في ترجمته في حوادث سنة (393هـ): «وكان خَلَفُ مشهورًا بطلبِ العلمِ، وجَمعِ العُلماءِ»، وقال الذهبي في ترجَمتهِ: «المَلكُ المُحدِّثُ، صاحبُ سِجستان خَلَفُ بن أحمد بن محمد بن الليث السجستاني الفقيهُ، مِنْ جِلَّةِ المُلوكِ، لَهُ إِفضالٌ كثيرٌ على أهل العلم، مولده في سنة ست وعشرين وثلاث مائة، وسَمِع من مُحمَّد بن علي الماليني صاحب عثمان بن سعيد الدارمي، ومن عبد الله بن محمد الفاكهي المكي، وأبي علي بن الصواف، وعلي بن بندار الصوفي. روى عنه أبو عبد الله الحاكم، وأبو يعلى بن الصابوني، وطائفةٌ، وانتخب عليه الدارقطني، وامتدت دولتهُ، ثُمَّ حاصره السلطان محمود بن سبكتكين في سنة ثلاث وتسعين، وآذاه، وَضَيَّقَ عليه، فنَزَل بالأمان إليه، فبعثه مكرمًا في هيئةٍ جيدةٍ إلى الجوزجان، ثُمَّ بعد أربع سنين وُصِفَ للسلطان أَنَّهُ يُكاتب سلطانَ ما وراء النهر أيلك خان فضيق عليه»[1].

وقال ابن كثير في ترجمته: «وخَلَفُ بن أحمد كان أميرًا على سِجستان، وكان عالِمًا»[2].

قصة تصنيف التفسير الموسوعي:

بعد توليه مُلك سجستان بعد عام (350) من الهجرة، رأى الملكُ العالمُ خلفُ السجستاني كثرةَ ما نُقِلَ وصُنِّفَ حتى زمانهِ من تفاسير القرآن، وما استجدَّ من العلوم المتعلقة به، فبدا له أن يصنّف تفسيرًا موسوعيًّا يشتمل على كلِّ ما قيل في تفسير القرآن، مع ترتيبه وتهذيبه، وتبويبه على خطة علمية محكمةٍ، استشار في وضعها العلماء في وقته، ثم شرع في مشروعه العلمي الكبير الذي لم يصنعه قبله أحدٌ لطوله، وكلفته المالية العالية، وربما يضاف إلى ذلك ضعف الهمم عن كتابته وتحصيله.

وفكرةُ تصنيف تفسيرٍ جامعٍ للقرآن لا يَدَعُ شيئًا إلا أتى عليه خَطَرَتْ لكثيرٍ من العلماء والباحثين قديمًا وحديثًا، ولعلَّ مِنْ أولِ من فَكَّر في هذا الأمر الإمامُ الطبريُّ عندما قال لطلابه: هل تنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ قال: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا مِمَّا تفنى الأعمارُ قبلَ تَمامهِ! فاختصره في نَحو ثلاثةِ آلافِ ورقة.

وقد كان الملك خلف موصوفًا بالجود والكرم والعلم وحُبّ العلماء، يقول الذهبي: «وكان في أَيَّامهِ مَلِكًا، جَوادًا، مَغشيَّ الجنابِ، مُفضِلًا، مُحسنًا، مُمَدَّحًا، جَمَع عِدَّةً من الأئمةِ على تأليفِ تفسيرٍ عَظيمٍ، حَاوٍ لأقوالِ المُفسِّرينَ، والقُرَّاءِ، والنُّحاةِ، والمُحدِّثينَ. فقال أبو النضر في كتاب «اليميني»: «بلغني أَنَّهُ أَنفق عليهم في أسبوعٍ عشرين ألف دينارٍ، قال: والنُّسخةُ به بنيسابور تستغرقُ عُمْرَ الناسخِ»[3].

ويحدثنا المؤرخ أبو نصر العتبي عن هذا الكتاب ومكان وجوده في وقته فيقول: «وقد كان -يعني خَلفَ بنَ أحمد- جَمَعَ العلماءَ على تصنيفِ كتابٍ في تفسير كتاب الله تعالى، لم يُغادِر فيه حرفًا من أقاويل المفسرين، وتأويل المتأولين، ونُكَتِ المُذكِّرين، وأَتبعَ ذلك بوجوه القراءاتِ، وعِلَلِ النَّحوِ والتصريفِ، وعلامات التذكير والتأنيث، ووشَّحها بِما رواهُ عن الثقات الأثبات من الحديث. وبلغني أَنَّه أَنفقَ عليهم مدةَ اشتغالِهم بِمعونتهِ على جَمعِه وتصنيفهِ عشرين ألف دينارٍ، ونسختها بنيسابور في مدرسة الصابونية، لكنَّها تَستغرقُ عُمْرَ الكاتبِ، وتستنفدُ حِبْرَ الناسخِ، إِلا أَن يتَقاسَمها النُّسَّاخُ بالخطوطِ المختلفة). اهـ.

وهذا التفسير الموسوعي يقع في مائة مجلد، كما نقل المنيني (ت: 1172هـ) عن الكرماني قوله: «تفسيرُ خَلَفٍ مشهورٌ مذكورٌ، وهو مائة مُجلَّد، وبعضُ مُجلداتهِ نُقل إلى خزانة الكتب بالمسجد المنيفي -كذا في المطبوع والصواب: المنيعي- من مدرسة الصابوني بعد خرابِها، وهي الآن فيها)[4].

وقال ابن الأثير يصف هذا التفسير: «وله كتابٌ صنَّفَهُ في تفسيرِ القُرآنِ من أكبرِ الكتب».

وقال ابن خلدون: «ثُمَّ هَلَك خَلَفُ سنة تسعٍ وتسعين وثلاثمائة... وكان خَلَفُ كثيرَ الغاشيةِ من الوافدين والعلماءِ، وكان مُحسنًا لهم. أَلَّف تفسيرًا جَمَعَ له العلماءَ من أهل إِيالتهِ، وأنفق عليهم عشرين ألف دينارٍ، ووضعه في مدرسة الصابوني بنيسابور، ونَسْخُهُ يستغرقُ عمرَ الكاتبِ إِلا أن يُستغرقَ في النَّسخِ)[5].

وإذا كان تفسير الطبري المختصر في ثلاثة الآف ورقةٍ، وقد طُبِعَ الآنَ عدة طبعاتٍ، منها ما هو في ثلاثين جزءًا، ومن آخرها ما يقع في أربعة وعشرين مجلدًا، فثلاثين ألف ورقةٍ ستكون في مائتين وستين مُجلَّدًا تقريبًا، وهو حَجمٌ -إِن صَحَّت طريقتي في الحسابِ أو قاربت- يفوقُ ما كُتِبَ فيه تفسيرُ خَلَفٍ السجستانيِّ الذي كتبَ في مائة مُجلَّدٍ، غير أن الطبري كان وحده من جهةٍ، وكان ضعف همة طلابه عن الكتابة مانعًا من جهة أخرى، وأما خلف فقد جمع لذلك لجنةً علمية من العلماء، وأشرف على الأمر بنفسه، وكان ذا مالٍ وافرٍ أنفق منه على هذا المشروع.

وتفسير خلفٍ هذا مفقودٌ اليوم حسب علمي، ولعلّ هذا التفسير الذي أشرف عليه خلف السجستاني المَلِكُ العالِمُ، وأَنفق عليه بنفسهِ، وشارك فيه ولا بد لكونهِ من العلماء كما ذكر أهلُ التراجم، يكون قد استوعبَ -أو كاد- ما كُتب في التفسير قبله، ومعظمها فقدت في الأزمنة المتأخرة، ولو عُثِرَ على هذا السِّفرِ الطويل لأضاف شيئًا كثيرًا لكتبِ التفسير؛ لأنَّ منهجه الاستيعاب والاستقصاء فيما يظهر، والله أعلم.

وصف الكتاب ومنهجه:

ذكر أبو نصر العتبي أَنَّ هذا التفسير:

- لم يُغادِر فيه حرفًا من أقاويل المفسرين.

- وتأويل المتأولين.

- ونُكَتِ المُذكِّرين.

- وأَتبعَ ذلك بوجوه القراءات.

- وعِللِ النَّحوِ والتصريفِ، وعلامات التذكير والتأنيث.

- ووشَّحها بِما رواهُ عن الثقات الأثبات من الحديث.

وذكر الذهبي في وصف التفسير أَنَّه:

- حَاوٍ لأقوالِ المُفسِّرينَ.

- والقُرَّاءِ.

- والنُّحاةِ.

- والمُحدِّثينَ .

فتبيَّنَ لنا مِن وَصفِهم لهذا التفسيرِ الموسوعيّ:

1- أنه قد جَمَعَ ما روي من تفسير النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلم-، وتفسير الصحابة والتابعين وتفسير السلف مِمَّن جاءَ بعدهم، وجَمَعَ أَقوالَ المُفسِّرينَ قَبلَهُ، وتأويل المتأولين الذين صنّفوا في التفسير قبله كالطبري وغيره.

2- وأنه جَمَعَ وجوهَ وأَقوال عُلماءِ القراءات في توجيه القراءات القرآنية، فجاء حافلًا بهذا، والوقت الذي صنف فيه هذا التفسير معاصر لزمن أبي علي الفارسي الذي يُعَدُّ من أوسعِ مَنْ صنَّف في تَوجيه القراءاتِ، ولَهُ في ذلك كتابُ «الحُجَّة» وغيره.

3- وجَمع أَقوال النحويينَ وتوجيهاتِهم لآيات القرآنِ الكريم، وهذا الأمر قد حفلت به كتب التفسير المعاصرة له والتي جاءت بعده كـ«البسيط» للواحدي، ولست أدري هل هذا التفسير كان من مصادر الواحدي في تفسيره أم لا، وهل نصَّ على النقل منه أحد من المفسرين.

4- وجَمعَ أقوالَ أَهلِ اللغةِ في غريب القرآنِ، وتصريفِ الألفاظِ، وهذا الجانب من أولى الجوانب بالعناية في كتب التفسير، فكيف بمثل هذا الكتاب الذي بناه صاحبه على الاستقصاء والاستيعاب.

ومن الأمور التي لم يُشَر إليها في وصفه ولعله أغفلها:

1- أوجه البلاغة في التفسير، لم ينصّ عليها مَنْ وَصَفَ التفسير، ولعلّ العناية بهذا الجانب في ذلك الوقت لم تكن كبيرة عند المفسرين بخلاف من جاء بعدهم إلى زماننا هذا الذي كثرت العناية به، وصنفت في ذلك المصنفات.

2- أحكام القرآن الفقهية، فلم يرد ذكر لأقوال الفقهاء واستيعابه لها؛ مما قد يشير إلى أنه كان يرى أن هذه ليست من شأن كتب التفسير كما حدث بعد ذلك في «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي وغيره، وهذا يفيدنا في معرفة مدلول كلمة التفسير عند المتقدمين، وأنها مقتصرة برغم سعتها على جوانب معروفة ليس منها التوسع في أحكام الفقه والبلاغة.

3- أوجه إعجاز القرآن المختلفة التي لم تكن قد تحررت في زمنه بشكلٍ ظاهرٍ، وقد توسع العلماء في بيان أوجه الإعجاز بعد ذلك، ولعلّ الدعوات المعاصرة للتصنيف الموسوعي في التفسير تضع من أولوياتها بيان أوجه إعجاز القرآن البلاغية والعلميّة وغيرها؛ مما يدل على أن الحاجة لتفسير القرآن حاجة متجددة، وأنَّ هناك أوجهًا حديثة ظهرت الحاجة إلى تناولها في كتب التفسير.

وما زال حلم التفسير الموسوعي ينتظر أصحاب الهمم:

مُنًى إن تكنْ حَقًّا تكن أطيبَ المُنى        وإِلا فقد عشنا بها زمنًا رغدًا

 

[1] سير أعلام النبلاء (17/117).

[2] البداية والنهاية، أحداث: (354هـ).

[3] سير أعلام النبلاء (17/117).

[4] الفتح الوهبي على تاريخ أبي نصر العتبي (1/375)

[5] تاريخ ابن خلدون (4/481).